عبد الرحمن الخميسي .. العصامي القديس المعربد

20/11/2016 - 10:32:09

الخميسي مخرجاً إذاعياً مع أمينة رزق الخميسي مخرجاً إذاعياً مع أمينة رزق

حسن أحمد جغام - كاتب تونسي

 كلما فكرت في الكتابة عن عبد الرحمن الخميسي وجدت نفسي في حيرة لا أعرف في أي مجال أكتب عنه، ولا أعرف من أين أبدأ؟ وحين وجدت نفسي مدفوعا للكتابة عنه لأول مرة كان ذلك في اليوم الثاني لوفاته عام 1987، إذ سميت مقالتي »عبد الرحمن الخميسي، طاغور مصر»، لما عرف عن «طاغور الهندي» من تعدد المواهب في الإبداع الأدبي والفني، وقد وجدت هذه الخصائص تنطبق تماما على الخميسي، الشاعر وكاتب المقال والقصاص والناقد والمترجم والممثل والمخرج والموسيقي.


   ورغم غزارة إنتاج الخميسي وتنوع اهتماماته، فإن الكثير من القراء لم يعرفوه، وربما البعض من المثقفين في البلدان العربية لم يسمعوا باسمه، بل لم تعرف نبوغه المتعدد المجالات سوى شريحة معينة من المثقفين والفنانين. رغم أن مكتبه كان في بداية خمسينيات القرن العشرين مكتظا على الدوام بالأدباء والفنانين. وإذ كان الخميسي طيلة حياته مفتوح المكتب والقلب. وقد ترك حوالي أربعين كتابا من دواوين شعرية وتمثيليات إذاعية، ومسرحيات، ومجموعات قصصية، ودراسات أدبية، وأبحاث سياسية، وترجمات من الأدب الروسي إلى العربية، وبهذا الإنتاج الغزير فلا أعتقد أن أحدا من المثقفين لم يسمع بالنابغة الخميسي أو لم يقرأ له شيئا، أو لم يقرأ عنه، أما مساهمته الفعالة في عالم التمثيل والسينما والموسيقى، فهي قصة لا تخلو من الطرافة والإضافة المفيدة، لاسيما وهو الذي تميز بصراع نضالي ثوري تقدمي، يثير فينا الإعجاب والتقدير بإرادته القوية.


   وإذا كنت قد كتبت عنه منذ نحو ثلاثة عقود، فإني اليوم أرى من الضروري أن أعرف به في مجال يزيدنا إعجابا بشخصه، وتقديرا لمسيرته الحافلة بالأحداث والإنجازات، أي أنني سأتناول قصته من جانب العصامية في حياته.


  الخميسي الذي أطلقوا عليه في مصر «القديس» و«الصلعوك» و«المخضرم» سميته أنا «طاغور مصر» مما يجعل أعماله مادة ثرية لأطروحات الطلبة العرب وغير العرب. لست أدري إن كتب أحد عن عصامية هذا الرجل الذي تتجلى فيه هذه الصفة بكل المقاييس، وإذا لم يحدث هذا، فلعلي بهذه السطور أعطيه البعض من حقه.


    ولد عبد الرحمن الخميسي في 13 نوفمبر 1920 في بورسعيد، وتوفي مغتربا عن وطنه في مستشفى بموسكو في الأول من أبريل 1987، بعد صراع مرير مع المرض. عاش الخميسي طفولته في عذاب نفسي مرير، حرم من عطف والديه، رغم أن كليهما على قيد الحياة. لم يكد يبلغ الطفل عامه الأول، حتى كان أبوه متزوجا من غير أمه، وأمه متزوجة من غير أبيه، فقضى طفولته محروما من دفء الوالدين، بعيدا عنهما، كانت والدته حضرية تعيش في مدينة «بورسعيد»، وكان والده فلاحا بسيطا ميسورا من عائلة ريفية، لا يقرأ ولا يكتب. كان الزوجان على نقيض في المستوى الثقافي والاجتماعي، فكانت هذه العوامل سببا في انفصالهما. ورحلت الأم إلى بلدها «بورسعيد»، وحملت معها طفلها عبد الرحمن، وعاش معها سنوات قليلة في هدوء واطمئنان يذهب إلى المدرسة، وينعم بحنان أمه، إلى أن بدأت مأساته الحقيقية حين كان اليوم الذي خطفه فيه أبوه، وحمله معه قسرا إلى مسقط رأسه في قرية دكرنس بالمنصورة (محافظة الدقهلية). وعاش مع والده حتى دخل المدرسة الابتدائية، واضطر والده لبعد المدرسة إلي تأجير غرفة له في "الزرقا" ليكون قرب المدرسة. وتوفيت أمه مبكرا، وما لبث أن لحق الأب بالأم وأصبح عبد الرحمن يتيم الأبوين. ذهب الطفل إلى المدرسة، وكان المفروض أن يأخذ طريقه إلى الأزهر، لولا أنه التحق بالمدرسة الإلزامية، ثم بارحها، والتحق بمدارس ابتدائية وثانوية. ولكن ظروفه القاسية عملت على عدم مواصلة الدراسة، فلم يتم تعليمه، وانتقل بعد ذلك إلى القاهرة، لينام على الأرصفة، وفي المقاهي وهي التجربة التي صاغها في قصته المعروفة «النوم».


