عن والدي .. ذلك الطائر الجميل

20/11/2016 - 10:33:37

الخميسي مع ابنه أحمد عم 1965 خلال إخراجه فيلم الجزاء الخميسي مع ابنه أحمد عم 1965 خلال إخراجه فيلم الجزاء

أحمد الخميسي - كاتب مصري

من الصعوبة بمكان حين تقف بالمصادفة تحت برق جميل أن تصف نوره. وقد كانت حياة والدي خيطا من نور ملون في حياتي. كنت أظن أن انبهاري به هو انبهار الأبناء المألوف بآبائهم، إلى أن قرأت بعد رحيله ما كتبه عنه أبناء جيله: يوسف إدريس، وكامل زهيري، وأحمد بهاء الدين، ومحمود السعدني وغيرهم. كتبت كثيرا عن والدي، وفي كل مرة كنت أتريث طويلا وأسأل نفسي "ماذا أكتب؟ كيف يمكن أن ألم في قبضتي تلك الروح التي عشقت الحياة وتشعبت في متعها وأحزانها كارتجاج الموج في بحر عريض؟".


   أظن أنه فلاح، وأنه بقى فلاحا حتى النهاية. لكنه ذلك الفلاح الذي وصفه أحمد هاشم الشريف حين قال: "عبقرية الخميسى هى عبقرية الفلاح المصرى التى نضجت على نار الحرمان والمعاناة، جاء الخميسى من قريته إلى القاهرة ليضرم النار فى الأدب الرسمى ومعلقات المديح فى الحكام وليعلن على الملأ أن حسن ونعيمة أهم من روميو وجوليت، وكان الأدب الشعبى وقتها محتقرا وكانت الكتابة حكرا على أصحاب الأقلام الذهبية من أبناء الباشوات وحملة الدكتوراه، لكن الخميسى القادم من القرية دون أن يكمل تعليمه كسر هذه القاعدة، ومن لا شيء أصبح شيئا عظيما، ومن الفقر واليتم والتشرد والضياع اعتلى عرش الأدب وترك لنا بعد رحيله الصوت الرخيم وأخذ الحنجرة الذهبية، ترك الأوراق واحتفظ بالقلم اللاهب المداد الذى كان يشيع الدفء فى الأكواخ ويضرم النار فى القصور"(1).


   وهو ذلك الفلاح القوي الذي نعاه يوسف إدريس بقوله: "كان الخميسي قويا عملاقا مقاتلا إلى ألف عام، وكان فمه مفتوحا على آخره، مستعدا لابتلاع الحياة كلها بكل ما فيها من طعام وشراب وجمال"(2). وكان الخميسي أول من فتح الأبواب أمام يوسف إدريس في جريدة "المصري"، وقد كتب بنفسه عن ذلك وهو يقدمه إلى قراء جريدة "الجمهورية" في مارس 1962 قائلا: "وبيننا اليوم مؤلف لامع هو الدكتور يوسف إدريس، أذكر أنني كنت أول من رحب بإنتاجه الفني وأفرد له مجالا في جريدة المصري، بل لقد نشب خلاف عنيف بيني وبين أحد المسئولين في الجريدة حين نشرت ليوسف إدريس أولى أقاصيصه، فقد كان ذلك المسئول يرى أنه لا ينبغي للجريدة أن تنشر قصصا لأسماء غير معروفة وكنت على عكس رأيه، وصممت على موقفي وجعلت أنشر قصص إدريس في المكان المخصص لكتاباتي، وكنت أتوارى ليتقدم يوسف إدريس".


