اختبار الندم

20/11/2016 - 10:19:50

خليل صويلح - كاتب سوري

في طريقنا إلى موقف الحافلات، كنت أروي لها حكاية فيلم "الندم" للمخرج الجورجي تنجيز أبولادزه، كإجابة مؤقتة عن سؤالها، رغم أنها كانت ترغب بإجابة أخرى تتعلّق بخطأ أو صواب خيارها بهجران زوجها، بعد سبع سنوات من العشق، ثمّ الغيرة، ثمّ الاحتضار، ثمّ الفراق. كان نصف هذه السنوات جحيما لا يطاق، وفقا لوقائع روتها لي في المقهى، عن كيفية اندحار الحب بقوة البغضاء، وترويض المشاعر بخنجر الصمت.


   عربة بائع الكستناء عند سور حديقة المدفع، أربكت المشهد قليلا، إذ انشغلت أسمهان بتعليقات جانبية حول شغفها بالكستناء، واعتذارها عن مقاطعتها لي، لحظة محاولتي استعادة مشهد دفن رئيس البلدية في حديقة منزله، وظهور جثمانه بعد كل مرّة يُدفن فيها. كانت فكرة حمقاء أن أستدعي زمن ستالين بكل قسوته وجبروته وعنفه، إلى لحظة حميمية كهذه، لكنني تورطت عمليا، ولم يعد مناسبا أن أتراجع، فأكملتُ حكاية الفيلم. كانت يداي ملوثتين بسواد قشور الكستناء. الكستناء الساخنة التي كانت تلتهمها بلذّة واستغراق وذهول، وهي تنصت إلى بقية الحكاية:


  "امرأة من ضحايا ستالين، تقطن في جوار المنزل، هي من كانت تنبش القبر وتُخرج الجثة كلّ ليلة، كنوع من الانتقام لمقتل والديها بأوامر من هذا الجنرال الذي استباح كل المحرّمات، فرجل مثل هذا، مثقل بالآثام والضغينة والبطش، يجب ألا يحظى بوقار الدفن، حسب قولها. بعد اعتقالها وتقديمها للمحاكمة ستؤكد في شهادتها بأنه لا يجوز دفن رجل ارتكب مجازر بحق أبرياء. من جهته، سيُصاب الحفيد بصدمة، وهو يكتشف قسوة جدّه، رغم نفي الابن للتهم الموجهة لأبيه، لكن المرأة تصرّ على موقفها بعدم دفن رجل مجرم، إلى أن تُكشف جرائمه على الملأ، فدفن الماضي يعني الصفح عن الأشخاص الذين دمّروا حيوات الآخرين بالبطش والقسوة والوحشية، فيُقدم الحفيد على الانتحار كنوع من الندم على الانخراط بتاريخ مزوّر، فيما يضطر الابن إلى أن يلقي جثة والده من صخرة عالية تشرف على القرية".


    شهقتْ أكثر من مرّة، وهي تنصت إلى حكاية الفيلم، ومجاز الندم، ومعنى الصمت على جرائم مشابهة، حتى لو كان الأمر يتعلّق بآثام قصة حب مجهضة، انتهت بالهجران.


