وداعاً جمال قطب .. شاعر البورتريه!

20/11/2016 - 11:07:50

محمد رضوان

فجعت هذا الأسبوع بنبأين مزلزلين: رحيل موسيقار لغتنا العربية الجميلة فاروق شوشة (1936-2016) الذي رحل عنا يوم 14 أكتوبر 2016 وبعدها بيومين رحل شاعر البورتريه بلا منازع الفنان جمال قطب (1930-2016) الذي رحل يوم 16 أكتوبر 2016 وقد سعدت بمعرفتهما على مدى أربعين عاماً منذ عملت بمجلة الهلال   في مارس 1973 وكانت معرفة وثيقة رائعة، أستعيد اليوم بعض ملامحها السريعة.


ارتبطت روايات نجيب محفوظ عندي منذ مطالع شبابي بأغلفة الفنان جمال قطب حيث كانت تثير عندي الخيال الواسع لاستشفاف شخصيات روايات الكاتب الكبير.


وعندما عملت بمجلة الهلال في مارس 1973 رأيت الفنان جمال قطب يتردد على مكتب صديقه الشاعر الكبير صالح جودت وتعرفت إليه وتمنيت أن يرسم غلافاً لأحد كتبي ذات يوم وتحين الفرصة حين يوافق الشاعر صالح جودت على أن ينشر كتابي "صفحات مجهولة من حياة زكي مبارك" في سلسلة كتاب الهلال ويصدر الكتاب في أكتوبر 1974 وبغلاف الفنان جمال قطب ثم يتكرر الأمر ويرسم غلاف كتابي الثاني "مأساة شاعر البؤس  عبدالحميد الديب" الذي صدر في فبراير 1976.


وفي فترة رئاسة الشاعر والأديب صالح جودت للهلال (1971- 1976) ابتكر فكرة رسم بورتريهات لكبار نجوم الأدب والفن والفكر توزع هدية مجاناً مع كل عدد من الهلال فقام الفنان جمال قطب برسم بورتريهات رائعة لطه حسين والعقاد والمازني وعلى محمود طه وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب والمازني وغيرهم من أقطاب الأدب والفن والعلم لكنها للأسف ضاعت لأنها كانت تصدر منفصلة عن المجلة وكنت أزور الفنان جمال قطب في فيلته الهادئة بمدينة الصحفيين بالقرب من حي المهندسين وكلفني بإعداد قصص عن أبطال الإسلام لنشرها في بيروت وقمت بإعداد أربعة كتب عن خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد لكن تشاء الظروف أن يتعثر نشرها في بيروت وتنشر في مكتبة مصر وقد رسم أغلفتها الفنان جمال قطب وأثناء عملي مديراً لتحرير مجلة السراج ثم في مجلة «النهضة» في سلطنة عمان قابلت الفنان جمال قطب أثناء زيارته للعاصمة العمانية مسقط بدعوة من وزارة الإعلام بها وأجريت معه حواراً صحفياً نشر في مجلة النهضة حوالي عام 1985.


وبعد عودتي إلى مصر وعودتي لعملي في مجلة الهلال منتصف عام 1994 تواصلت لقاءاتنا ثم طلب مني الاشتراك في إعداد موسوعة أعلام الفكر العربي التي تصدر في مكتبة مصر في أجزاء صغيرة ثم اقترحت تجميعها في مجلدات وزيادة حجمها وبالفعل كنا نجتمع كل يوم أحد بمكتبة مصر بالفجالة، الفنان جمال قطب والأديب سعيد جودة السحار (1910- 2005) صاحب مكتبة مصر وأنا لإعداد الشخصيات المقترحة التي كنت أقترح معظمها ثم أقوم بالإعداد ويتولى الفنان جمال قطب عمل البورتريه لكل شخصية أدبية أو تاريخية أو فنية أو علمية.


