حضرة المحترم مفتش الحركة

20/11/2016 - 10:21:27

قصة: عبد الرحمن الخميسي

إسماعيل أفندي جاد عبد العظيم؟


    من ذا الذى لا يعرف اسمه على طول خط السكة الحديد الممتد من كبرى الليمون إلى ما بعد عين شمس؟ إنه مفتش الحركة الذى استطاع أن يكتسب شهرته الواسعة عند الخفراء ونظار المحطات فى أسرع من لمح البصر. فلم يكن قد انقضى على اشتغاله مفتشا أكثر من أسبوع واحد، حتى طار صيته على ألسنة الموظفين، وكانوا يتندرون بحوادثه خلف المكاتب، حتى إذا أقبل عليهم كالذئب يحدجهم بنظراته الثاقبة من خلف منظاره، احتبست ضحكاتهم، وغاضت بسماتهم، وارتعشت أطرافهم، وكادت تقع من فوق رءوسهم الطرابيش! فقد كان مقدم إسماعيل أفندى إنذارا لكل من يُقبل عليه، بخصم عدة أيام من مرتبه الشهرى.


   وكان حضرة المفتش الهمام يتلمس أوهى الأسباب، ليوقع عقابه الصارم على أعناق النظار والخفراء المساكين. كان يحنقه ويجعله يشد أطراف سترته إلى أسفل فى عصبية واضطراب، أن يرى من الموظفين حركة تجرح تبجيله أو احترام العمل. لقد أمضى قبل ترقيته إلى التفتيش خمسة عشر عاما يعمل فى أقسام السكة الحديد مثالا لاحترام رؤسائه، وتقديس مواعيد عمله، وكان يسرّه أن ينهره رئيسه ويزجره، ويرتفع صوته فى تأنيبه، إذا هو تأخر دقيقتين فى الصباح، أو إذا انصرف قبل أن تدق الساعة الثانية. ولم يمر يوم واحد دون أن يقبّل يد رئيسه، وإلا.. فإنه كان يقضى طيلة نهاره فريسةَ الخوف من نقمة الرئيس وغضبه.


    حدث ذات يوم أن قال له أحد زملائه:


ـ يا اسماعيل أفندى.. لماذا تضطرب وترجف أمام رئيس الأقسام؟ هذه خصلة ليست جميلة، وإننى أنصحك أن تشعر بتماسك شخصيتك أمام الرؤساء.


    فقال إسماعيل أفندى:


ـ أرجو أن توفر نصائحك، لأننى إذا خرجت من الحكومة، أكلتنى البطالة والجوع واحتقار الناس!


    وكان إذا ترك الديوان يمشى مرفوع القامة، منتفخ الأوداج، يتأرجح منظاره الكثيف فوق أرنبة أنفه من شدة الزهو. ولقد جاءت ترقيته عيدا بالنسبة إليه، فإن عمله فى التفتيش يتيح له أن يقضى معظم ساعاته فى القطارات والمحطات، ليستمتع باحترام مرءوسيه، وطاعتهم العمياء. ولن تنسى زوجه ولا أولاده، ذلك اليوم السعيد الذى هرع فيه إلى البيت يحمل قراطيس الفاكهة إليهم، وأى فاكهة؟!


    لقد اشترى يومها نصف أقة تفاح بعشرين قرشا، وثلاث أقات من "الجوافة"، وقرع الباب فى عنف بإحدى قدميه، ودخل كالفاتح المنتصر مبتهجا يضحك. وسألوه ما الخبر؟


    فقال اشتريت لكم تفاحا هذا اليوم، فقد أصبحت من الآن حضرة المحترم مفتش الحركة. نعم. مفتش الحركة يا زوجتى العزيزة. فزغردت المرأة وتصايح أولاده وتشابكت أيديهم، وأخذوا يلفون فى حلقة راقصة حول مائدة الطعام، وهم يقفزون ويمرحون، حتى أوشكوا أن يهدوا البيت على ساكنيه؟ وقال هو لامرأته: افتحى الراديو طول النهار والليل يا زوجتى العزيزة، وارفعى صوته حتى يبلغ عنان السماء، وانحرى دجاجة كى يطعم الأولاد هنيئا مريئا.


    وتوافد الجيران عليه مهنئين، وأخذتْ أكواب "الشربات" تدخل مليئة وتخرج فارغة، وراح إسماعيل أفندى بين الفينة والفينة، يتكرم بالبسمات وبألفاظ الشكر على مهنئيه، ويهز رأسه فى كبرياء  وفخار. وانفض الجمع، وكان الرجل يتمنى لو أنه لا ينفض أبدا. وانقضى الليل، والرجل يستحث الصباح إلى السطوع، كى يهرول إلى تولى عمله الجديد، حتى إذا قام الناس، ارتدى بدلة رمادية لم يلبسها منذ عام ونصف، وكان يدخرها للظروف السعيدة، وكوى طربوشه، وطلى حذاءه واشترى علبة سجائر كاملة لأول مرة، وذهب بعد ذلك إلى مكتبه موفور السعادة والنشاط.


    بين الساعة 10: 11 والساعة 10: 12 مساء، لا تقف القطارات عند محطة منشية الصدر. ولقد تعود نجيب أفندى مخزنجى المحطة والقائم بأعمال الناظر، أن يتناول عشاءه فى هذه الفترة مع الخفير. وكان كل منهما يدفع قرشين ليشتركا فى ثمن العشاء. وقد أراد نجيب أفندى أن يظفر فى تلك الليلة بعشاء فاخر نوعا ما، فقال للخفير: ما رأيك يا زهران لو أن كلا منا دفع خمسة قروش كى نشترى رطلا من اللحم ونسلقه؟


ـ والله فكرة طيبة يا نجيب أفندى. زهقنا من أكل الخبز والجبن.