   في طفولته، أحس بضرورة الكتابة، يبث فيها شكواه، ويسجل فيها إحساسه بالوحدة، وشوقه لأمه، وأحس بأن الكتابة بالنسبة له ضرورة عضوية. ونمت شخصيته في وسط شعبي، وتقلب مع الحياة، وتقلبت الحياة به إلى أن تميز بمواهب متعددة، وتفوق في كل منها رغم أنه بدأ تعليمه الفعلي من الشارع، كان ينصت لكلام الناس الكبار، وأصبح يقرأ كل ما يقع بين يديه. وفي القاهرة، في شوارعها وأحيائها الشعبية بدأت معركة الحياة، فعمل بائعا في محل بقالة، ثم محصّل تذاكر في الترامواي، ثم ممثلا في جوقة متجولة، ثم معلما في مدرسة أهلية، ومصححا في إحدى المطابع ثم مذيعا، ثم مخرجا إذاعيا، ثم مؤلفا للأغاني، ومترجما لصحيفة يومية، وصحفيا في "المصري" الوفدية.


   وعن مسيرة الخميسي وطفولته الشاقة يقول كامل الشناوي: «إن الحياة الشاقة التي عاناها الخميسي في كل أطوار حياته، قد أكسبته صمودا يتحدى أكبر العقبات. إن قلق الخميسي وآلامه، والبركان الذي سكن فوقه طول حياته، لم تثر في نفسه كراهية لأحد، ولا حقدا على أحد، بل حولته إلى حب، ورحمة، وحنان، وأشواق».


   المطالعة ساعدت الخميسي على نظم الشعر، واجتمع لديه ديوان كامل وهو في الصف الثالث الثانوي، وفي السابعة عشرة من عمره لمع اسمه بين الشعراء على صفحات مجلة "الرسالة" وغيرها. كان شعرا ذاتيا كله تعبيرا عما تحملت نفسه من إحساس بالخوف والوحدة والألم، فظل يكتب وكأن الكتابة ضرورة من ضرورات حياته. كان يكتب في كل موضوع، وفي كل فن، وأول قصصه التي اعتبرها النقاد أعمالا جادة من الناحية الفنية هي "لن نموت"، و"قمصان الدم" و"دماء لا تجف".


    كان الخميسي شغوفا بالمطالعة منذ طفولته، مما ساعده على صقل مواهبه ونضج إبداعه، واتسم شعره بالرومانسية واعتبره د. لويس عوض آخر أبناء مدرسة أبوللو الرومانسية. ثم انضم إلى الواقعيين الثائرين، وبرز قصاصا محبا لخوض أغوار النفس. كان يكتب القصة الواقعية دفاعا عن القيم الإنسانية، وقال عنه الدكتور علي الراعي: «نجد روح الخميسي باسطة ظلها الوافر على القصص من أولها إلى آخرها، وهي روح فنان يؤمن بأن الإنسان سينتصر إن لم يكن اليوم فغدا». وقال عنه يوسف إدريس: «كانت القصة القصيرة قبل الخميسي، وقفا على طبقة معينة من الناس يكتبونها، وطبقة معينة يقرأونها. وكان من أدوار الخميسي الخطيرة، أن حطم طبقية القصة، فأصبح كل ذي تجربة يكتب، وكل ذي حياة يقرأ، وصار البقال، والكمساري، والصراف، والبواب، من قراء القصة. اكتشف المثقفون حياتنا في قصصه».


    يتمثل إنتاج الخميسي الأدبي الثري في عشرات القصص التي نقلها من لغاتها الأوروبية إلى العربية، والقصص والمسرحيات التي كتبها، ودواوين أهمها «أشواق إنسان» الذي كتب عنه الدكتور محمد مندور قائلا إن الخميسي بلغ فيه حد السحر. كل هذه القصص وغيرها أعمال إبداعية، كتبها الخميسي ببصيرة فنية واعية وفهم إنساني عميق. كان يختار لقصصه نماذج بشرية بائسة في أغلب الأحيان، ويعبر عن جوانبها الإنسانية السامية من أحلام وآمال بتعبير أخاذ يشهد له بأنه مبدع بامتياز.


    وبعد تمكنه من كتابة القصة والمسرحية والمقالة والقصيد أنشأ فرقة مسرح تحمل اسمه وقدمت الكثير من المسرحيات. فلم تكن اهتماماته أدبية فقط بل كان مولعا بالموسيقى ومارسها، وله عدة أسطوانات مطبوعة، إلى أن وصل به المطاف إلى الإخراج السينمائي سنة 1969، وفي سنة 1972 تم اختيار أحد أفلامه وهو «الحب والثمن» ليمثل مصر في مهرجان طشقند السينمائي.