وصدر المجلد الأول سنة 1999 وقد قدر الأديب سعيد جودة السحار جهودي وأصر على أن يتضمن المجلد الثاني بورتريها خاصا بي رسمه الفنان جمال قطب ثم توالت المجلدات لتصل إلى المجلد الخامس الذي صدر سنة 2007 وبعد رحيل الأديب سعيد جودة السحار توقفت مجلدات أعلام الفكر العربي.


وأعترف أنني لم أشارك في إعداد شخصيات المجلد الخامس إلا بضع شخصيات أدبية قمت بإعدادها وبالتحديد شخصيات الشاعر السوري أنور عدي ومؤسس الأهرام بشارة تقلا والشاعر الحلمنتيشي حسين محمد طنطاوي ود. عبداللطيف حمزة والشيخ عطية صقر وعيسى الناعوري ومحمد زغلول سلام ومحمد رجب البيومي ومحمد زكي العشماوي ومحمد كرد على ومصطفى سويف وهاشم الرفاعي حيث إنني لم أكن أكتب إلا عن الشخصيات التي تستحق بعطائها وقيمتها الأدبية والعلمية.


ثم توالت رسوم الفنان جمال قطب لأغلفة مؤلفاتي سواء التي صدرت عن مكتبة مصر مثل شاعر الهمسات وعشاق وظرفاء أو التي صدرت عن كتاب الهلال فيما بعد مثل «قيثارة مصر صالح جودت» و«الملاح التائه على محمود طه» وشاعر الروابي الخضر: أحمد خميس وشاعر قصة الأمس أحمد فتحي وكتابي «اعترافات السندباد المصري» وقد كتبت عدة مقالات عن الفنان جمال قطب خاصة في مجلة الهلال فقد كتبت عنه في عدد أبريل 2012 مقالاً أسعده وكنت أحرص على زيارة الفنان جمال قطب في فيلته الهادئة التي يقدم لنا فيها أروع الأغلفة والبورتريهات.


وقبل أن أنسى أذكر أن روايات نجيب محفوظ ارتبطت عند القارئ العربي بأغلفة الفنان جمال قطب وعندما أعيد طبعها بدون أغلفته فقدت سحرها وجاذبيتها الفنية من الناحية الطباعية.


وسوف أقدم هنا بعض اللمحات السريعة عن مشوار الفنان جمال قطب مع الريشة والقلم الذي امتد لأكثر من نصف قرن من الزمان أثرى فيه المكتبة الأدبية والفنية بلوحاته التشكيلية ومؤلفاته في تاريخ الفن التشكيلي العربي والعالمي.


ولد الفنان جمال قطب في الأول من أكتوبر 1930 بقرية "محلة مرحوم" القريبة لمدينة طنطا التابعة لمحافظة الغربية وبعد استكمال دراسته المتوسطة التحق بكلية الفنون الجميلة وفيها ظهرت موهبته كفنان تشكيلي متميز، فتعاون مع مجلات دار الهلال وهو ما زال طالباً في الكلية ثم أصبح الرسام الأول لدار الهلال بعد تخرجه وعمل مستشاراً فنياً لها وشهدت مجلات المصور وحواء والهلال إبداعاته الفنية كما شهدت أغلفة مجلة الهلال وكتاب الهلال وروايات الهلال أروع الأغلفة سواء في مجال فن البورتريه أو اللوحات الفنية المعبرة.


وقد أضاف الفنان جمال قطب كثيراً لأغلفة الكتب سواء روايات وقصص نجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس ومؤلفات توفيق الحكيم وسواء في فن البورتريه الذي تجلى في أغلفة العديد من الكتب التي صدرت في القاهرة وبيروت منذ ستينيات القرن العشرين ولم يكن جمال قطب مجرد رسام أو فنان تشكيلي فقط بل كان ناقداً ومؤرخاً فنياً قدم عدة كتب مصورة عن تاريخ الفن المعاصر منها: الملهمات في الفن والتاريخ - ملهمات المشاهير في الأدب والفن - أشهر الرسامين والموسيقيين - روائع الفن العالمي - الفن والحرب وتكمن أهميتها على أنها حوت صوراً ملونة نادرة تضفي قيمة على أهمية الكتاب.


