مهرجان الإسكندرية السينمائي يحتفي بالسينما « المقاومة »

20/11/2016 - 11:09:14

لمى طيارة - ناقدة سورية

  قد لا يكون من الأجدى أن نكتب عن مهرجان سينمائي بعينه من دون التنويه إلى مستقبل السينما كصناعة بدت مؤخرا متراجعة إلى حد ما، كما ونوعا، ليس فقط في العالم العربي بل في مصر الرائدة فيها، وخاصة في ظل ما يعيشه وطننا العربي من أحداث دامية قد تكون السبب الأول في تراجع هذه الصناعة وربما في عدم جدواها في الوقت الحالي بالنسبة لصانعي القرار.


    مقدمتي هذه تأتي بعد حضور الدورة 32 لمهرجان الإسكندرية السينمائي (21 ـ 26 سبتمبر 2016)، والتي حملت اسم (يسرا)، النجمة المتألقة التي لها باع كبير في السينما المصرية، فرغم أن مهرجان الإسكندرية كأقدمية تراتبية يأتي بعد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ـ ويتبعه كثير من المهرجانات في الأهمية كمهرجان الإسماعيلية للأفلام القصيرة والتسجيلية، ومهرجان الأقصر للسينما الإفريقية والمهرجان العربي الأوروبي الذي مازال يتلمس طريقه وسط كل هذا الصخب ـ إلا أن دورة هذا العام لم تحظ بالنجاح المعهود للمهرجان وإدارته التي استطاعت عام 2013 أن تنظم دورة ناجحة رغم قانون حظر التجوال في مصر والذي شمل ضيوف المهرجان.


    ويأتي التراجع في المهرجان في حمله فوق طاقته للكثير من المسابقات التي وصلت إلى ست، وهي سابقة لم تحدث في أي مهرجان كبير، واللافت أن المهرجان الذي عودنا على أفلام جيدة في دوراته السابقة، خذلنا هذا العام، وحين تسأل عن السبب يأتي الرد صافعا، وبحق، فما أتيح لدورة هذا العام هو من أفضل ما توصلت له لجنة المشاهدة من الأفلام الواردة، لدرجة أن المشاهد العادي وليس الناقد المتخصص يكتشف ضعف بعض الأفلام وخاصة المصرية، بينما تظهر على السطح أفلام أخرى تفرض نفسها وبقوة، وتشير إلى نفسها بالبنان على أنها الأفلام الفائزة. والسؤال الذي يطرح نفسه حينها، لماذا تسمح دولة كمصر، ومن قبلها بطبيعه الحال المغرب وعلى نفس الخط حاليا الجزائر، بإقامة كل هذه المهرجانات السينمائية، رغم أن الإنتاج لايستوعب كل هذه المهرجانات؟ سواء الإنتاج المحلي والعربي أو حتى الأوروبي غير المتوفر حاليا، أو بالأصح غير المرغوب مشاركته حاليا في المهرجانات العربية التي تتسم بالفوضى بعد الربيع العربي، هذا إذا تجاوزنا شروط المهرجانات ذاتها، والتي تمنع مشاركة فيلم سبق أن شارك في مسابقات أخرى داخل البلد نفسه، ونلتفت مباشرة إلى تجربة دولة الإمارات التي برقت يوما ما بأضخم المهرجانات السينمائية في المنطقة، وكانت تبدد عليها ملايين الدولارات لتجعلها في القمة، فأحدثت مهرجان دبي السينمائي ومهرجان أبوظبي السينمائي ومن ثم مهرجان الخليج، والتفتت مبكرا جدا إلى هذا الهدر ووظفته لخدمة السينما الإماراتية، فأوقفت إلى حين مهرجان أبوظبي السينمائي ومهرجان الخليج، ودعمت بالمقابل السينما الإماراتية وتجارب الشباب الإماراتي، ليأتي يوم يتنافس فيه فيلمهم ويفوز، كما حصل في مهرجان الإسكندرية 2016 مع فيلم "ساير الجنة" للمخرج سعيد سالمين. فلماذا لا تنتبه الدول التي تعاني أزمات اقتصادية إلى هذه الظاهرة؟ هذا السؤال في عهدة المعنيين من أصحاب القرار.


