السنباطي « يزعج » أم كلثوم بتلحين قصائد لمنافساتها

20/11/2016 - 11:12:18

رياض السنباطى رياض السنباطى

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

سعدت مثل الكثير من قراء "الهلال" بمقال الشاعر أحمد عنتر مصطفى في عدد سبتمبر 2016، والتي تناول فيها بعض خفايا علاقة أم كلثوم بعملاق النغم رياض السنباطي، حيث عرض لما اعتور التعاون بينهما من توقف، جراء خلافات حول النص الغنائي أو أجر اللحن، وضرب مثلا لتلك الخلافات من كتاب د. رتيبة الحفني "أم كلثوم: معجزة الغناء العربي"، وهو ما حدث عام 1955، عندما أعطى السنباطى لحن أغنية "يا ناسيني" للمطربة شهرزاد، وتغنت به ـ كما جاء في الكتاب ـ في حفل غنائي أقامته الإذاعة المصرية بمناسبة عيد الربيع (1955).


    ونقل الأستاذ أحمد عنتر مصطفى عن د. رتيبة الحفني أسباب السنباطى لذلك، ويرجع إلى رغبته في "أن يبعث إلى أم كلثوم برسالة ويلقنها درسا، وأن يفهمها أنه يستطيع أن يعمل مع أصوات سواها من المطربات، وأن يسمو بمكانتهن عبر ألحانه"، إلا أن هناك مصادر كثيرة أثبتت لتلك الخلافات أسبابا أخرى، بل دعمتها بتواريخ ووقائع مختلفة، وهو ما سوف أعرضه في هذا المقال.


    في كتابها "أم كلثوم عصر من الفن"، تحدثت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن أسباب الخلاف بين أم كلثوم والسنباطى فقالت: "والسنباطى فنان ذو كبرياء... وهو أكثر ملحنيها تمردا عليها، من أنفة فيه تجعله يثور لمجرد ظن المساس به في فنه الذي يعتز به، فهو لا يقبل أثناء التمرين مخالفة اللحن الموضوع، إلا إذا جاء التغيير رجاء رفيقا أو اقتراحا رقيقا، فيلبي في أريحية"، ومنذ أن وضع السنباطى لحنه المعجز من مقام الكرد لمونولوج "النوم يداعب عيون حبيبي"، وتغنت به أم كلثوم عام 1938، وسجلته على أسطوانة لشركة أوديون (خليل المصري ومحمود كامل: كوكب الشرق أم كلثوم)، اعتمد السنباطى لألحانه بصفة عامة – والتي وضعها لأم كلثوم بصفة خاصة – منهجا متميزا، حيث جمع في ذلك المنهج بين الأصالة والحداثة، الأصالة متمثلة في الاعتماد على عناصر موسيقية مغرقة في الشرقية كالإيقاعات والمقامات العربية والحركة اللحنية المنضبطة، بينما تبدت الحداثة في مسحة الهارومونية (التوافق الصوتي) التي تتجلى في صياغاته الموجزة للائتلافات الثلاثية في اللحن، بالإضافة إلى اعتماده على آلات موسيقية جديدة كالتشيللو والكونترباص. وقد أوجزت الباحثة الأمريكية فرجينيا دانيلسون في تعريفها لمنهج السنباطى في صياغة الألحان فقالت: "لقد أدخل السنباطى في أعماله لمحات موسيقية جديدة، دون أن يتعارض ذلك مع اتخاذ الأعراف الموسيقية العربية أساسا لها" (فرجينيا دانيلسون: صوت مصر أم كلثوم) وإلى تلك اللمحات الموسيقية الجديدة ترجع خلافات أم كلثوم والسنباطى وفترات توقف تعاونهما.


     وقبل "يا ناسيني" فترة توقف أخرى أو اضطراب في تعاونهما، وبالتحديد بين عامي 1943 و1946، حيث تشير سجلات برامج الإذاعة التي كانت تنشر بمجلة "الراديو المصري"، والتي حوتها بعض المصادر الموثوق بها مثل كتاب "كوكب الشرق أم كلثوم" الذي أعده كل من خليل المصري ومحمود كامل، إلى توقف التعاون بين السنباطي وأم كلثوم خلال عامي 1943 و1945، ومن المهم التذكير هنا بأن تلك الفترة لا تختلف في أسبابها عما تلاها من فترات توقف التعاون فيها بينهما تماما، إلا أنها تجلو تلك الأسباب وتوثق لخفايا الأحداث.