    والمتتبع لقصصه، يرى أنها تعكس تطور مراحل الناحيتين المنهجية في الفكر والتقنية في الفن، وانتقاله في مراحل منهجية متنوعة، واستغرق ذلك سنوات طويلة حتى استقر أخيرا على قواعد فكرية تمثل اليوم وجهة نظره الفلسفية، وقال ذات يوم عن "ألف ليلة وليلة الجديدة" التي أعاد فيها صياغة ألف ليلة إنه يود لو أحرقها، ولكنه لم يمس إنتاجه الرومانسي بحرف، ومعظم قصائده تنتمي إلى المدرسة الرومانسية ومدرسة أبوللو، ثم تخطى تلك المرحلة في سنوات نضجه.


    ذكرت كل ذلك عن الخميسي وأنا معترف بالتقصير في حق نضاله إذ أهملت جانبا خطيرا من حياته، وهو نضاله السياسي الذي أدى به إلى السجون والمعتقلات. وكل من عرف الخميسي عن قرب أو اطلع على إنجازاته يقول بكل تأكيد إنه نجح في النهاية رغم ما تحمله من معاناة، كما تعود أن ينجح في كل عمل، بفضل حاسته السادسة التي جعلته يدرك ما لا يدركه الباحثون والعلماء وأصحاب الشهادات العليا.


   كان الخميسي يسعى إلى أن يسمع تلك الحواديت الساذجة، حين كان طفلا، وحتى حين أصبح كاتبا مشهورا لدى الكثير من المصريين، ظل يجلس في المقاهي الشعبية. كان يحلو له أن يكون شعبيا، يخرج إلى الشارع بصندل أو شبشب. لذلك كان إنتاجه في معالجة قضايا الشعب اليومية، وخطابه موجه إلى الشعب. تلك هي حياة المبدع الخميسي الذي شكل ملامح الضمير الثقافي في مصر، مستخدما كل الأسلحة الثقافية بمختلف فنونها.


    قال أحد النقاد: «الخميسي قفز من القلم إلى الكاميرا»، ولكن ما لم يذكره هذا الناقد أن الخميسي كان ينشط في المجالين السينمائي والأدبي معا، بإرادة لا تعرف الملل وبروح ثورية. إن تاريخه يشهد عليه بأنه آمن بالكاميرا كوسيلة من وسائل التعبير، كان يراها ذات الشأن الخطير، مثل الكلمة تماما، منذ أوائل الأربعينيات. ثم في مرحلة لاحقة أصبح السؤال عن نشاط الخميسي: كيف استطاع أن يوزع جهوده في مجالات فنية عديدة حتى أنه أصبح ظاهرة عجيبة، حيرت النقاد وبهرت المعجبين؟ كان ذخيرة فنية ذات طاقات عجيبة، وأنتج في الشعر والقصة والصحافة والترجمة والمسرح، والإخراج والتمثيل والموسيقى.


   وظل الخميسي يواصل نشاطه في كل هذه المجالات المتشعبة في خطوط متوازنة. وبالرغم مما خاضه من معارك في كثير من المجالات، فإنه قال ذات يوم: "دافعت عن قيثارتي فلم أعزف ألحاني" قاصدا أنه كان أشبه بفنان عازف، كلما أمسك قيثارة ليعزف لحنا، هاجموه، فينشغل بالدفاع عن قيتارته، دون أن يجد الوقت ليرسل أنغامه على هواه. وقد يكون هذا الكلام من باب التواضع، وقد يكون لأنه لم يقل كل ما كان يريد أن يبوح به من آراء.


    كانت شخصية الخميسي وتجربته في الحياة خصبة، هما من أطرف الموضوعات التي تستحق دراسة أعمق. وآمل أن يعكف الباحثون على دراسة آثار الخميسي، وقد اطلعت على كتابات نقدية في شعره وقصصه بأقلام لويس عوض ومحمد مندور وعلي الراعي وكامل الشناوي، ومعين بسيسو ومحمد عودة وأمين إسكندر، ومحمود أمين العالم، ورجاء النقاش، وغيرهم، لكن ذلك كله لا يوفيه حقه.


    تلك هي مسيرة القديس المعربد مسيرة حافلة بكل ما تعنيه الكلمات من معان عميقة. ومن ظلم أبناء وطنه أن يحكموا عليه بالإدانة، فيمضي بعض السنوات من حياته في السجون، ثم يهجر وطنه بعد هذا الإحباط، ويغادر الحياة في صمت بعد أربعين يوما من الصراع مع الموت، ويلفه النسيان. دون أن ينال حظه من التكريم الذي يستحقه.