وفي الستينيات أنجز موسوعة «انتصار بورسعيد» بلوحاته المعبرة التي ترجمتها هيئة الاستعلامات ووزعت في جميع أنحاء العالم بعدة لغات.


ملهمته


كانت البورتريهات التي رسمها معبرة وتنطق بكل المعاني والتعبيرات خاصة النساء في أغلفة الروايات وقد سئل عام 2005 عن ملهمته بين كل هؤلاء المهمات فأجاب بأنه قبل أن يرسم لوحة ينام ويحلم بكل تفاصيلها ويحولها إلى واقع..


أما ملهمتي فهي زوجتي ورفيقة رحلة عمري حيث ترى كل ما أرسمه قبل أن يخرج للنور وتبدي ملاحظتها عليه، فهي السيدة رجوات يوسف حيدر من أسرة عريقة، أسرة الفريق حيدر وزير الدفاع المصري في مرحلة ما قبل ثورة 1952 وهي مثقفة وواعية.


وقت أنجب الفنان جمال قطب ثلاثة من الأبناء الموهوبين:


هشام الابن الأكبر ويملك حساً نقدياً فنياً رغم تخصصه في التجارة وإدارة الأعمال ود. هبة أستاذة الطب الشرعي بجامعة القاهرة والمحاضرة المتخصصة في القنوات الفضائية وهالة مديرعام بوزارة الثقافة والتي تقوم بتدريس الديكور وقد ورث ابنها علاء موهبة الفن وأصبح خبيراً في هذا المجال ويدرس التصميمات الفنية بالجامعة الفرنسية.


وكانت رحلة الفنان جمال قطب مع الصحافة حافلة منذ عمل بمجلات دار الهلال وكانت لوحاته تنشر على صفحتين في مجلات دار الهلال وكانت تلك المرة الأولى التي تحتل الرسوم هذه المساحة الكبيرة بعد الفنان الحسين فوزي الذي توقف عن الرسم لكنه أعجب بموهبة جمال قطب ولم يبخل عليه يوماً بمعلومة.


وكان الحقل الصحفي مفتاحاً سحرياً للفنان جمال قطب فتسابقت دور النشر الخاصة ليرسم أغلفتها وحظت مكتبة مصر بالنصيب الأكبر بعد أن أصبح مستشارها الفني وكانت صداقته بمؤسسها سعيد جودة السحار ثم ابنه أمير تساعده على طباعة لوحاته بأعظم الإمكانات المتوفرة في فن الطباعة.


وميزة لوحاته الصحفية أنها تعكس وجوه الناس وتعبيراتهم تختلف عما يبدعه فنانو المعرض الذين يركزون على النسب الفنية والجمالية في اللوحة لكن أسلوب جمال قطب في أغلفته للروايات ورسومه في المجلات كان موازياً وموضحاً للدراما ويحولها إلى صور تعبيرية، فجذب إليه القراء الذين يقرءون ويهتمون بالغلاف والرسوم الداخلية التي تعبر عن أحداث القصة أو الرواية.


وقد تعرف الفنان جمال إلى الأديب نجيب محفوظ في مكتبة مصر عن طريق صديقه الحاج سعيد جودة السحار شقيق الأديب عبدالحميد جودة السحار، فكلف برسم أغلفة رواياته بجانب أغلفة روايات توفيق الحكيم ويوسف إدريس وعبدالحليم عبدالله وإحسان عبدالقدوس برسوم معبرة مميزة.


ويعرف الفنان جمال قطب أنه كان القارئ الأول لأعمال نجيب محفوظ بخط يده قبل أن تذهب للطباعة وفي لقائه الأول مع نجيب محفوظ قال له: كتبي أمانة لديك.