    قدم السنباطى لأم كلثوم خلال الأعوام السبعة الأولى من تعاونهما أربعة وعشرين لحنا لأغنيات مختلفة القوالب أو الصيغ اللحنية، لعل أشهرها مونولوج "النوم يداعب عيون حبيبي"، وجاء ختام تلك المجموعة عام 1943 متمثلا في طقطوقة "أفكر فيه وينساني"، وهي من نظم الشاعر أحمد رامي (د. إيزيس فتح الله ومحمود كامل: أم كلثوم، الجزء الأول من موسوعة "أعلام الموسيقى العربية")، وقبل عامين من بداية توقف التعاون بين أم كلثوم والسنباطى عام 1943، وخلال عام 1941، استمع عشاق الغناء العربي – وعبر كل من الإذاعتين المصرية والبريطانية – إلى مجموعة من القصائد أطلقها السنباطى عبر حناجر مجموعة من المطربات المخضرمات أو الصاعدات، ومن تلك القصائد المجموعة التالية:


(أقرطبة الغراء، شعر: ابن زيدون، وغناء مفيدة أحمد، 31 أغسطس1941).


 (بين أزهار ونبت وظلال، شعر: فاضل سليم، وغناء حياة محمد، 17 سبتمبر 1941).


(يا لعينيك ويا لي، شعر أحمد فتحي، وغناء عصمت عبده، 25 سبتمبر 1941، الموافق 4 رمضان 1360).


وبالإضافة إلى هذه القصائد التي توزعت على أصوات ثلاث مطربات، اثنتان منهن (حياة محمد ومفيدة أحمد) من المخضرمات، والثالثة (عصمت عبده التي عرفت فيما بعد باسم عصمت عبد العليم) من الأصوات الناشئة آنذاك، قدم السنباطى قصيدة رابعة بصوته عام 1941، هي "ردك الله سالما لفؤادي"، كلمات أحمد رامي، وتغنى السنباطى بلحنها – الذي لا نعلم عنه شيئا الآن - عبر أثير الإذاعة المصرية في العاشرة والربع من مساء الجمعة 11 يوليو 1941.


    أربع قصائد أطلقها السنباطى في صيف 1941، ولكنها بدت في أذني أم كلثوم كبرقيات التلغراف السريعة والمقتضبة، فلم تتوقف عندها كثيرا، ولم تعرها من اهتمامها شيئا ذا بال، ولكنها توقفت تتناوشها مشاعر القلق التي أقضت مضجعها، عندما بث القسم العربي من الإذاعة البريطانية في الثامنة والربع (بتوقيت مصر الصيفي) من مساء الجمعة 5 سبتمبر 1941 "قطعة غنائية بصوت أسمهان ومن ألحان رياض السنباطى" (الراديو المصري: العدد 337، 30 أغسطس 1941)، كانت القطعة الغنائية التي نوهت عنها "الراديو المصري" هي قصيدة أحمد فتحي: "يا لعينيك ويا لي"، وقد أعاد البرنامج العربي من إذاعة لندن تقديم هذه القصيدة بمسمى "القطعة الغنائية" مرات كثيرة بصوت أسمهان، ومن ذلك تقديمها في الثامنة والربع من مساء الاثنين 12 أكتوبر 1942 باسم "حديث عينين" (الراديو المصري: العدد 395، 10 أكتوبر 1942).


    رأى الكثير من النقاد الجادين صوت أسمهان المنافس الحقيقي لصوت أم كلثوم على طول مشوارها الفني، وعن ذلك كتب الناقد الراحل كمال النجمي: "أسمهان كانت صاحبة أجمل صوت نسائي ظهر في عصرنا بعد صوت أم كلثوم، كانت صوتا فريد النبرات، دقيق الملامح، نبيلا معطرا معطاء، سليما ناضجا من أعلى جوابه إلى أدنى أراضيه" (كمال النجمي: الغناء المصري: مطربون ومستمعون). وبالطبع، كان السنباطى مدركا لكل ذلك، فأسند غناء قصيدته "حديث عينين" إلى أسمهان، وقبل أن تتغنى بها عصمت عبد العليم عبر أثير الإذاعتين المصرية والبريطانية. تبدأ القصيدة بالبيتين التاليين:


