خطاب النخبة وأوهام الدولة الأخلاقية

20/11/2016 - 11:02:19

ثورة يوليو 1952 عبد الناصر وسط الحشود ثورة يوليو 1952 عبد الناصر وسط الحشود

محمود قرني - شاعر مصري

  كان الهاجس الأكبر لدى عدد لا بأس به من النخب الوطنية في مصر، عقب ثورة الثلاثين من يونيو، يتمثل في البحث عن طريقة ملائمة لاستعادة مفهوم الدولة بعد أن تعرض لتآكل غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث. هذا كان يعني بالضرورة الدفع باتجاه استعادة الدولة لوظائفها الحيوية بعد سنوات قلقة من الحوار الغوغائي غير المنظم بين معظم الفئات الاجتماعية. دور الدولة كان يجب أن يبدأ بتنظيم مائدة الحوار التي تضم ما يربو على تسعين مليون مصري. غير أن الغبار الذي خلفته ثورتان كبيرتان في يناير 2011 ويونيو 2013 كان كثيفا. كان خطاب الإسلام السياسي هو الأكثر حضورا والأكثر غوغائية من ثم كان الأكثر التباسا، لذلك تصور كثيرون أن الطريق تبدأ بالتخلص من قاموس الانتهازية السياسية الذي خلفته معارك أغلبها كان ضجيجا بلا طحين، وهو القاموس نفسه الذي شهد أعلى تمثيلات الازدواجية بعد أن تحول إلى خطاب استئصالي عقب صعود تلك التيارات إلى سدة الحكم.


    وأتصور أن أعلى تمثيلات هذه الازدواجية تجسدت في الأداءات المختلة لمؤسسة الحكم في مصر بعد أن تولى الدكتور محمد مرسي "وجماعته" مقاليد السلطة في مطالع يوليو 2012. فثمة يقين ترسخ لدى عامة الناس وخاصتهم أن المسافة بدت شاسعة بين خطابات الإسلام السياسي الذي يزعم امتلاك صكوك الربوبية كوعد مؤجل بالجنة، وبين الممارسة السياسية في مجازاتها اليومية. وهي ممارسة صاحَبَها رُطانٌ يفيض على حاجات الناس، بينما هي ممارسة يجب أن تتسم بالكثير من الوضوح لارتباطها بالحاجات اليومية للمحكومين. في المقابل أكد الواقع تعاظم حجم التناقض بين الخطاب الإسلامي وتطبيقاته، لاسيما وأن الأدبيات السياسية المستقرة وتجلياتها في الممارسة العامة تركت في الأذهان تقاليد أكثر نضجا لتلك الممارسة، رغم ارتباطها في مصر بأنظمة ذات نزعة شمولية. غير أن تلك الأنظمة في تعاقبها حافظت، بشكل ما، على النزعة المدنية ذات الطابع العلماني للدولة أيا كان شكل ممارستها، وهو ما حقق قدرا مقبولا من المؤسسية في البناء التنظيمي والهيكلي لها. كما أن ارتباط ذلك منذ خمسينيات القرن العشرين، على الأقل، بتنامي ثوابت الدولة الوطنية كان يعني المزيد من تعميق فكرة السيادة، وهي مفاهيم ترعرعت في أحضان التجربة المصرية منذ انطلاق الدولة العلوية مرورا بالدولة الناصرية التي عززت الأبنية الحضارية لمفهوم وطنية الدولة، كتعبير مزدوج عن الهوية من ناحية وعن الانفتاح على الآخر من ناحية أخرى.


