شجرة هناك.. وشجرة هنا

20/11/2016 - 10:15:12

نجلاء علام - كاتبة مصرية

  مررنا وسط المدافن، وأبي يحوقل ويُبسمل ويقرأ الفاتحة، ويُسلّم على أحبائه، وأنا من ورائه أهرول، وأرى الوجوه تصعد لترد السلام، أرى وجهه فألوّح بيدي له.


***


  صوت جدي يشق الليل بآيات القرآن، وأنا جالسة على الطبليّة أذاكر وأراه شاردا ينظر لبيتها فأرفع صوتي له:


ـ ستة في سبعة.. بكم؟


فيرد جدي:


ـ باثنين وأربعين .


  نأتي إلى بيت جدي كل جمعة، في الشتاء ونقضي الصيف تقريبا كله رغم تبرم أمي، التي تضطر حينها لملاطفة زوجة عمي وجدتي، بينما نجري نحن في الغيطان ويختار كل منا خليله، كنا نلعب سويا كولدين، يحكي لي عن العفاريت التي ستنط من التُرب، وتهجم علينا، لكني أتحايل وأضحك على مريلته الطويلة، التي تُغطي ركبتيه وأجري منه حتى نصل إلى الدار.


   أصعد فوق السطح وأدفن نفسي تحت كيزان الذرة، وهو يضربني بعيدان القطن الجافة، لكننا في الليل نلعب لعبة الأراجوز، ونسرقُ بطيخة صغيرة من الغيط ونأكلها.


***


 يقف على رأس الغيط وهو يحفر الأرض، يقول:


ـ سأغرس شجرة لصباح، وشجرة لكِ.


فأرد :


ـ الشجر ليس له أصحاب.. الشجر ملك الأرض.


  يُصرُ وهو يغرس الفسيلة:


ـ والأرض لنا.


تتغامز البنات عليّ ويقلن:


ـ تحبين محمد ومحمد يحب صباح.


 فأصرخ فيهن:


ـ بيننا شيء أقوى من الحب.


***


    بين أعواد الذرة أراه يميل قليلا على أذنها، ويقول كلاما، فترنُ ضحكتها، وأنا ألاحظهما من بعيد، وأتحسس صدري، فتصطدمُ يدي بنتوء صغير، وهو يحل ضفيرتها، أسمع صوت دقات قلبي، ولا أستطيعُ أن أمنع عيني من التحديق.. أبلع ريقي، وأغمض عيني وأجري. وفي الفجر تجلس صباح أمام الفرن، وتميل على أذني:


ـ أول رغيفٍ لمحمد.


وأحس الفرحة في عينيه، وأنا أمد يدي بالرغيف الساخن.


***


   فتحتُ الباب فوجدته مستندا إلى كتف عمتي، فقط كانت عينه مرتخية ونصف وجهه متدلٍ، ويده ساكنة، صرخت:


ـ محمد .


   كنتُ أعرف أنها تزوّجت منذ أيام، أحضرت الورق وصنعت أراجوزا، وظللتُ أحرّكه، وأضحك.. حكيتُ له عن صخب الجامعة، والمدرجات الواسعة، والأولاد، لكنني أخيرا دفنتُ رأسي بين كتفيه وبكيت.


***


   مسحتُ دموعي وأنا أراه قادما بزيه العسكري أول مرة، وجهه أسمر، متعب وعيناه جاحظتان، نام أربعا وعشرين ساعة، ثم قام ليحكي عن الأرض الواسعة الصفراء، والمياه من ورائها رقراقة، وسد يحجب الرؤية بعد ذلك، وغارات متوالية، وقمر مضيء، قال:


ـ أصررتُ على غرس شجرة هناك، أعرف أن أمامها سنواتٍ كي تكبر، لكنني سأصبر.


   وفي كل مرة عاد فيها يذهب إلى الغيط وهو يردد:


ـ كنتُ أطمئن على شجرتي هناك، والآن أطمئن على شجرتي هنا.


   كانت شجرة صباح قد ذبلت منذ فترة، نظر إلى بقاياها دون أن يسأل، ولم أرد إخباره أني لم أروِها، ذهب وأحضر الماء وأخذ يروي شجرتي، نظر في عيني وهمس:


ـ لا تدعيها تذبل .


***


   وصلتني الرسالة بعد أشهر، جرت عيني على السطور التي كتبت باستعجال وخط يده الذي كنت أصفه دائما بنكش الفراخ، يحكي أنهم لم يستطيعوا أن ينالوا من شجرته، يحكي عن الذين سدوا المدافع بصدورهم، والذين وقفوا على الألغام، ومن رموا بأنفسهم تحت الدبابات ليدمروها، يحكي عن صديقه الذي حمله والدم يغرق كتفيه، وجرى به في الصحراء، يحكي عن النصف ساعة التي ظل يضرب فيها النار، بعد أن انتهى زملاؤه، وحسبه الأعداء كتيبة مسلحة، فأرسلوا الطائرات إليه.


   أشهق وسط دموعي وأنا أُغني "محمد أفندي.. رفعنا العلم".


***


   مررنا وسط المدافن، وأبي يهرول ويقرأ الفاتحة، وصوت جدي يصدحُ في الليل بآيات القرآن، مررنا وسط المدافن، والليل ساكن تشق ظلمته خضرة شجرتي، وأنا أرى وجهه يبتسم من بعيد، بينما أطوّح يدي الفارغة.