10 سنوات على رحيل الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط:إسرائيل بلا مستقبل والأرض مقابل السلام .. كلام فارغ

20/11/2016 - 11:15:20

الفنان إسماعيل شموط الفنان إسماعيل شموط

مجدى عثمان - فنان وناقد مصري

للناقد الإسرائيلي "عاموس كينان" مقالة منشورة، يحكى فيها عما رأى فى مدينتى "اللد" و"الرملة" أثناء تجواله هناك حينما أمر رئيس الحكومة آنذاك دافيد بن جوريون بالطرد والتهجير الجماعى لسكانهما، ورأس عملية التنفيذ قائد المنطقة إسحق رابين؛ حيث تم إخلاء السكان بالقوة وطردهم.


   يصف "كينان" البيوت والأبنية المفرغة من سكانها وحالة العبث والتدمير الهائل لأحياء اللد والرملة واللحظات التى مرت حين ترك الناس بيوتهم، فمنهم من ترك الطبيخ على نار البريموس ومنهم من ترك فناجين القهوة فاترة لم تُشرب بعد، وهناك بيت مميز دخله "كينان" وإذ به يرى لوحات فنية مرسومة على قماش قيم، منها موضوع على الحامل وألوانها لم تجف، وبدا له أن شابا كان يرسم اللوحة ولوحات أخرى مبعثرة بغرفة المكان قبل ما حدث وكأنه تواق إلى عالم يخلو من الحروب والدمار، وكأنه لم يدرك أن لحظة الوداع الأخيرة والفراق حتما آتية، وأنه لن يسعد أبدا فى تحقيق حلمه، وسيكون هو هناك فى الغربة إلى الأبد.


   كلمات "كينان" عن ذلك الذي يتوق "إلى عالم يخلو من الحروب والدمار" أخذتني أخذا إلى تذكر الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط (1930 ـ 2006)، وقد مرت ذكراه العاشرة في هدوء غير مُحبب. هو كما قال لى حين التقينا قبل سنوات من وفاته "لداوى طُرد من البر"، وقد عاش مع زوجته الفنانة تمام الأكحل في الأردن، وهو مؤسس حركة الفن التشكيلى الفلسطينى كما يرى البعض. توق شموط إلى عالم خال من الحرب لعله ما استفز الفنانة الأردنية نعمت الناصر عند توجهها للرسم وشاهدت أعماله، وقالت إنها تتسم بقليل من الثورة وكثير من الرومانسية، وإنها خالفت كثيرا من أعمال الفنانين الذين تصدوا للرسم فى المعاناة الفلسطينية مثقلينها بخيوط السجن والظلام، عبر انحيازها للجانب الإنسانى: "لن يسعد أبدا فى تحقيق حلمه وسيكون هو هناك فى الغربة إلى الأبد" وهذا أكيد فما يزال حلمه عالقا بين إسرائيل وفلسطين، وفلسطين وفلسطين، كما أنه مات غريبا غربتين بعيدا عن وطنه الأم "فلسطين اللد" ووطنه الواقعى "الأردن".


   وكان معرضهما "السيرة والمسيرة"، في القاهرة، وتذكرت حواري معه حينما قدم إلى القاهرة مع زوجته، والمعرض منحاز لعدم تجريد الفلسطينيين من تاريخهم وذاكرتهم. سألته: صدق الشاعر "محمود درويش" الحجر وكذب النصوص الزائفة، وقال للشهداء أن يتساقطوا غما، وللشعراء أن ينفجروا حلما، وللحكماء أن يستدرجوا شعبا إلى الوهم السعيد.. ما موقف الحجر والرسم فى أعمالك؟ وكيف ترى الشهداء والحكماء أيضا؟ وأى وهم سعيد تعيشه فى هذه التجربة؟