    وتتجسد بشدة الفوارق الجوهرية بين ما استقر من ثوابت وبين ما طرحته سلطة حكم الإخوان من أفكار تجاه المستقبل. حيث اتسم الخطاب الإخواني بالكثير من التشوش وعدم الحسم، وبدا منطويا على الكثير من اللجاجة والإنشائية والتناقض في معظم الأحيان، وربما تجسدت أعلى هذه التمثيلات في الرغبة المحمومة للسلطة التنفيذية في السيطرة على باقي السلطات، وهو ما يتناقض تناقضا جوهريا مع الاندفاعات الثورية نحو ديمقراطية الدولة. من ناحية أخرى فقد اجترأ الإخوان غير مرة على تقويض مبدأ الفصل بين السلطات كواحد من أبرز المبادئ التي تأسست عليها الدولة الحديثة، تجسد ذلك في الاجتراء على إصدار أكثر الإعلانات الدستورية صفاقة في تاريخ مصر، وهو ما عكس موقف مرسي وجماعته من قضية استقلال السلطة القضائية. ففي الوقت الذي كانت تلهج فيه خطابات الرئيس المعزول باحترام استقلال تلك السلطة ارتكب أفحش الممارسات ضد استقلاليتها. هذا فضلا عما كشفت عنه العديد من الوثائق التي قطعت بأن الجماعة سعت لتدريب الآلاف على يد الحرس الثوري الإيراني بهدف إنشاء جهاز أمني بديل سيُكتب له التمدد حتى يحل محل مؤسستي الجيش والشرطة في آن، وإذا أضفنا إلى ذلك مواقف الإخوان المعادية للمسيحيين وللشيعة وجميع من يختلفون معهم في الفكر والمعتقد والمذهب سيمكننا تصور النظام الطائفي الذي كان يمثل حلما بالنسبة للجماعة، والذي يعد نتاجا طبيعيا لمفاهيم استئصالية تعادي الإجماع الوطني منذ تأسيس الدولة الحديثة.


    ربما لذلك تبدو عرائض الدفاع اليائسة التي تلهج بها قوى الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان، واحدة من أقوى التعبيرات عن أزمة الواقع السياسي في مصر. وقد أخطأ كل من اعتقد أن التيارات، التي اعتصمت بما اعتقدت أنه "الحسنيين"، نقصد "التنظيم والتمويل"، ستكون بمنأى عن العقاب الجماعي الذي فرضه الضمير العام على تلك الجماعات، عبر الخروج الأسطوري الذي حدث في الثلاثين من يونيو 2013، وأظنه عقابا سوف يستمر لسنين طويلة قادمة.


    من هنا بدا دفاع اليمين المتطرف عن الحكم الإلهي كحق مطلق مناقضا بالكلية لممارسات بدت أكثر ممالأة ونفاقا وصدامية على المستويين الداخلي والخارجي، في وقت ينظر فيه إلى هذه الخطابات كجوهر أخلاقي قبل أن تكون تعبيرا سياسيا ينطوي على ضوابط مقبولة. ففي الداخل تآكل الخطاب السياسي ذو المرجعية الدينية أمام عجزه، شبه الكامل، عن تقديم إجابة عن صراعات المطحونين الموعودين بعدالة لم تزل غائبة، لتظل أسئلة هؤلاء الجوعى معلقة في فراغات الدجل السياسي. في وقت فشلت فيه منابر الاستقطاب الديني في تجسير الفجوة بين خطاب يعد بالجنة الأرضية وبين ممارسة تؤجج نيران الفرقة وتتسع معها أحزمة الجوع. أما على المستوى الخارجي فقد بدا الخطاب نفسه فاقدا للرؤية الوطنية الجامعة فيما يتعلق بطرح آلية سياسية لاستعادة الدور الإقليمي المصري، من ثم بدا أكثر استسلاما لاستحقاق منتزع حاولت الدول الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة وصبيانها في المنطقة، فرضه على الدولة المصرية في صيغتها الإسلامية عندما بدا ذلك وعدا قريب المنال.


    في المقابل لا تبدو عرائض الدفاع نفسها أذكى رائحة عندما تلوكها أفواه القوى التقليدية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فقد تركت تلك القوى امتيازاتها الأصيلة نهبا للتآكل منذ بداية الثورة وإن اختلفت الأسباب. ففضلا عن التاريخ المخزي لليبرالية السياسية المتحالفة، على الأرجح، مع الأنظمة شبه الفاشية في مصر طيلة الثلاثين عاما الأخيرة على الأقل، فإن الاستحقاق المجتمعي الذي استند إلى المد الثوري في تعزيز شرعية مطالبه لم يلق صدى حقيقيا على أرض الواقع، وإن استمرت السجالات حوله متأججة لاستخدامه كفزاعة من كلا الفريقين. في الوقت الذي تعرت فيه، ربما بشكل سافر، مؤخرات التكتلات التي ارتبطت في جزء منها بالنظام السابق، وتبدى ذلك في انعدام قدرتها على خلق خطابات سياسية أكثر مرونة تكون قادرة على اجتذاب الملايين ممن لا سلطة لهم ضمن عموم المواطنين، فظل الخطاب السياسي يتأرجح بين ماضيه المعتم ممثلا في قوى الإسلام السياسي ذات النزعة الفاشية، وحاضره الأكثر إعتاما بينما ينتظر خيالا سياسيا مفارقا يتحول به إلى حاضنة شعبية آمنة يحاول الساسة التقليديون بكافة فصائلهم أن يكونوا من صُنّاعِها.


