الأم شجاعة .. غيبت بريخت وانحرفت عن منهجه

20/11/2016 - 11:13:44

علاء قوقة ورغدة فى الأم الشجلعة علاء قوقة ورغدة فى الأم الشجلعة

يسري حسان - شاعر مصري

فى عام 1949، وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وعاد برتولت بريخت إلى ألمانيا التى كان قد هرب منها إلى السويد، أخرج بريخت نص "الأم شجاعة" الذى كتبه عام 1939 وقامت بدور الأم شجاعة زوجته هيلينا فايجل، لكن الجمهور تعاطف مع البطلة مما دعا بريخت إلى إعادة النظر فى المسرحية وحذف وأضاف ليتجنب هذا التعاطف الذى لم يقصد إليه، والذى يتنافى أساسا مع منهجه.


    المنهج البريختى، كما هو معروف، يعمد إلى فكرة التغريب أى عدم اندماج الممثل فى أداء الشخصية وكسر الإيهام المسرحى، حتى لا يتعاطف الجمهور مع الشخصيات التى أمامه، وذلك على عكس الدراما الإغريقية التى تقدم شخصيات نبيلة تدفع الجمهور إلى التعاطف معها.


    الأم شجاعة التى اعتبرها الكثيرون من نقاد المسرح أعظم نص كتب فى القرن العشرين، مسرحية تعالج ويلات الحرب ومآسيها، وتؤكد أن الفضيلة لا يمكن أن تنتصر فى زمن الفساد أو تحصل على مكافأة، ونصها الأصلى يدور فى فترة الحروب الدينية في أوروبا وتحديدا فى الفترة من 1624 إلى 1636.


    مثلت المسرحية صرخة مدوية، وقت عرضها، ومازال نصها حتى الآن تحتفظ ببكارته حيث أن ما صرخ ضده مازال موجودا وربما استمر ما استمرت الحياة، ومن هنا فإن النص يغرى الكثيرين بتقديمه وخاصة فى منطقتنا العربية التى تشهد نفس الظرف تقريبا الذى شهدته أوروبا فترة الحروب الدينية وما بعدها فى الحربين العالميتين الأولى والثانية.


    الأم "كوراج" أو الأم شجاعة سيدة تتغذى هى وأولادها الثلاثة على يوميات الحرب، ليست سيدة مثالية، ربما دفعتها إلى ذلك ظروف الحرب، حيث أصبحت الحرب بالنسبة لها ملاذا يؤمن لها هى وأولادها قوت يومهم، لا يشغلها من ينتصر أو ينهزم، ولا من يحارب من، كل ما يشغلها هو أن تبيع بضاعتها للجنود وتشترى منهم الذخيرة لتبيعها لأعدائهم، وهكذا الكل لا يتحلى بأى صفات نبيلة، حتى المذهبى أو رجل الدين لا تشغله سوى فكرة الاسترزاق فهو دائما ما يدعو لمذهب المنتصر، وعندما يحل السلام تنزعج الأم شجاعة فهو ليس مجالها الحيوى الذى تستطيع العيش فيه، وعلى الرغم من أنها تفقد أبناءها الثلاثة واحدا إثر الآخر فإنها لا يطرف لها جفن.


    هكذا أراد بريخت أن يصور مآسى الحروب وكيف تؤدى إلى تشوه البشر وإفقادهم لإنسانيتهم، والنص إدانة بالغة لتجار الحرب وصرخة مدوية ضد الحرب نفسها خاصة عندما تكون لأهداف غير نبيلة بالمرة.


    حاليا يقدم المخرج المصري محمد عمر من إنتاج البيت الفنى للمسرح عرض "الأم شجاعة" الذى تقوم ببطولته النجمة رغدة وعلاء قوقة وأحمد أبو عميرة وصفاء جلال وعدد من الممثلين، فكيف عالج المخرج النص وما مدى التزامه بالمنهج البريختى فى العرض؟


    يخبرنا ملصق الدعاية (الأفيش) بأن العرض كتابة وإخراج محمد عمر، وهو أمر، بالنسبة لى على الأقل، غريب وغير معتاد مع نص مسرحى سواء كان مصريا أو مترجما، صحيح أن من حق المخرج أن يقدم تفسيره الخاص للنص ويضيف أو يحذف بعض الجمل أو حتى المشاهد والشخصيات، وهو ما فعله محمد عمر، لكن أن يذكر كلمة "كتابة" فذلك افتئات على حق الكاتب الأصلى للنص الذى لم ألمح حتى اسمه على الأفيش كمصدر لما كتبه محمد عمر.