ويذكر جمال قطب أنه وجد في شخصية نجيب محفوظ الإنسانية والأدبية الثراء والتواضع والحب ولم يكن يتدخل في عمل الفنان جمال قطب، فرسم أغلفة كل رواياته: الطريق - السمان والخريف - الشحاذ - زقاق المدق وعندما نشرت أولاد حارتنا في دار الآداب ببيروت في مطلع الستينيات طلب د. سهيل إدريس مدير الدار أن يرسم الفنان جمال قطب لوحة الغلاف التي جاءت معبرة وقوية فقد استطاع الفنان جمال قطب بريشته الساحرة أن يصل إلى أعماق كل شخصية ويظهرها في عمقها في لوحته، لأن كل شخصية متفردة بذاتها.


شاعر البورتريه


تميز الفنان جمال قطب في رسم الوجوه بكل تفاصيلها وتعبيراتها مع إبراز أعماق الشخصية وإبرازها حتى يمكن أن نطلق عليه «شاعر فن البورتريه» لأنه يبرز الجوانب الجمالية في الشخصية من خلال أعماق الشخصية التي تظهر في البورتريه الخاص بها، وهناك بورتريهات شهيرة للفنان الكبير تعبر عن ذلك مثل شخصيات: جمال عبدالناصر - أنور السادات - نجيب محفوظ - طه حسين - العقاد - المازني - توفيق الحكيم - كلها لا تعبر عن الملامح الخارجية فقط بل تعكس أعماق شخصية كل واحد فيهم، وتظهر جمالياته النفسية والذاتية التي تظهر في البورتريه وأحمد الله أن الفنان جمال قطب قد رسم  لوحتين بورتريه لي منها لوحة رسمها في المجلد الثاني من أعلام الفكر العربي أعتز بها كثيراً أيما اعتزاز.


ولا توجد شخصية مثل أخرى حتى التوائم، ولذلك يعد الفنان جمال قطب أفضل من أجاد في فن البورتريه، وترك فيه بصمة واضحة لا تتكرر كثيراً.


وكان الفنان جمال قطب يتمنى أن يتفرغ ليرسم الطبيعة المصرية التي ترجع جذورها لـ 7 آلاف سنة، وإليها يعود جميع الفنانين المصريين في النهاية.


وقد نجحت أعمال جمال قطب الفنية لأنه كان يحب كل شىء جديد حيث الرومانسية الواقعية فينظر إلى كل ما هو جديد ليستخرج من أعماق كل شخصية أجمل ما فيها، لأنه كان يرى الجمال في كل شىء من حوله.


جمال قطب فنان متفرد في لوحاته لأغلفة الروايات وفي فن البورتريه الذي قدم لنا أعماق الشخصيات المصرية والعربية والعالمية التي رسمها على مدى رحلته الفنية، فنجح فنه وسيعيش لأجيال عديدة لأنه كان صادقاً في تعبيره الفني وكان أميناً في استخراج أعماق شخصياته الروائية والأدبية.


  وحقيقة كم أسعدني برسم أغلفة معظم مؤلفاتي في مجال أدب السير والتراجم وكنت دائم الاتصال به فأجده إما في منزله وإما في سفر إلى كندا حيث يدرس أحفاده أبناء د. هبة وإما يخبرني أنه في شاطئ رأس سدر لممارسة هوايته المحببة في صيد السمك واتصلت به حوالي يوم 7 أكتوبر الماضي، فأخبرني لأول مرة أنه ملازم الفراش منذ أسبوع فقلقت عليه حتى تلقيت نبأ رحيله في السادس عشر من أكتوبر الماضي رحم الله الفنان القدير جمال قطب ورحم الله الشاعر الذواقة فاروق شوشة لقاء ما قدما من جهود لإثراء حياتنا الأدبية والفنية والثقافية من فن وفكر وجمال يعبر عن روح مصر ووجدانها الثري الباقي دائماً.