    اتخذت دورة هذا العام من مهرجان الإسكندرية المقاومة شعارا لها، وحضرت الجزائر ومصر وفلسطين ضيوفا على برنامج (السينما والمقاومة) بإشراف المخرج علي عبد الخالق، فعرضت مجموعة من الأفلام التي تدور في هذا المنحى.


    كما قدمت دراسة خاصة عن القدس في السينما، للناقد المصري عماد نويري، ومجموعة أوراق عمل قدمها نقاد عرب من كل من مصر وسوريا والجزائر وفلسطين بطبيعة الحال. كما صدرت كتب عن سينمائيين غادرونا مؤخرا ولكن بريقهم مازال يخطف أبصارنا أمثال المخرج الراحل محمد خان الذي غادرنا تاركا إرثا سينمائيا عظيما، لن يخلده هذا الكتاب لوحده بطبيعة الحال، بقدر ما ستخلده أفلامه، ومنشورات أخرى عن سينمائيين مازالوا ينورون طريقنا أمثال المخرج هاشم النحاس، ومحمد راضي وسمير فرج ومحسن علم الدين والفنان يوسف شعبان، بينما افتقرت المنشورات كالعادة، إلى الشخصيات السينمائية العربية المرموقة التي مرت يوما ما على مصر أو في ذاكرة الشعب سينمائيا.


    وكان المهرجان قد أعلن قبل بدء دورته الأخيرة عن تكريم مجموعة من الوجوه السينمائية المعروفة أمثال السوريين عبد اللطيف عبد الحميد وغسان مسعود، ولكنه اكتفى في حفل الختام بتكريم شخصيتن فقط، نظرا لتغيب معظم المكرمين بحسب رئيس المهرجان، فكرم في حفل ختامه كلا من الممثل السوري غسان مسعود الذي حضر في الأيام الأخيرة للمهرجان، والممثلة اليونانية ماريا تسومباناكي عن مجمل أعمالها.


    ورغم الإرباك الذي أحدثته كثرة المسابقات السينمائية وخصوصا مع تقليص أيام المهرجان لتصبح 6 أيام بدلا من 7، وكثرة الأنشطة المرافقة لها، يبقى للمهرجان بريقه في استضافته لشخصيات عظيمة، أمثال الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن الذي كان حاضرا ليوقع عمله الأدبي "ليلة سقوط غرناطة".


ست مسابقات


    لم يكتف المهرجان كما ذكرنا بالمسابقات الرسمية بل وسعت نطاقها لتشمل 6 مسابقات، نذكر منها المسابقة الأولى الأساسية التي تجسد مضمون المهرجان وأهدافه "مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لدول البحر المتوسط" والتي رأس لجنتها المخرج الأفغاني الأصل الفرنسي الجنسية عتيق رحيمي الذي لم يحضر، وضمت 14 فيلما سينمائيا من كل من سوريا والمغرب ومصر ولبنان وقبرص وإسبانيا وسلوفينا وإيطاليا والبوسنة وغيرها، وحصد معظم جوائزها الفيلم الإسباني ""ضفاف النهر" جائزة أفضل فيلم، وجائزة نجيب محفوظ لأفضل سيناريو، ونالت بطلته إيفي دروسو جائزة فاتن حمامة، أما جائزة عمر الشريف لأحسن ممثل فذهبت إلى آلان سعادة بطل الفيلم اللبناني "كتير كبير". وحصد الفيلم اليوناني "الغذاء والمأوى" جائزة يوسف شاهين لأفضل إخراج وجائزة الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية (فيبريسي) أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة ففاز بها الفيلم الألباني "كروم".