    كان لدى والدي شعور فطري غريب أشبه بالشهامة يقوده دائما لتقديم الأقلام والوجوه والمواهب الجديدة والدفاع عنها. قدم وساعد وآزر عددا كبيرا من الكتاب منهم عبد القادر حميدة، وفاروق منيب، وفتحية العسال، وآخرين كثيرين، ومن الممثلين قدم شمس البارودي وحسين الشربيني ورشوان توفيق ثم سندريلا الشاشة سعاد حسني. وكانت لديه حاسة سادسة مذهلة في اكتشاف المواهب. وتصادف أنني كنت معه في أول يوم رأى فيه سعاد حسني، وكانت أقرب إلى طفلة صغيرة، ولم يكن بها شيء يلفت النظر حين جلسنا مع أسرتها في بيتهم المتواضع، ولكنه خرج من هناك يقول: هذه الفتاة الصغيرة نجمة! تصورت أنه يبالغ فسألته: أتقول حقا؟ قال: والله يا ابني نجمة! ولم يكن يبدو على سعاد شيء، ولم تكن قد قالت كلمتين على بعض، ولم نر في عينيها سوى تلك السحابة الرقيقة من افتقاد الطمأنينة التي قادتها فيما بعد إلى النهاية الحزينة.


    وقد ظلت سعاد وفية له ولم تنقطع عن ذكر فضله عليها. ويشير رجاء النقاش إلى أن شد أزر الآخرين وتشجيعهم كان سمة نفسية أصيلة عند والدي فيقول: "كان أول أديب كبير عرفته عندما جئت إلى القاهرة من قريتى أواخر سنة 1951 هو الشاعر والروائي والمفكر الإنسان عبد الرحمن الخميسي.. وكان مكتب الخميسي بيتا روحيا لي، ودائما كنت أجد هذا المكتب ممتلئا بنماذج مختلفة من البشر، أدباء ومطربين وملحنين وسياسيين وذوى حاجة.. فقد كان الخميسي دائما مفتوح القلب والمكتب، وكان لديه شعور قوى ودائم بالرغبة فى خدمة الناس وإدخال السعادة على قلوبهم، ولم يكن الخميسي من الأثرياء، ولكنه كان من الأقوياء.. وكان دائما يتحرك بطبيعة نفسية واحدة قوية ومتفجرة، كان إنسانا مفتوح القلب إلى أقصى حد، يميل مزاجه إلى المرح الغامر، يحب الحياة بل ويقدسها، وفيه شيء من شخصية (عبد الله النديم)، ذلك الإنسان العجيب الذى كنت تزرعه فى أى مكان فينمو ويزدهر".(3).


    جاء الخميسي إلى القاهرة عام 1936 نازحا من المنصورة، ولم يكن يعرف أحدا فيها، ولم يكن في جيبه مليم واحد. وفي سنواته الأولى اشتغل مدرسا، وعاملا في محل بقالة ومصححا في مطبعة ومحصل بطاقات في ترام وجاب الريف مع فرقة "أحمد المسيري" الشعبية يرتجل لها النصوص ويمثل فيها ويلحن ويؤلف لها الأغنيات، وما بين ضياع وضياع كانت كراسي مقاهي المدينة وأرائك الحدائق العامة فيها ملاذه وسريره. وفي مذكراته التي لم يتمها كتب الخميسي عن تلك السنوات قائلا: "أنا فى القاهرة بلا أهل ولا دار ولا أملك شيئا غير إرادة الحياة. ليس فى جيبى مليم. ولكن قلبي غني بالأحلام. لم تكن لي أسرة ذات جاه، بل لم يكن لى قريب يستطيع أن يعاونني، وقد أنفقت ليلتى نائما على أريكة فى حديقة عامة. وحين أيقظنى الصباح، توجهت إلى دار الكتب، وتناولت إفطاري وأنا سائر على قدمى،  وكان ذلك الإفطار بعض حبات من الحمص بقيت فى جيبى من الأمس". وخلال ذلك لم يفقد الخميسي إيمانه بالحياة ولا تفاؤله ولا ساقته مرارة تلك الأعوام إلى شعور سوى الحب، والإيمان بقدرة الإنسان فيكتب "انطلاق":


الليلُ.. كم أوقفـتُهُ مُترنحا


والنايُ كم صيرَّتهُ سَـكْرانا


والنورُ.. كم أذهلتُه فتقدَّمتْ


منه بشائـرُ تغـمـرُ الأكـوانا


والزَّهرُ، كم أرقصتُهُ فتفتَّحَتْ


أكمامُه.. وتضوَّعَتْ بستانا!