    أما عامة الناس، هذه الكتلة المؤثرة التي نظرت إليها القوى السياسة بانتهازية مُمِضَّة، فقد أدركت عبر فطرتها النقية أن تلك الخطابات ليست أكثر من رطان لا يغني من جوع ولا يؤمن من خوف. ربما من هنا تيقنت هذه الجموع أن التيارات السياسية، ربما بلا استثناء واحد، قد استعجلت موسم الحصاد، فانتهب كل فريق جزءا من جسد الفريسة، فأصبح شركاء اليوم هم فرقاء الغد. لذلك فإن هؤلاء الذين ينظر إليهم باعتبارهم ليسوا أكثر من ضحايا في حاجة إلى ما هو أكثر من الخطب الرنانة، والتصريحات التصالحية، والإعلان عن تكتلات هنا ومواءمات هناك حتى يستعيدوا ثقتهم في أنهم يمثلون جزءا من مستقبل هذه البلاد. فربما، كما يقول "اسبينوزا"، نكون قد بالغنا في الحركة مقابل الكثير من سوء الفهم.


    في النصف الثاني من عام 2013 كانت السياسة في مصر في أقصى حالات التباسها. مفهوم الدولة نفسه كان قد تعرض لتآكل وخطر كبيرين. كان ذلك واحدا من تجليات التآكل المتعاظم للوظائف الأساسية للدولة المصرية عبر أكثر من أربعين عاما من التجريف. وكانت أصوات الجموع محبطة بشكل كبير، حيث كان فشل ثورة يناير في تحقيق أهدافها عاملا من عوامل الخوف الغريزي، وشبه المرضي، لدى المصريين على دولتهم، وربما لهذا السبب، دون غيره، هبوا بالملايين في الثلاثين من يونيو لتصحيح الأوضاع التي آلت إليها السياسة. وأعتقد أن المصريين جميعا كانوا يعلمون جيدا أن الدولة ستؤول في النهاية إلى المؤسسة العسكرية، حيث كان ذلك يمثل قفزة حتمية فوق التنابز المرير الذي كان دائرا بين القوى السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. كانت خطابات النخبة، بالتزامن، تفتقر إلى الكثير من الرشد السياسي وإلى القدرة على تحقيق اختراقات وسط كتل جماهيرية كبيرة، لاسيما قطاعات الطبقة المتوسطة والمهنيين والفلاحين وغيرهم. وهو ما أدى في النهاية إلى تلك المآلات التي لم نكن نتمنى للدولة المصرية أن تذهب إليها.


    اتجهت النخبة إلى العداء مع السلطة الحاكمة، منذ الخامس والعشرين من يناير، أيا كان محتوى خطاب هذه السلطة. وضمن سياقات هذه الفوضى تم تجاهل ثلاثة أخطار حقيقية تمثل الهاجس العميق للمصريين.


