البيعة الخفية على قتل الإبداع لترسيخ الأمية البصرية

20/11/2016 - 11:04:52

هوازن خداج - كاتبة وتشكيلية سورية

عرفت الشعوب منذ بدء استخدامها للأدوات فن الرسم، وكان انتصارا للحس والفطنة والذكاء قبل أن يكون تعبيرا عن الإحساس والعاطفة، واستخدمه إنسان المشرق العربي في طقوسه الدينية وعباداته، وشكل أساسا في لغة التخاطب والتوثيق قبل بدء الكلمة، فالخطوط الأولى للكتابة "الهيروغليفية، والمسمارية" كانت صورا، إنها التسجيل البصري للمسموع والمنظور، وظهر اهتمام الإنسان باللون كجزء جمالي ولإعطاء صفة القدسية والهيبة للمنحوتات الدينية وكجزء أساسي من الثقافة العامة مع نشوء أولى الحضارات الإنسانية المُبكرة في العالم، بدءا من حضارة وادي الرافدين في العراق، وحضارة وادي النيل في مصر وصولا إلى العصر الحديث.


    ما قدمه الأولون في فن الرسم والنحت بكامل إبداعاته العظيمة، لم يكن حكرا على فئات دون غيرها، وإمكانياته متاحة للجميع، ما يجعل من كل فرد مبدعا بغض النظر عن ثقافته وانتمائه إن أتيحت له مفاتيح التحفيز والتحريك، فالإبداع طاقة عقلية متفوقة فطريا في أساسها، مهما اختلفت وتنوعت مجالاته من النتاجات الفكرية في روائع الفن والأدب والهندسة المعمارية والطب والعلوم وغيرها، والسلوك الإبداعي وسمات التفوق العقلي والقدرات غير الاعتيادية والحس المفرط، لها مظاهرها الواضحة، للاستثمار أو الكبت والتدجين، ولهذا جرى اعتباره مهارة فردية وخاصة يمكن تنميتها ما إن تخط أولى انبثاقاتها في مرحلة الطفولة المبكرة، بدءا من التخيل الواسع إلى الفضول الذي يحاول انتزاع القشور للدخول إلى حقائق الأشياء المجردة، إلى الانشغال الدائم بالتفاصيل والمكونات، وهذه جميعا يسعى الأطفال لمعرفتها عبر توجيه الأسئلة قبل إدراك المواد اللازمة للتعبير عنها، وليس غريبا أن يكون الرسم هو الأداة الأولى التي يعبر فيها الطفل عن مشاعره وعوالمه، لكن هذه الملَكَة تحتاج لتوفر البصر والبصيرة والحس العالي لجعل الأفكار المجردة محسوسة وقادرة على التعبير عن المفاهيم الجمالية التي تثير طاقات الإبداع كلما تقدم به الوعي وتراكمت معارفه وخبراته، وضمن هذا المسار ينكشف أثر الأسرة، ومستوى رعاية الأهل لمواهبهم الصغيرة وتوجيههم نحوها بدل قولبتهم في اختصاصات معينة، رغم أهميتها، إلا أنها تبعدهم عن التعبير عن ذواتهم، وتحد قدرتهم على الإبداع فيما اختير لهم أيا كانت ماهيته، كما ينكشف دور المدرسة في تربية الأطفال على مفهوم الجمال، عبر تقديمها للمادة المعرفية المصورة أو الثقافة البصرية التي تساهم في تكوين وعي الطفل على العمل الفني الجمالي، وتكون أساسا في قدرته الإبداعية اللاحقة، فهذا النشاط العقلي الإبداعي فطريا كي يقوى على النمو يحتاج إلى بيئة اجتماعية تفسح المجال لأية فكرة كي تولد وتنمو بحرية، وعدم القطع بخطئها أو فشلها أو التعامي عنها وإدانتها، لأنه يطفئ شعلة الإبداع ويجعلها تستكين في غير مكانها لتولد حالة من الإحباط والشعور بالتهديد.


 بيئة تستر الجمال والإبداع


    علاقة الإنسان مع الخط واللون والتواصل المعرفي مع الصورة أو اللوحة هي علاقة قائمة بحد ذاتها، والإبداع الذي يتجلى في قدرة الشخص على التعامل مع الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة، والانشقاق عن سلسلة التفكير العادي الذي لا يخلو من الخضوع والقبول إلى مخالفة كلية لأنماط التفكير، يتوقف نماؤه على آلية التربية التي تنقله من مستوى وجوده البيولوجي إلى مستوى وجوده الثقافي الإنساني، وأمر كهذا لا يرتبط فقط بالمؤسسات التي تعلم الكائن ما لا يعرفه "الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع"، إنما يرتبط بكافة الضوابط التي تحد القدرة على الإبداع ومنها الضوابط الدينية الراسخة في الذهنية العربية، والتي تهدم الثقافة الفنية أمام المحرمات والحدود الشرعية، وهذه كما تسري على النحت ورسم الموديل الكامل لجسم الإنسان أو أي مخلوق له روح (منعا للتشبه بالخالق) تسري على غيرها من الأمور في الكثير من الاختصاصات التي تعد خرقا للمبدأ الأساسي للحدود الشرعية وضعف في الرادع الديني.