   ويرسم محمود السعدني صورة حية ناطقة لوالدي قائلا: "أول مرة رأيت فيها الخميسي كانت في الأربعينيات حين حضر إلى قهوة عبد الله ذات مساء وقضى السهرة في ركن أنور المعداوي وأشاع جوا من البهجة والمرح وعزم الشلة كلها على العشاء، ومنح جرسون القهوة مبلغا كبيرا من المال ودس في يد الولد الذي قام بتلميع حذائه جنيها كاملا. المهم أنه غادر المقهي في ساعة متأخرة من الليل وقد وهب السعادة للجميع.. حديثا وطعاما وهبات. وكان نموذجا للفنان الذي رسمته في خيالي: شديد الزهو، شديد البساطة، عظيم الكرم، دائم الفلس، يمشي دائما في الطريق يتبعه أكثر من شخص يلازمونه كظله"(4).


    وقد استطاع الخميسي أن يحطم قيود الظروف الصعبة وأن يصبح أحد أهم شعراء مدرسة أبوللو، وأحد أهم كتاب جريدة المصري الناطقة بلسان الوفد، ومذيعا عرف بأنه "صاحب الصوت الذهبي"، وقصاصا، وفيما بعد ممثلا سينمائيا وموسيقيا ترك عدة اسطوانات، ومخرجا سينمائيا ومسرحيا، ومكتشف مواهب، بحيث أصبحت حياته ظاهرة فنية قلما تتكرر، وكان في كل ذلك يكرر: "سري أني أخلق من أحلامي دنيا أخرى"، يقصد مقاومة الواقع بالخيال والفن، وقد أتاحت لي الظروف أن أكتشف مبكرا هذا السر وأنا صبي في السابعة عندما ذهبت لزيارته في المعتقل مع أمي عام 1955، أذكر الآن الرحلة الطويلة المرهقة إلى المعتقل، وشوقي لمصافحة والدي وجلوسي أنا وأمي في انتظار رؤيته على دكة خشبية بغرفة مأمور السجن إلى أن دخل علينا من الباب ومعصم يده مربوط بقيد حديدي إلى يد شاويش. وما إن رآني حتى ضحك بقوة ورفع لأعلى يده بيد الشاويش يخاطبني ليبعث جرأة في نفسي: "انظر! (وأومأ برأسه ناحية الشاويش) لقد قمت بسجن هذا الرجل لأنه شقي!". وجلس بجواري على الدكة مبتسما يحيطني بذراعه. وأمعن النظر إلي يستوثق إن كانت حكايته قد انطوت على أم لا؟ وأسعفتني طفولتي على قلة سنواتها فابتسمت له بدوري لأوحي له أنني صدقت أنه حر، وأن الشاويش العجوز في ردائه الرسمي هو المحبوس! كان هذا سره الذي يخلق به دنيا أخرى، دنيا يصبح الواقع فيها معكوسا، ويغدو هو حرا والدولة معتقلة! ومن ابتسامته ومن ابتسامتي المشبعتين بالحب برزت في رأسي لأول مرة فكرة قصة خططت لكتابتها ولم أفعل حتى الآن فقط تخيرت منذ ذلك الوقت لها اسمها: "ابتسامتان"!


    كان فلاحا وقويا ومتفائلا وكان أيضا مؤمنا بوطنه وقدرات الناس، ذلك الإيمان الذي عرضه للفصل والسجن ثم الهجرة سنوات طويلة. وفي ذلك السياق قامت المصادفة بدورها الغريب في لقاء قبل ثورة يوليو بين والدي وبين جمال عبد الناصر، سرد تفاصيله الأستاذ محمد حسنين هيكل في سلسلته "تجربة حياة" لقناة الجزيرة قائلا: "في هذا الوقت أنا كنت ساكن في بيت رقم 14 شارع شجرة الدر في شقة صغيرة ثلاث حجرات، وقال لي عبد الناصر: أنا رحت مرة أزور الأستاذ أحمد أبو الفتح في جريدة "المصري"، انتظرته في حجرة فيها الأستاذ عبد الرحمن الخميسي. والأستاذ الخميسي كان يصلح فيما يبدو بروفة قصة، وجمال عبد الناصر كان يحاول يسأله على حاجة، فيردد الخميسي عبارة كان واقف عندها في القصة "هذه ليست ساقي ولكنها ساق رجل آخر". جمال عبد الناصر فضل حافظ الجملة. جمال عبد الناصر يقول للخميسي: هو الأستاذ أحمد أبو الفتح يعني سيتأخر ولا حاجة؟ فالأستاذ الخميسي يرد: انتظر. هذه ليست ساقي ولكنها ساق رجل آخر. وفضل جمال عبد الناصر حافظ العبارة دي، وسألني: من هو الخميسي هذا؟"(5).


