ما بقي من خيري عبد الجواد

20/11/2016 - 11:06:21

خيرى عبد الجواد خيرى عبد الجواد

شوقي عبد الحميد يحيي - ناقد مصري

  في الرابع والعشرين من يناير 2017 تمر تسع سنوات على غياب خيري عبدالجواد، ذلك الشهاب الذي أبى أن يمر دون أن يترك بصمة في الحياة الأدبية العربية، والتي معها يمكن أن نقول إن الإبداع الجيد لا يموت، خاصة إذا ارتبط بالحياة، وهو بالضرورة يرتبط بالحياة، ينهل منها، ويتغذي عليها، إلا أنه كنحلة، تمتص الرحيق وتخرجه عسلا مصفى.


   نهل خيري من البيئة التي عاشها، وعاش معاناتها، وشعر بما يعانيه أهل "حارة علي أبو حمد" ببولاق الدكرور، والتي حملت اسم المجموعة التي صدرت بعد وفاته، شعر خيري بإحباطات ناسها. وعبر عن ذلك بقدر كبير من الحرفية القصصية وبنبض الحياة في آخر مجموعة قبل وفاته، "قرن غزال". فإذا ما نظرنا إلى نهايات القصص الخمس بالمجموعة، وبربطها ببداياتها والمفارقات الواضحة فيها، نتبين قدر الإحباط الذي تعانيه شخوص المجموعة، إذ على قدر الأمل، يكون الإحباط، كلما عظم الأمل وتسلط، كان قدر الفشل وما يجره من إحباط.


   فالراوي في قصة "العشة" ضاق به المسكن في الطابق الأخير، وتسلطت عليه الشمس بنيرانها، فراح يحلم بجنة تتحول فيها الشمس إلى ضياء ظليل يشع بهجة الرومانسية الحالمة، بعيدا عن تبرم زوجته. ولكن هبت ريح أطاحت بالحلم فتبخر وانزوى.


   وتثير هذه القصة تحديدا سؤالا كثيرا ما دار في الذهن، إذ ربط خيري في هذه القصة بين الإحباط الشخصي والإحباط العام. فقد ولد خيري يوم 24 يوليو، وربط هو بين يوم مولده، وما يثيره التاريخ من عودة إلى 23 يوليو 1952. وقد كان خيري، في كل نقاشاته، ناصريا حتى النخاع، إلا أنه في القصة، في الاحتفال بيوم مولد السارد، وضع لنفسه ستة مبادئ، مثلما كانت مبادئ ثورة يوليو 52. واحتشد السارد لتلك الليلة، مثلما تحتشد البلاد كل 23 يوليو، وعند الاحتفال، حملت الريح العشة التي قضى ليلته يعدها للاحتفال. بما يوحي بتبخر المبادئ الستة للثورة.


   إلا أن خيري، إلي جانب الحياة المعيشة، كان نهما لكتب التراث، خاصة "ألف ليلة وليلة" التي كان يحتفظ بكل طبعاتها، ويحرص على البحث عن كل ما كتب عنها، فضلا عن رجوعه إليها بين فترة وأخرى، حتى أنه سمى أولى مجموعاته القصصية حكايات، "حكايات الديب رماح"، إشارة إلي حكايات ألف ليلة وليلة. وهو- أيضا - ما انعكس على الكثير من أعماله.


   في قصة "في مديح الجدة"، سنجد أن الجدة "خضرة" بعد أن مات زوجها "العفيفي" عاشت معه أيضا ولم تفارقه، فكانت تزوره يوميا، حاملة معها تلقيمة الشاي والسكر السنترفيش، تقضي معه شطرا من النهار، ثم تودعه لتذهب إلى ميت آخر له علاقة قوية به، ثم تذهب إلى الشيخ الضبعي، صاحب الكرامات، والذي بنى ضريحه (العفيفي) نفسه، فكأنه تذهب منه إليه. ومن خلال هذه القصة، وغيرها من قصص المجموعة.


  ونستطيع تحديد معالم "ألف ليلة وليلة" السارية في أعماله بالقدرة على الإمساك بالقارئ حتى النهاية بتوليد الحكايات، دون أن ينفرط عقد القصة، وبث المعرفة خلال السرد، والتي توسع من فضاء القصة، وتساعد في بناء الشخصية وتحديد أبعادها، وإضفاء الأجواء الدينية، والتناص مع آيات القرآن، والتي تعتبر أحد روافد الثقافة عند المصري عامة، وأهل الحارة خاصة. ومثلما كان ماركيز، الذي اعترف بأنه كان يحمل معه في سفرياته "ألف ليلة وليلة"، استطاع خيري أن يدمج بين الواقعي والخيالي، حتى يقنعك بأن الخيالي واقعي. مثلما كانت قصة "عفريت سيد دعبس" في مجموعة "قرن غزال".


    ومثلما شاع في "ألف ليلة وليلة" استخدام الألفاظ شديدة الواقعية. درج خيري على استخدام الألفاظ العامية الدراجة، والتي كانت تبدو وسط السياق كالحفرة في الطريق المستوي، إلا أنها كانت جرس تنبيه ليقف القارئ عن ما توحيه اللفظة من دلالات وإيحاءات، تساهم في الجو والبيئة التي بها الحدث.