   الضوابط الدينية والمجتمعية التي ترمي ستارها السميك على الإبداع، تنزع عن الفرد قدرته ليس فقط على تذوق جماليات لوحة فنية أو عمل نحتي، إنما يصبح غير قادر على التوقف عند نص شعري، أو مشهد من فيلم، أو مقطع موسيقي، أو غيرها من أشكال الفعل الإبداعي المتفوق، فظروف التربية الجماعية الجارية التي لا تولي اهتمامها لأفكار الفرد، لا يمكنها الخروج عن المقاييس والمعايير التي وضعت للشخص ضمن أطر ضيقة تكون بمجملها ناتج ثقافة تؤبد التكرار والتقليد الأعمى للانسجام مع المعطى المجتمعي وعدم التمرد عليه، فتعمل على برمجة الشخص وتوجيهه نحو الانقياد الأعمى ضمن ثقافة السمع والطاعة وتنفيذ أوامر "الوالد، الوالدة، معلم المدرسة، الكاهن والشيخ، وكل من هو أكبر أو أعلى منصبا..." لتشكل سلسلة طويلة من استلاب الإرادة توقف عمل العقل وقدرته على الإبداع، وأي مخالفة هي معصية تستدعي مفردات التهديد والحرمان وصولا إلى التخويف المرتبط بجحيم العذاب في الدنيا والآخرة لكل المخالفين لهذه الشعائر، في مقابل مفردات طبيعية تثير المخيلة والإغواء تتجلى كل لحظة في صورة التكوين الطبيعي والبشري الذي وُهب للجميع، هذا الفصام بين رؤية الجمال ومنعه، تجعل المشرق العربي يقف أمام أجيال عديدة أتقنت انعدام الشخصية وروح المبادرة، والتفكير المستقل والإبداع وترفض أي اجتهاد أو رأي آخر، فهي مقيدة تماما بما يطلب منها من جانب أصحاب الأمر والنهي الملتزمة أمامهم بالطاعة والولاء، وهذا لن يؤدي إلا إلى حالة من الجمود والتخلف وقطع الطريق أمام التغيير والتقدم والتطور التي ترزح البلدان العربية تحت نيرها، ولن تجد خلاصها إلا في تقدم الوعي لقيمة الحرية وضرورتها، فهي التي تكفل للإنسان تحقيق ذاته وإثراء تجربته لتقديم أفضل ما لديه، وهي جوهر تقدم المجتمعات.


   التفاعل الحاصل بين عدة عوامل عقلية وشخصية وبيئية واجتماعية الذي يؤهل للإبداع يحتاج لترابط وانسجام هذه المعطيات، إذ بقدر ما تلعب العوامل الشخصية التي تؤجل الإبداع كالخوف من الفشل وتجنب المخاطر والخضوع المطلق لقيم الآخرين وآلية تفكيرهم، فإن تجاوزها ممكن في حال توفر الدعم الاجتماعي والتحفيز وتوفر أجواء الحرية للتعبير الفني، وتوفر المشاهدين المتحمسين لتذوق وتقدير الفن بكافة مناحيه، وعدم توفر مثل هذه البيئة الاجتماعية يعني نهاية الإبداع والإغراق في التقليد أو أقلها عدم القدرة على الاستمرار التي تطوي مواهب كثيرة في المهن، والحرف اليدوية، والمكتبية، ورغم أن البعض استطاع شق طريقه في الفن، إلا أن الواقع غمر وسيغمر الكثير من التجارب الفنية الفتية التي يمكنها أن تشكل علامات فارقة في تاريخ الفنون لو لقيت ما يكفي من الرعاية والعناية والعمل الجاد على محو الأمية البصرية العربية وإزاحة النظرة الضيقة للفن وتقزيم مفهومه الإنساني الواسع وإخضاعه للرقابة المجتمعية المحكومة فعليا بالأطر الدينية والتي تبعد شرائح كبيرة من المجتمع عن خوض هذا المضمار أو التعاطي معه بشكل إيجابي.


    قد تكون تربية الفرد على الإبداع ككل صعبة المنال دون استعادة الفرد لدوره الواعي وحريته في الخروج عن المألوف لسبر إمكانياته والغوص في مملكة ثرائه الفطري، وهذا يتوقف على أنسنة السلطات بكل أشكالها السياسية والأخلاقية والدينية والتعليمية إلى الأسرية، وتغيير ماهيتها لتعيد إنتاج الكائن الإنساني كثمرة ثقافية وإنسانية وجمالية ومعرفية، فهي الطريق لاستعادة التفكير وانتشال الواقع من حضيض الجهل والأمية المزمنين، ولكن هذه الصعوبة لن تلغي رهان الأمل وسيبقى مفتوحا على أجيال قادمة وقادرة على كسر الطوق والخروج من نير الواقع بكافة معيقاته، فإنسان هذه البلاد من عايش الفنان القديم الذي رسم الرجل والمرأة والآلهة والطبيعة على جدران المعابد وشيّد حضارات ثقافية وقدم اكتشافاته السباقة منذ قرون طويلة قادر على إسقاط البيعة الخفية لقتل روح الإبداع وتحرير تفكيره والتحليق نحو فضاءات أرحب.