    أجاب: تأتى أهمية الحجر فى لفت نظر العالم بما فى ذلك الأشقاء العرب، بأن هذا الإنسان الفلسطينى الأعزل متروك أمام هذه الآلة الحربية الضخمة لا يملك إلا صوته والحجر ليعبر به عن رفضه لهذا الوضع القمعى من الاحتلال الإسرائيلى، فى عام 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان بقيادة شارون للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، وبقى شارون على مشارف بيروت وأحاطها وقصفها بأسلحته من الجو والبحر والبر، ولكنه رغم ذلك لم يستطع دخولها، مانعته - إلى حد - قواتنا فى بيروت، حتى انسحب الجيش الإسرائيلى، وقد بقينا انا وزوجتى "تمام" لمدة سنة فقط بعد تلك العملية ولم يسمح لنا بالبقاء بعدها فى لبنان، فانصب تفكيرى على كيفية التغلب على هذ الأمر؟ لم يعد مسموحا لقواتنا العسكرية التابعة للمنظمة بالوجود في حدود فلسطين التاريخية وتشردت ما بين السودان والجزائر وتونس وليبيا، وأذكر حديثى مع الشاعر "سميح القاسم" فى بلد ما عام 1983 وسألنى: برأيك ما هو الحل؟ فقلت له: الحل موجود تحت أقدام أطفالنا فهم الذين سيجدون المخرج لهذا المأزق الذى نعيشه.


* هل عبرت عن ذلك فى لوحاتك؟


ـ نعم، فى عام 1983 رسمت لوحتين (أطفال الحجـــارة، أطفال الدهيشة) والاسم الأخير لمخيم اللاجئين الفلسطينيين قرب بيت لحم.


* هل ماتت نظرية بن جوريون "الكبار سيموتون والصغار سينسون"، ولن تعود هناك قضية فلسطينية؟ وهل ترى كما قال شارون إن العنف هو القادر على إخماد الروح الوطنية الفلسطينية؟


ـ بالطبع لا: فنحن أبناء الكبار الذين ماتوا، وما زلنا نناضل، بل على العكس إن كل جيل يأتى بعدنا يزداد تشبثا بالقضية، اذهب إلى أى مخيم واسأل أى طفل: من أين أنت؟ على الفور يذكر اسم القرية التى ولد فيها أبوه وجده ولا ينسب نفسه إلى مخيم ما.


* "دخل لأعدائه فى البيت شايل رسمة، والرسمة ما فيهاش سما ولا بيت لكن لها صوت" (عبد الرحمن الأبنودى عن ناجي العلي).. متى يكون للرسمة صوت وكيف يستطيع المتلقى سماعه؟


ـ أعتبر اللوحة التى لا تخلق حوارا مع الناس لوحة غير ناضجة، ودائما أحاول إيجاد ذلك فى لوحاتى. فمثلا اللاجئون المنتظرون تسليم صدقات الأمم المتحدة، إذا اقتربت منهم تحس كأنك تسمع "دوشتهم" أو ربما ترى أحدا تعرفه، وأذكر أنه عندما أقيم معرضنا "السيرة والمسيرة" للمرة الأولى عام 2000 فى عمان، جاءنى شخص بعد أن طاف المعرض عدة مرات وقال لى ماذا فعلت بنا، إننا لا نستطيع الخروج، نحس أن هناك من ينادى علينا. ومعنى هذا فى رأيى أن لوحاتى كانت قادرة على أن تحدث هذا الحوار فهناك أشخاص فى لوحاتى أجعلهم - وأتعب فى سبيل ذلك - كأنما يستدعون المشاهد ليحاورهم.