    دعك من ذلك، وانظر مثلا إلى سكة الأداء التى أخذها معظم الممثلين، وهى سكة، فى ظنى، أبعد ما تكون عن المنهج البريختى، وخاصة أداء النجمة المثقفة رغدة التى كانت فى معظم مشاهدها مندمجة تماما فى الشخصية إلى الدرجة التى أظن معها أنها حظيت بتعاطف الجمهور رغم أن كاتب النص الأصلى لم يهدف إلى ذلك أبدا، ولعل واقعة تعاطف الجمهور مع زوجته حين لعبت الدور نفسه، واضطراره إلى إعادة النظر فى النص خير دليل على ذلك.


    الأم شجاعة التى تعتبر الحرب تجارتها الرائجة وتحزن كثيرا عندما يحل السلام، حاول العرض الإيحاء بأنها أمريكا، وسعى إلى استعراض الصراعات المذهبية التى تؤجج نيران الحرب وكشف رجال الدين الأدعياء الذين يتقلبون بين المذاهب حسب الظروف، وتشير شاشة السينما التى احتلت البانوراما الخلفية إشارات واضحة إلى ما يحدث فى سوريا الشقيقة، ومع التسليم بأن أمريكا هى المستفيد الأول من الحروب، فقد تجاهل المخرج تماما، وربما نزولا على رغبة بطلة العرض، المتسبب الأول فى هذه الصراعات وهو الحكم الدكتاتورى الذى أوصلنا إلى ما نحن فيه الآن، وبدا متناقضا مع نفسه وهو يلقى بوزر الحرب على الصراعات المذهبية التى تستفيد منها أمريكا وتبيع وتشترى للمتحاربين، دون أن يشير ولو بشكل خاطف، إلى صانع هذه البيئة الأول وهو الدكتاتور، سواء فى سوريا أو فى غيرها من البلاد التى تعيش نفس المآسى.


    بغض النظر عن التفسير الذى قدمه محمد عمر فإن العرض فى مجمله لم يستطع إحداث هذه الهزة العنيفة التى يسعى إليها ولم تصل رسالته بشكل واضح إلى الجمهور رغم حرص المخرج على تقديمه باللغة العامية بدلا من الفصحى وسعيه إلى محاولة الإضحاك فى بعض المواقف وهى محاولات فى غير محلها، مع وجود استثناءات قدمها علاء قوقة أبرز نجوم العرض الذى قام بدور المذهبى المتقلب بين المذاهب حسب مذهب المنتصر، وكذلك الممثل الشاب أحمد أبو عميرة، ولا أدرى لماذا المباشرة الفجة فى اختيار أسماء الشخصيات مثل دبشك ودشمة ودانة وشهوة، فهى فى ظنى تزيّد لا يضيف إلى العرض بقدر ما يضعه فى منطقة فيها من الهزل أكثر مما فيها من الجد وفى وقت لا يحتمل الهزل تماما.


    ورغم أن النص الأصلى طويل وتستغرق بعض عروضه أكثر من خمس ساعات، فقد شعرت بالإطالة غير المبررة حيث استغرق العرض حوالى الساعتين ونصف الساعة، وكان يمكن اختزال بعض المشاهد التى لم تحقق إضافة تذكر للعرض ومنها مثلا مشاهد الغانية شهوة، فضلا عن أن محاولات محمد عمر، أو ربما الشاعر الذى كتب الأغانى، كتابة مناطق شعرية خاصة فى المونولوجات، لم تكن موفقة وجاءت مليئة بالأخطاء العروضية.


    وعلى الرغم من كل تلك الملاحظات فلا يمكن إنكار الجهد الذى بذله المخرج فى السيطرة على ممثليه وانضباطهم إلى حد ما، ومحاولته الإبقاء على شيء من بريخت فى العرض مثل الاقتصاد فى استخدام الديكور، وإن لم تسعفه الإمكانات فى استخدام شاشة العرض على نحو يثرى العرض أكثر، وكذلك دخول بعض الممثلين من وسط الجمهور، لكن ذلك كله كان مجرد لمحات خاطفة من بريخت الذى بدا غائبا فى كثير من الأحيان عن أجواء العرض.


    أما رغدة نجمة العرض فقد بذلت جهدا فائقا فى أداء دورها بغض النظر عن انحرافها عن المنهج البريختى واندماجها كثيرا فى تقديم الشخصية، وكان علاء قوقة مجيدا وأكثر فهما ووعيا بطبيعة النص وأدى دور المذهبى بخفة ظل تتناسب مع هذه الشخصية النفعية المدعية، وكذلك صفاء جلال فى دور الغانية "شهوة"، وأحمد أبو عميرة فى دور الطباخ، وعذرا لباقى الممثلين الذين لم أعرف أسماءهم لأن البيت الفنى لم يطبع "دليلا" للعرض الذى استغرقت بروفاته حوالى العام ونصف العام ثم جاءت النتيجة على عكس ما توقعت من مخرج صاحب خبرة وتجارب جيدة وممثلة مثقفة وموهوبة فى حجم رغدة.. لعن الله السياسة التى تخرجنا دائما عن الخط الذى يجب أن نسير فيه.