***


    في ذلك المساء، كانت ميكروباصات خط المهاجرين ـ باب توما، مزدحمة بالركّاب، تعبر الشارع بلا توقّف، ولم يتح لها الفوز بمقعد فارغ، بعد نحو عشرين دقيقة من الانتظار، فقرّرتْ أن توقف تاكسي كي لا تتأخر أكثر من ذلك، في الذهاب إلى جرمانا، مكان إقامتها المؤقت لدى صديقتها جمانة سلّوم التي تعمل مصوّرة صحافية في وكالة أنباء حكومية، وكي تتفادى زحام التفتيش في نقاط الحواجز العسكرية المنتشرة ليلا، طوال المسافة إلى هناك. من النافذة الخلفية للتاكسي، لوّحت بيدها وهي تحمل كتاب الأعمال الشعرية الكاملة لجوسيبي أونجاريتي، أعظم نحّات إيطالي في صقل رخام الكلمات، كما وصفتهُ لها، مكرِّرة شكرها لي، على هديتي الثمّينة لها. كنت أحاول زعزعة يقينها بمفهومها الراسخ للشعر، بقناعةٍ مضادة، فالشعر ينمو في مشتلٍ آخر، غير ذلك الذي اعتادته خلال قراءاتها، مؤكدا لها، بوصفها فراشة، أن تجرّب رحيق كل أنواع الزهور، وامتصاص الرائحة السريّة لكل النباتات، وألا تغرق بما يفرضه الأكاديميون في منهاج قسم اللغة العربية في الجامعة، من نصوص محنّطة "اسمعي، الشعر جنون المخيّلة وجموحها، مثلما هو أرشيف المحسوسات، من المتنبي إلى آخر شاعر صعلوك لم يكتشفه أحد بعد". بعد نحو عشر دقائق على مغادرتها المكان، وكنت أفتّش في جيب جاكيتي عن مفتاح باب البناية، رنَّ هاتفي المحمول بمكالمة منها، أخبرتني، وأنا أصعد الدرج بمساعدة مصباح الولّاعة، لعبور عتمة انقطاع التيار الكهربائي، بأنها تستمع من مذياع التاكسي إلى أغنية أم كلثوم "فات الميعاد"، ثمّ قرّبت السماعة من مصدر الصوت كي أتأكد من حقيقة ما تقول، وكذلك ما يتعلّق بقوة المصادفة "أن نحكي قبل قليل عن الندم، ثمّ نسمع أغنية عنه". كنت أحسّ بصداع شديد في رأسي، تناولت كبسولة بنادول، ثمّ استرخيت فوق فوضى سريري بكامل ثيابي، ووضعت سماعة الموبايل في أذني، بحثا عن أغنية "فات الميعاد" في محطات الراديو. كانت أم كلثوم ما زالت تصدح بكامل حنجرتها "تفيد بإيه يا ندم، يا ندم، يا ندم".


***


   في ظهيرة اليوم التالي، كنت أنتظر اتصالا منكِ، قبل أن تسافري إلى قريتك في الجنوب. سواء باسمك المستعار "آمال ناجي"، أو باسمك الحقيقي "أسمهان مشعل"،  أحسست بضجر لا يطاق من أحاديث جلساء الطاولة في "مقهى الروضة". لم يعد لدي ما يكفي من الصبر كي أحتمل تكرار الأحاديث نفسها عن الموتى، والقذائف، والمهجّرين، وأحوال الطقس. كنت أخبرتك بأنني، في السنوات الخمس التي مضت، جرّبت كل أنواع الصبر، ولا أعلم تماما كيف احتملت تدابير هذه الوليمة المتنقّلة من القتل، والمذابح، والمقابر الجماعية، والمجاعات، وعنف الأرواح؟ وهذا ما يجعلني أشعر بالضيق، وبأن روحي تالفة لفداحة الخسارة. أريدُ أن أتنفّس هواء مختلفا، لكن لا إسطبل آخر غير هذا المقهى. وحين فقدت الأمل من مجيئك، غادرت المكان حانقا، حتى إنني نسيت علبة تبغي وولاعتي على الطاولة، وهو ما يحصل لي عادة، عندما أكون مضطربا.


    من دون مقدمات كتبتْ لي ليلا، في رسالة إلكترونية "امرأة تنهض وتغنّي، تتبعها الريح وتغويها، تطرحها أرضا، هذه الأرض عارية، هذه المرأة عاشقة، هذا الحلم موت"، ثمّ "شكرا مرّة أخرى، على هديتك لي". قرأت هذه السطور، من قصيدة "غناء بدوي" لجوسيبي أونجاريتي، أكثر من مرّة، محاولا تفكيك شيفرة اختيارها هذه السطور دون غيرها، وهل هي عتبة للإغواء، أم مجرد اختيار عشوائي من الكتاب؟ المفردات الحسيّة جليّة هنا، وربما كانت إشارة صريحة منها، إلى رغبتها في دخول منطقة وعرة في العلاقة، تتجاوز اتفاقنا الأولي في أن نكون أصدقاء فحسب، من دون أعباء عاطفية، على أن لا أبخل عليها بنصائحي في ما ترسله لي من نصوصها "سأكون قطتك الأليفة التي تجلس قرب قدميك، وتنصت إلى نصائحك الثمّينة". احتججتُ على الفكرة، ووعدتها بأن أقرأ نصوصها بجديّة، ثمّ أقوم بتنقيتها من الأعشاب الضارة. كتبتْ على الفور "حاضر يا معلّمي ومولاي". أجبتها بأنني لا أحب أن أسمع منك مثل هذه العبارة ثانية، وكذلك كلّ ما يتعلّق بفكرة العبودية.