ـ ولكن كيف نسلق اللحم؟


ـ اترك هذا على محسوبك.


   وخرج الخفير إلى جزار قريب، فاشترى رطلا من اللحم ورغيفين، وعاد إلى كشك المحطة فأحضر وابور "السبرتو"، ووضعه على المكتب وغسل كوزا كان فى ركن الكشك، وقطع اللحم، وأسقط معه فى الكوز بصلتين وقليلا من الفلفل والملح. ثم أشعل وابور "السبرتو" ووضع فوقه الكوز، وترك اللحم ينضج.


    وأخذت رائحة البصل واللحم تتصاعد من الكوز، فتملأ خياشيم الخفير والمخزنجى، وتشيع فى الكشك. كان الليل عديم النجوم، والسكون جاثما على كل شىء، وقد غاب صوت ماسح الأحذية عنهما فى تلك الليلة، لأنه على غير عادته نام مبكرا جوار الشجرة القائمة عند مدخل المحطة. وخرس لسان الخفير والمخزنجى، فلم يقطعا ذلك السكون الطويل بكلمة واحدة، ولكنهما مدّا أنفيهما تجاه الكوز، ونسيا كل شىء عداه. ومرت عدة دقائق على تلك الحال، مط بعدها نجيب أفندى شفتيه، وبلع ريقه، ثم قال ـ ألم ينضج اللحم يا زهران؟


ولم يجبه الخفير، وإنما رد صوت غليظ يقول:ـ السلام عليكم.


ونظرا... فإذا أمامهما إسماعيل أفندى جاد عبد العظيم بلحمه ودمه وقامته المرفوعة. وصاح الخفير وهو يشهق منتصبا:ـ حضرة المحترم مفتش الحركة!


ورفع يده إلى جبهته محييا تحية الجندى للضابط الكبير.


وقال المخزنجى فى صوت مرتعش: تفضل يا سعادة البك.


    وجلس إسماعيل أفندى على كرسي قدمه إليه الخفير، وأسرع المخزنجى فحمل الموقد والكوز إلى أحد الأركان، وقال للخفير: اعمل قهوة لسعادة البك.


وخف الخفير، فأخفى كوز اللحم، وراح يعد القهوة.


    وكان إسماعيل أفندى يجيل بصره فى كشك المحطة، ويرمق كل شيء فيه بنظرة مستطلعة فاحصة... ولم يتكلم كلمة واحدة إلا بعد احتساء القهوة، فانتفض قائما وشد أطراف سترته إلى أسفل فى عصبية واضطراب، وقال وكأنه يقتطع كلماته من بدنه: السلام عليكم. ثم ابتلعه الليل!


    وتنفس المخزنجى والخفير الصعداء، وعاد الأخير فوضع كوز اللحم فوق النار حتى نضج، وجعلا يأكلان. ثم دق جرس التليفون، فتناول نجيب أفندى السماعة، وقال وهو يمضغ: آلو..


ـ أنا مفتش الحركة يا نجيب أفندى.


ـ إسماعيل بك؟


ـ اكتب من فضلك إشارة تليفونية.


ـ تفضل يا سعادة البك.


    وبلع نجيب أفندى اللقمة دون مضغ، وفتح درج المكتب، وأخرج قلما فى سرعة البرق، وأعاد قوله وهو يتأهب للكتابة: اتفضل يا سعادة البك.


ـ اكتب.. من مفتش الحركة إلى منشية الصدر.. عند مرورى على محطة منشية الصدر، وجدت رائحة طهي تنبعث من المكتب، وهذا يتنافى مع كرامة أفندى ومكتب يمثلان المصلحة، ونرجو أقواله. إمضاء. المفتش: إسماعيل جاد عبد العظيم. وتلعثم المخزنجى. وهو يقول ـ الحقيقة يا سعادة البك...


ـ لا حقيقة ولا غيره.


    وانقطع صوت المفتش عن أذن نجيب أفندى، فانقطع بذلك الأمل فى الصفح والرجاء. قال المخزنجى للخفير بعد أن قرأ له نص الإشارة: ما العمل الآن؟


وأجاب الخفير بعد أن ضرب كفا على كف:


ـ والله مصايب...


ـ هل معنى هذا ألا نأكل؟


ـ وماذا نصنع فى عقلية المفتش المحترم؟


ـ اسمع ما أكتب يا زهران؟


    وأمسك المخزنجى الريشة، وتنحنح وهو يقرأ على الخفير ما يكتبه قائلا: رائحة الطهي كانت منبعثة من أحد المنازل المجاورة للمحطة، ويظهر أن أنف حضرة المفتش شديدة الحساسية، حتى أوهمتْه أن الطهي كان داخل كشك المحطة. إمضاء... نجيب عبد السيد مخزنجى محطة منشية الصدر.


   وهنا صاح الخفير: برافو يا نجيب أفندى. هذا هو الكلام الفصيح.


***


    وفى اليوم التالى، حمل إسماعيل أفندى ذلك التعليق إلى رئيس الأقسام، بعد أن طلب خصم أربعة أيام من المخزنجى، لأنه لا يحسن الأدب عند ما يخاطب رئيسه. وخفض رأسه وهو يتضرع إلى سعادة رئيس الأقسام أن يوافق على توقيع العقاب، فكان له ما أراد. وخرج من الديوان، والفرح يملك عليه لبه، ثم توقف فى سيره، وحبس ابتسامته، وضرب قدمه على الأرض، ومشى وقد أحس عند ذلك بكل أنفة، أنه فعلا أصبح حضرة المحترم إسماعيل أفندى جاد عبد العظيم مفتش الحركة بالسكة الحديد!


 (من مجموعة "قمصان الدم" ـ مارس 1953)