* توجه ناجى العلى إلى نقد الأنظمة العربية والعقلية العربية بشكل عام أكثر من توجهه إلى نقد العدو الإسرائيلى.. فى أى منطقة من النقد أنت، وعلى مَنْ تتضمن أعمالك للانتفاضة؟


ـ كان ناجى العلى صديقا عزيزا، وبالفعل كانت معظم أعماله تهاجم الأنظمة العربية، لكن هدفه الأساسى كان العدو الصهيونى الذى شرده مع شعبه، أما لوحاتى فهى ذاكرة للأحداث الماضية، وموجهة لأبناء شعبى ومن بعدهم الأمة العربية لتبقى الأجيال القادمة على دراية بالأسباب المباشرة للنضال الفلسطينى. لوحاتي تذكير وتحريض ضد الوضع القائم فى الأرض المحتلة، وفى البلدان العربية، فإذا أوضحت للناس كيف أجبرنا على ترك وطننا، فهو اتهام للأنظمة العربية وللعالم الذى سمح بحدوث تلك المأساة، كما أنها انتقاد للاتفاقيات التى أُبرمت، لكننى لست رساما للكاريكاتير لأتناول حدثا يوميا، فأنا صاحب لوحة تختزل أحداثا كثيرة فى أشكال معينة همها الأساسى إبقاء الأحداث حية.


* هل كان من الأفضل للقضية أن يقدم الدعم المادى والمعنوى، وتسليح الفدائيين الفلسطينيين فى داخل فلسطين ليقوموا بالمهمة بأنفسهم ليتم تحييد الموقف الدولى؟


ـ حسب معلوماتى أن الشهيد عبد القادر الحسينى، وهو أحد القادة الفلسطينيين فى تلك الفترة، اجتمع بعدد من القادة العرب فى سوريا، بهدف جلب أسلحة إلى المناضلين الفلسطينيين حتى يستطيعوا الاستمرار فى الكفاح ضد المؤامرة الصهيونية، لكنه عاد بعدما تأكد من أنه لا توجد نية لتقديم السلاح أو المساعدة الحقيقية من أجل الصمود أمام الاستعمار الصهيونى، وأعتقد أن عودته تلك من دمشق إلى القسطل معلومة للجميع، حيث كانت القوات الفلسطينية، التى كونت نفسها بنفسها، وحدث اشتباك مع العدو الإسرائيلى وفيه استشهد عبد القادر الحسينى. وهذا مثال يؤكد أنه فى عام 1948 لم تكن القيادات العربية قادرة على أن تتخذ قرارات حقيقية، وفى رأيى أن الجيوش العربية التى دخلت فلسطين من أجل تحرير فلسطين "خربت علينا" وأُحمل الزعامات العربية المسئولية، كما أُحملها أيضا للزعماء الفلسطينيين الذين صدقوا وآمنوا بأن الأنظمة العربية قادرة على أن تساعدهم وتدعمهم فى قضية التحرير، ومعروف لدى الجميع قضية الأسلحة الفاسدة فى عام 1948 بعد أن دخلت مصر المعركة، وأُشير هنا الى أن رئيس أركان حرب الجيوش العربية، وهو فى الوقت نفسه قائد عام الجيش الأردنى كان "جلوب باشا الإنجليزي" رغم أن إنجلترا هى التى مهدت لقيام دولة إسرائيل من أجل تهويد فلسطين بسبل كثيرة.


    القضية ليست هي السلاح، كما أن الانتفاضة ليست حجارة فقط، فالحديث عن الميزان العسكرى والتفوق الإسرائيلى لا ينفى وجود عامل مهم وجديد يخلق التوازن نسبيا وهو هؤلاء الشبان المستعدون للاستشهاد فى سبيل الوطن، نحن لا يمكننا الادعاء بأن الحجارة تستطيع أن تحرر ولكنها تقدر على أن تحرك، وتوقظ العالم العربى وغير العربى بأن هناك شعبا من حقه أن يعيش فى وطن مستقل حر كريم.


* هل تجدي معك فكرة الأرض مقابل السلام؟


ـ لا، هذا كلام فارغ ، فإسرائيل نفسها لا تؤمن به، ولم يرد على لسان أحد من مسؤولي إسرائيل مطلقا ـ منذ أن طرحنا نحن كعرب مشروع الأرض مقابل السلام ـ أنه وافق على ذلك. هم قالوا السلام مقابل السلام، السلام مقابل الأمن، السلام مقابل البقاء فى المستوطنات، ومن ذلك أرى أن دولة بهذه العقلية لا مستقبل لها على الإطلاق.