    أول هذه الأخطار يتمثل في قضية العدالة الاجتماعية التي اختلت مضامينها منذ أن أصدرت الدولة قوانين استثمار رأس المال العربي والأجنبي عام 1974، حيث كان العنوان الرئيسي لهذا القانون هو تدمير الطبقة المتوسطة وتفكيكها وإفساح الطريق لطبقة جديدة، وهو ما حدث بالفعل. كانت الرغبة في إفقار الطبقة المتوسطة وتحطيمها نهاية لحكم البروليتاريا التي تشكلت بصورة ليست ناصعة مع ثورة يوليو 1952. ولا أظن الأمراض التي تثقل جسد النخبة المصرية وتعمق من تشوهاتها ببعيدة عن تلك الأسباب. أضيف إلى ذلك أنه من المؤسف أن تكون تحالفات القوة بعد ثورة الثلاثين من يونيو، وتحديدا تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتبع النهج نفسه وتستكمل تحالفاتها مع قوى اليمين الرجعي بكل تشكلاته، ما يعني أنها تواصل تحطيم ما تبقى من مناعة في الجسد المتهرئ للطبقة المتوسطة، التي حملت على عاتقها حماية الدولة من السقوط في لحظات عصيبة.


    أما ثاني هذه الأخطار فيتمثل في قوة رجال المال وخوفهم الغريزي على مصادر قوتهم. وبكل أسف فإن الأداء السياسي للدولة يتجه إلى تثبيت هذا المشهد المدمر الذي يتحالف مع قوة غاشمة ورثت المال لكنها لم ترث معه مسئولياته الاجتماعية والأخلاقية. لذلك لا أظن أن المشهد السياسي في مصر، حتى في أدنى تعقيداته، بعيد عن الأطروحات الأحدث لعلم اجتماع السياسة في تأكيده على أن المجتمعات في كل زمان ستظل خاضعة "لصفاقة الأوليجاركية" أو "حكم الأقلية الثرية".


    وأخيرا يأتي ثالث هذه الأخطار ويتجلى في تمدد خطاب الإرهاب الإسلامي وكذلك جماعات الضغط المختلفة عبر اختلاق مساحات متنامية من الجدل والصدام داخليا وخارجيا. البعض من هذه الصدامات يرتبط بأعلى درجات التوحش الذي تمارسه جماعات إرهابية سافرة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، أنصار بيت المقدس، وداعش وغيرها. وكذلك اختلاق مساحات من الجدل المستعر حول أجندات اقتصادية وحقوقية بعضها صادق ويستوجب محاسبة النظام السياسي، لكن أغلبها يفتقر إلى الكثير من الشفافية لاسيما في دوافعها وتمويلاتها.


    وإذا كانت الدولة قد نجحت نسبيا في تعزيز حضورها الأمني فقد فشلت فشلا ذريعا في تشكيل خطاب سياسي اجتماعي يمثل عنوانا لمرحلة جديدة من عمر الدولة الوطنية. وأظن أن ملامح ذلك تتبدى جلية عبر أعلى تعبيرات الغوغائية كسمة وحيدة للخطاب الإعلامي الذي تتبناه السلطة، لاسيما في تساندها على إعلاميين سيئي السمعة ويفتقرون إلى الكفاءة المهنية والأخلاقية. وكذلك يتبدى الفشل الأكبر في غياب تصورات استراتيجية لقضايا إشكالية ذات طابع مثل التعليم والصحة والبطالة، فضلا عن غياب الحسم والوضوح عن خطابات ملتبسة ارتبطت بقضية باتت مبتذلة حول إصلاح الخطابين الديني والثقافي، ما يؤكد، في النهاية، غياب القضية المركزية للنظام السياسي.


    من هنا ليس لنا أن نتساءل عن مساحات البوار التي تعتري خطاب الصفوة الحاكمة، فهو يبدو في معظم تجلياته، تمثيلا لأعلى تعبيرات انعدام الكفاءة وعدم الفهم، ومن ثم فإن نتائجه كانت إحدى حتميات مقدماته، وهي مقدمات بدت عاجزة عن ملء فجوات العقل العام، ومن الطبيعي أن يسعى الشعب، أي شعب، إلى خلق أساطيره الخاصة التي تملأ تلك الفجوات. ومن الطبيعي أيضا في تلك المناخات أن يتصاغر مفهوم السياسة من كونه أعلى تعبيرات الوطنية الجامعة إلى كونه تعبيرا مشوها عن جماعات المصالح، وهو تعبير يزداد اتضاعا، بطبيعة الحال، لأنه يستبدل بمنظومة القيم العامة التي تنتظم حركة الأمة منظومة من الفساد تزداد شراستها كلما أوغلَتْ في التمكن من مقاليد السلطة.