يا لعينيك ويا لي  من تسابيح خيالي


فيهما ذكرى من الحب ومن سهد الليالي


    مزج السنباطى في لحنه للقصيدة بين أسلوبين، أحدهما تراثي والآخر معاصر أو حداثي (بمفهوم ذلك العصر)، تمثل الأسلوب أو العنصر التراثي في مقام الجهاركاه الذي اتخذه مقاما أساسيا للحن، وجهاركاه هي كلمة فارسية تعني الرابع في الترتيب، وتطلق الكلمة على النغمة الرابعة في ترتيب نغم جنس "الراست" (غطاس عبد الملك خشبة: المعجم الموسيقي الكبير، المجلد الثاني)، فصاغ السنباطى من لحن مطلع القصيدة مقدمة موسيقية عزفتها الفرقة الموسيقية، وشارك السنباطى الفرقة عزف المقدمة بعزفه المتفرد على العود، الذي لا تخطئه أذن متذوق لتراث ذلك العهد الغنائي، وأما عنصر الحداثة في اللحن فقد تكفل به صوت أسمهان، وقد رصد أكثر من ناقد موسيقي ذلك العنصر الذي صوره صوت أسمهان أكمل تصوير، ومن هؤلاء الناقد والعالم الموسيقي الدكتور سعد الله أغا القلعة (وزير السياحة السوري السابق)، الذي قال في برنامج عن أسمهان بالقناة الفضائية الأردنية: "تؤدي أسمهان في تعبيرية واضحة، ويبدو ذلك في أدائها لبيت: (وشقاء الروح يسري/ نحونا طيف ملال)، أداء أكثر من معجز".


    وتجيء الباحثة الأمريكية شريفة زهور لتحلل أداء أسمهان للقصيدة بعد سنوات مما تحدث به الدكتور القلعة، فترصد عنصر الحداثة في لحن القصيدة: "وفي عدد من هذه الأقسام الوسطى (تعني الأبيات الوسطى من القصيدة)، فإن الارتجالات، ونغمات أسمهان المتوسطة الحزينة، وتقسيمها للعبارات الموسيقية، وأصداء زخرفتها المترددة، وتوقيتها، إن كل ذلك يجعل تمييز صوتها من صوت أم كلثوم أمرا مستحيلا، وهذه مفارقة في تاريخ الأغنية" (شريفة زهور: أسرار أسمهان).


    انقسم مؤرخو ونقاد الغناء أمام إسناد السنباطى لحن القصيدة لأسمهان إلى فريقين. البعض وهم قلة قالوا إن أم كلثوم عجزت عن أداء القصيدة كما تمنى السنباطى، فأعطاها بإيعاز من محمد القصبجي لأسمهان، ومن هذا الفريق الباحث السوري صميم الشريف (المرجع السابق)، في حين اتفق الفريق الآخر وهم الكثرة الغالبة مع الرأي الذي ساقه الأستاذ أحمد عنتر مصطفى في مقاله المشار إليه، وهو أن السنباطى أراد بإطلاق القصيدة – ومن بعدها أغنية "يا ناسيني" – بأصوات غير صوت أم كلثوم، أن يثبت لأم كلثوم وللجميع أنه يستطيع تسنم ذرى المجد بألحانه وليس بأصوات ناقليها، وأنحاز إلى الفريق الأخير.


    تتبقى ملاحظتان أخيرتان ومهمتان، تدور أولاهما حول ما جاء بمقال "الهلال"، بشأن ما نقل عن كتاب "أم كلثوم معجزة الغناء العربي" عن غناء شهرزاد للحن السنباطي "يا ناسيني" في حفل الإذاعة بعيد شم النسيم 1955، وللحقيقة والتاريخ – وبالرجوع إلى سجلات برامج الإذاعة المصرية – فإن الإذاعة قدمت الأغنية لأول مرة بعد نصف الساعة من منتصف ليل الأربعاء 23 يونيو 1954، وشدت شهرزاد بالأغنية التي كتبها مأمون الشناوي، لأول مرة أمام جمهور إحدى حفلات الإذاعة على مسرح الإذاعة العائم أو الباخرة سودان، تلك الحفلة التي نقلتها الإذاعة المصرية في منتصف ليل الثلاثاء الموافق 6 يوليو 1954.


    وأما الملاحظة الثانية فتتعلق بقصيدة "حديث عينين"، التي يقول الشاعر صالح جودت عنها في كتابه "شاعر الكرنك أحمد فتحي" إن هذه القصيدة: "وردت في ديوان (قال الشاعر)، وورد معها (أن الشاعر أهداها إلى أسمهان في مارس عام 1938، فغنتها لحساب الإذاعة البريطانية، على أن تذاع من إذاعة لندن وحدها، ولهذا لم يتح لنا أن نسمعها من إذاعتنا العربية (يقصد الإذاعة المصرية)". ومن العجيب حقا أن الإذاعة المصرية التزمت تماما بالشرط المتمثل في قصر إذاعة القصيدة بصوت أسمهان (من إذاعة لندن وحدها)، فلم تقدم الإذاعة المصرية القصيدة بصوت أسمهان ولو مرة واحدة حتى الآن! بينما اكتفت بتقديمها بصوت عصمت عبد العليم خلال الأربعينيات وعلى فترات متباعدة.