    هذا ما قصه الأستاذ هيكل منوها بذاكرة عبد الناصر الفولاذية ودهشته من استغراق الخميسي في كتابة رواية كانت تنشر في المصري بعنوان "الساق اليمنى"؟! وما لبثت الثورة أن تفجرت بعد شهور قليلة وعقد عبد الناصر اجتماعا في جريدة المصري مع كبار كتابها وكان من بينهم والدي، ولم يهمل عبد الناصر الواقعة فقال للخميسي: ألا تذكرني؟ جئتك منذ شهور هنا؟ فضحك الخميسي قائلا: وأنا كنت أعرف منين أنك ح تبقى زعيم ثورة؟! وضاعف من طبيعة العلاقة المعقدة بين الثورة ووالدي أنه كان قد نشر مقالا في مجلة "الكاتب" التي ترأس تحريرها طه حسين بعنوان "ما الذي يريده الشعب" دعا فيه إلى عودة الحياة الديمقراطية ورجوع الجيش إلى الثكنات وإلغاء الأحكام العرفية. ووفقا لملفات المباحث العامة التي نشرها المحامي عادل أمين فقد وضح الخميسي موقفه ذاته لوكيل النيابة بقوله إنه "لا يرى أي دواع لإقامة الحكم العسكري".


    وقد اتسعت حياة والدي للثورة، والفن، وعشق الحياة، ولعل هذه الحياة العريضة الرحبة هي التي دفعته لأن يقول العبارة التي ذكرها أحمد بهاء الدين حين كتب ينعيه في الأهرام قائلا: "دهشت عندما قرأت في نعي الخميسي أنه توفي عن سبعة وستين عاما فقط. كنت أشعر أن عمره مائة سنة، لا لشيخوخته، فقد كان أكثر من عرفت شبابا ونشاطا وحركة، ولكن لكثرة ما أنتج وكثرة ما عاش وكثرة ما دخل السجن وكثرة ما سافر في أنحاء الدنيا وكثرة ما ترك من أبناء وبنات. وكنت أقرأ له صفحة أسبوعية كاملة في جريدة المصري وأنا مازلت طالبا، فلا بد أنه بدأ الكتابة في سن مبكرة، ومازلت أحفظ له كلمات قالها لي في مكتبي بمجلة "صباح الخير" سجلتها ولم يكتبها ولم تعلق بذهنه: "عشت أدافع عن قيثارتي.. فلم أعزف ألحاني"!(6).


    وفي أبريل 1987 رحل والدي وقد أوصاني أن أدفنه في بلده (المنصورة) وأن أغرس له بجوار مدفنه شجرة لأنه واثق تماما أنه سيعود عصفورا وحينئذ سيكون بحاجة إلى غصن ليطلق من فوقه أغنياته. هكذا ظل حتى النهاية يخلق من أحلامه دنيا أخرى.


 مازلت حيا في الروح أيها البرق الجميل.


هوامش:


(1) أحمد هاشم الشريف: مجلة صباح الخير، 16 أبريل 1987.


(2) يوسف إدريس: الأهرام، 20 أبريل 1987.


(3) رجاء النقاش: العربي الناصري، 23 مارس 2008.


(4) محمود السعدني: مجلة صباح الخير، أبريل 1987.


(5) محمد حسنين هيكل: تجربة حياة، قناة الجزيرة 26 يناير 2006.


(6) أحمد بهاء الدين: يوميات، الأهرام 4 أبريل 1987.