    كل هذه الخصائص لم تقتصر على القصة القصيرة عند خيري والتي شملت ما صدر في حياته مثل "حكايات الديب رماح"، "حرب أطاليا"، "حرب بلاد نمنم"، و"قرن غزال". أو التي صدرت بعد وفاته مثل "حارة علي أبو حمد" أو "سلك شائك".


    وإلى جانب ألف ليلة، كانت تجربة خيري في الرواية مغموسة في تجربة الموت. حيث نشأ خيري ليجد أمه التي تربي أبناء زوجها، وكانت لا تفترق عنهم كثيرا في السنة. تعبت معهم كثيرا. فوجدت في ابنها الصديق الذي يمكن أن يكتب قصة حياتها المليئة بالشقاء، كي ترسلها لبرنامج من الحياة، فراحت تقص عليه حكاياتها إلا أن الفتى لم يستطع حينها كتابة الحكاية، فظلت حكاية الأم تؤرقه، خاصة بعد أن ماتت الأم، ولم يكن قد جاوز مرحلة الشباب، فتركت فيه تجربة الموت جرحا لا يستطيع له برءا، حاول علاجه في أولى رواياته "كتاب التوهمات" مازجا فيها تجربة الموت، والأوهام، أو الأفكار التي تدور حوله، ولم تشف غليله.


    وكانت روايته الثانية " العاشق والمعشوق" التي لاقت نجاحا لم يكن يتوقعه، خاصة في المغرب العربي. ولم تفارقه فكرة الموت في مسيرة أعماله الروائية التالية "مسلك الأحبة" والتي قامت على البحث وراء المجهول، وقد أراد بها أن يجرب جديدا في عالم الرواية، وهي عمل تركيبة من مجموع أعماله السابقة, وأيضا في "يومية هروب" والتي أراد فيها تسجيل هروبه من التجنيد. ولم تفارقه تفارقه فكرة الكتابة عن أمه، فبدأ فيها مرات عديدة، وبأسماء مختلفة، وفي كل مرة يرى أن ما كتبه لم يصل إلى مستوى الرواية الضخمة التي يحلم بكتابتها – فقد كانت أعماله الروائية صغير الحجم نسبيا – إلى أن استقر على تسميتها باسم الأم "حكاية أمينة مرشد". غير أنه لما شعر بالعجز عن الكتابة التي يتمناها، قرر الذهاب إلى أمه، فربما ساعدته كبيرا، مثلما ساعدته صغيرا، ولما عجز عن فهم لغز الذين يذهبون ولا يعودون، قرر الذهاب إلى هناك، ليمر بالتجربة بنفسه، وترك "حكاية أمينة مرشد" كمخطوط لم يكتمل.


    وتتعدد وسائل خيري في البحث عما كان، وما هو كائن، سيرا نحو ما يجب أن يكون، فكان عشقه الكبير الغوص في الموروث الذي اشتهر به في الأوساط الأدبية، والذي يقول عنه في رسالته إلى مختبر السرديات بالمملكة المغربية، حين أقاموا له يوما لتدارس أعماله في 5 ديسمبر 2006 "وتراث المحكي العربي على اتساعه وامتداده هو مجال تجوالي فيما بعد، بحثا عن أشكال عربية للقصة والرواية، وبالفعل فقد وجدت بعض الأشكال والتقنيات التراثية القديمة والتي تصلح لإثارة الدهشة الآن".


    لم يكن اهتمامه بالتراث إذن بحثا في الثوابت التي يقف أمامها تابعا ومنبهرا، وإنما هي الدراسة الإبداعية، التي تحاور وتخلق وتطور. وهي الدراسة التي دفعته لإخراج ثلاثة مجلدات ضخمة عن "القصص الشعبي"، مصحوبة بدراسة مطولة. فقد اعتصر خيري عبد الجواد التراث في كل أعماله وكأنه يصنع تراثا حداثيا، وانتقل به من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة التأصيل، فراح يقطر التراث في دراسات وتحقيقات تصاحب إعادة النشر للأعمال التي قاربت على الضياع، وراح يقطره في مقالات نشرها في العديد من وسائل النشر.


    كان لخيري عبد الجواد مشروع إبداعي، سعي بالإصرار والجدية في تحقيقه، مدفوعا ببيئته المحيطة كدوائر تأخذ في الاتساع مع مرور الزمن، على قصره. فعلى المستوى الشخصي، سعى لإثبات وجوده وسط جيل نشأ في ظله اسمه جيل الستينيات، كان مسيطرا وضاغطا يحب الرؤية عمن بعدهم. وعلى المستوى البيئي، ونظرا لنشأته في منطقة بولاق الدكرور، الشعبية، وشديدة الفقر، سعى لخلق تاريخ لها يستطيع به أن يطاول أفضل المناطق معيشة.


    وعلى المستوى الوطني، لم يكن خيري سعيدا بكتابة تاريخ بلده أفقيا، بمعنى محو الحاكم لتاريخ الذي قبله، فراح ينقب في تواريخ السابقين. كان بحثه عما بعد الموت، ليكون مصير الإنسان المستقبلي في صورة المتاح.


   لقد ذهب خيري عبد الجواد بجسده، ولكن ظل إبداعه، وظلت ذكراه تعيش معنا ونعيش معها.