    في الفترة الأولى من تعارفنا، كنت أقرأ نصوصها التي تصلني منها شبه يوميا، على أنها رسائل شخصية، واعترافات، وأوجاع، إذ لاحظتُ نبرة مختلفة تغزو لغتها بمفردات حسيّة مكشوفة، وشهقات جسد محروم، وشبق خفيّ، لم يكن مألوفا في نصوصها السابقة، وكأنها أدركت أخيرا، أن الشعر يعمل في منطقة أخرى، مستنفرا كامل الحواس، أو "لذّة انتهاك اللغة"، كما كتبتُ لها متفلسفا، بقصد تحريضها على ارتياد تضاريس تحتاج إلى حراثة أعمق "ببلطة، وليس بقضيب من الرمّان".


    "بلطة!"، كتبتْ لي متعجّبة ومستهجنة، ثمّ بمراوغة "كيف لفراشة مثلي أن تحتمل مثل هذه القسوة؟". ارتجلتُ عبارة أخرى بقصد ردم المسافة أكثر "كتابة الحب تحتاج إلى أنياب أيضا". مرّة أخرى استهجنت كلمة "أنياب!". في هذه اللحظة أدركتُ عمق الهوّة بيننا. هي تعيش عزلة طويلة في قرية منسيّة، لم تطأها قذيفة واحدة طوال أعوام الحرب، تشاغل نفسها باكتشاف أنواع النباتات البريّة، الزعتر، والمريمية، واللافندر، وإكليل الجبل، بالإضافة إلى الطيور، والزواحف، والحشرات، والرسم على جدران غرفتها نهارا، واختبار صلابتها في كتم عواء ذئاب الرغبة في صدرها ليلا، فيما أنا تائه في جنون مدينة تشيّع قتلاها كل يوم، وربما كل ساعة، في أرتال من الجنازات.


    أجل بلطة، أجبت. كنت أستعيد مشاهد متراكمة لبلطة مرفوعة فوق عنق شخص يجثو مرغما على ركبتيه، أو لرجل مقطوع الرأس تتدلى جثته من عمود كهرباء في ساحة مدينة عمرها ألف عام. بالطبع كنت أقصد حاجتنا إلى معجم جمالي يفسّر كيفية الجمع بين ثقل بلطة حادة من مخلفات القرون الوسطى، وتقنية القنابل الذكية، في صفحة واحدة، مثلما وجد هؤلاء البرابرة الفتاوى الإلهية للقتل بالبلطة أو السيف أو الحزام الناسف. وكي لا أستطرد في أمثلة أخرى عن العنف، سألتني "ماذا تقرأ الآن؟".


ـ "الكاتب وكوابيسه".


ـ تبّا للكوابيس والبلطات والأحزمة الناسفة! لمن هذا الكتاب؟


ـ أرنستو ساباتو، عالم فيزياء أرجنتيني، اتجه إلى الكتابة لمواجهة همجية العالم، وتسريع وتيرة الكارثة التي تحدّق بالإنسانية، كما يقول، ويرى أن مهمة الكاتب هي "تقيؤ عالمه الداخلي".


ـ لا أعرف أرجنتينيا آخر، عدا لاعب كرة القدم مارادونا، وربما أسماء بعض ماركات مشروب المتّة. آه تذكّرت بورخيس. أليس أرجنتينيا أيضا؟


 ثمّ أضافت، من دون فواصل "أفتقدك".


(من رواية بعنوان "اختبار الندم" تصدر قريبا عن "دار نوفل" في بيروت)