   في مسابقة الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة لدول البحر المتوسط التي ترأس لجنتها المخرج التونسي رشيد فرشيو تنافس في مسابقتها الوثائقية 9 أفلام من كل من فلسطين ومصر وكرواتيا وتونس ولبنان والمغرب وفرنسا وإسبانيا وغيرها، وفاز الفيلم الإسباني "عمي رامون"، بينما نال الفيلم الفلسطيني الوثائقي القصير "علوش" جائزة لجنة التحكيم. في حين تنافس 16 فيلما من كل من مصر ولبنان والجزائر وفلسطين والبوسنة وكرواتيا وإسبانيا واليونان وإيطاليا في مسابقة الفيلم القصير، وفاز فيها الفيلم اللبناني "أعمى الكاتدرائية".


    وفي مسابقة الفيلم العربي الوثائقي الطويل فاز بجائزة أفضل عمل الفيلم العراقي "غني لي" للمخرجة سما وهام، ونال الفيلم المغربي "رجاء بنت الملاح" إخراج عبد الإله الجوهري جائزة لجنة التحكيم الخاصة.


    أما مسابقة الفيلم العربي الروائي الطويل "مسابقة نور الشريف" وهي من المسابقات التي استحدثت العام الماضي (2015) فترأسها الممثل المصري عزت العلايلي، وشارك فيها 15 فيلما من مصر وتونس والمغرب وسوريا والجزائر والعراق والكويت ولبنان والإمارات، وجاءت نتائجها على النحو التالي: جائزة أحمد الحضري للعمل الأول وفاز بها المخرج العراقي وليد طاهر عن فيلمه "باكو"، وهي الجائزة التي تحدث لغطا دائما في هذا المهرجان رغم أنها مجرد جائزة تشجيعية للمخرج وليست جائزة تقديرية. وحصل الفيلم الجزائري "نجم الجزائر" على جائزة أفضل إنجاز، وحصل الفيلم التونسي "خسوف" على جائزة أفضل سيناريو، والفيلم السوري "سوريون" على جائزة أفضل إخراج، وحصل الفيلم الإماراتي "ساير الجنة" على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وفاز بجائزة أفضل فيلم عربي المغربي "اسمي عادل"، ونالت السورية رنا شميس جائزة أفضل ممثلة عن فيلم "فانية وتتبدد"، وحصل الممثل الكويتي فيصل العميري على جائزة أفضل ممثل عن فيلم "حبيب الأرض".


اسمي عادل ونجم الجزائر


   فيلمان من شمال إفريقيا أردت الوقوف عندهما. الأول "اسمي عادل"، وهو التجربة الأولى للمخرج المغربي الشاب عادل عزب والذي لعب أحد أدوار البطولة، ويرصد الفيلم السيرة الذاتية للمخرج، المولود في قرية صغيرة فقيرة في المغرب والمشغول برعاية الغنم، وكيف تحول لاحقا وبإرادته القوية ليصبح شخصية مرموقة، بعد أن غادر المغرب شابا صغيرا ليلتحق بالدراسة خارجا، راميا بعرض الحائط كل الالتزامات التي ألصقت به كطفل وكادت تنهي حياته كراعي غنم.


    أما الفيلم الآخر فهو الجزائري "نجم الجزائر" سيناريو وإخراج رشيد بن حاج، وهو فيلم ينطلق من قصة حياة الشاب موسى الذي يحاول أن يحقق أحلامه الفنية، لكن الإرهاب والمشاكل الاجتماعية والعاطفية تقف حائلا وتسد عليه الطريق. قدم الفيلم صورة للممارسات الإرهابية والقمعية في الجزائر أثناء العشرية السوداء، بطريقة غير تقليدية، فلم يحّملنا كمشاهدين عناء مشاهدة الدم والقتل الذي كانت تشهده الجزائر وشعبها. تدفع الأحداث تدريجيا موسى للتخلي عن آماله، فيتقدم للسفر إلى فرنسا وحين يفشل في الحصول على التأشيرة، يقرر أن يغادر الجزائر بطريقة غير شرعية برفقة حبيبته التي تمسها يد الإرهاب في اللحظة ما قبل الأخيرة للعبور، وحين يتحول موسى إلى رجل بلا أمل وبلا حب أو مستقبل، يأخذه الطريق ليصبح واحدا من أعضاء تلك الجماعة التي دمرته.