موت بلا أحزان

20/11/2016 - 10:08:40

نورج الوسية نورج الوسية

عاصم عبد المحسن - كاتب مصري

توفي الشيخ صاوي في منتصف ستينيات القرن العشرين. كان الحزن عليه في القرية والقرى المجاورة عميقا. الرجل كان بشوشا ودودا وخدوما. بقدر ما استمر الحزن عليه بعض الوقت بعد وفاته بقدر ما لم يحزن أو يتوقف أحد أمام اختفاء المهنة التي كان الرجل يمتهنها لقرابة 50 عاما مع وفاته.


    الشيخ صاوي ـ وهو ليس أزهريا لكنه كان يحفظ القرآن ويضع عمامة فوق رأسه ـ كان "أبونيه". (الكلمة فرنسية تعنى الاشتراك في وسيلة مواصلات أو في موسم فني أو موسيقي، لكنها في بعض أرجاء مصر خصوصا القروية والريفية منها اكتسبت معنى آخر، هو ذلك الذي كان يمارسه الشيخ صاوي، والذي ارتبط به حتى كاد الناس ينسون اسمه الأصلي).


    الأبونيه هو مندوب من القرية يحمل إلى مغتربين في المدن رسائل وأطعمة وغيرها من ذويهم، مقابل مبلغ يتم تحديده عرفيا بينه وبين الأهل، وهذا ما كان يقوم به الشيخ صاوي حتى قبيل وفاته، عندما قل الاعتماد ـ أو كاد ينعدم ـ عليه بعد أن أصبح الأهل يقومون بهذا الأمر بأنفسهم.


    لكن مهنة "الأبونيه" لم تكن المهنة الوحيدة التي اختفت في مصر، خلال نصف القرن الأخير من القرن العشرين. ولم يقتصر الاختفاء على مهن مثل الأبونيه، وإنما امتد ليشمل أدوات زراعية وأوعية منزلية، وألقابا شرطية وعسكرية، وموازين ومكاييل وملابس، وهي كلها أمور لم يتوقف الناس كثيرا أمام اختفائها.


    تقريبا في الوقت الذي توفي فيه الشيخ صاوي بدأت مهن وأدوات تختفي بشكل متسارع، خصوصا في مجال الزراعة، وفيما يتعلق بالأدوات المنزلية.


    كان "الطنبور" كآلة ري هو الأول في الاختفاء بعد أن ظل وسيلة أساسية لمئات السنين، واختفت معه ظاهرة ترك جزء من الأرض بالتناوب دون زراعة بهدف إراحتها، وهو ما كان يطلق عليه تعبير "باق"؛ بمعنى باقية بورا وتنطق عادة "باج". وقد اختفت الممارسة والتعبير بعد السد العالي وكثرة استخدام الأسمدة.


    اختفي أيضا "النورج" كأداة دراس لمحاصيل الحبوب كالقمح والشعير والبرسيم، ومعه اختفت مهنة "المدراوي" الذي كان يقوم بفصل التبن عن الحبوب.


   مع اختفاء الطنبور والنورج، وما يكاد يكون اختفاء للساقية اختفت معها لوازمها مثل الغريزة والمدادة في حالة الطنبور، والشيك والناف والقنافة والغما، ونجار السواقي في الساقية والرامية والمذراة واللوح فيما يتصل بالنورج.


    كما اختفى "الشقدف" وهو مصنوع من عوارض خشبية بينها مسافات وشبيه بالخرج  يوضع فوق ظهر الحمار الذي كان يستخدم في نقل شتلات الأرز من مكان إلى آخر.


    اختفت أسماء أصناف بعض المحاصيل كالكرنك والأشموني والمنوفي، وكانت الأكثر شيوعا بالنسبة للقطن.


    لم يكن المدراوي ونجار السواقي وحدهما من اختفى من أصحاب الحرف، فقد اختفى "السقا" بقربته، واختفى مبيض النحاس والطرابيشي والكلوباتي والصرماتي الذي كان يصلح الأحذية، والصرباتي الذي كان يقوم بكسح دورات المياه في المنازل، كما اختفى اللبودي الذي كان يقوم بصناعة اللبدة وهي غطاء للرأس مصنوع من صوف الغنم وكان يرتديه في العادة الفقراء من الفلاحين.


    صاحب اختفاء مبيض النحاس قلة ثم انعدام استخدام الأدوات النحاسية في المطبخ، بعد أن حل محلها الألومنيوم والبلاستيك، واختفت نتيجة لذلك أسماء أدوات لم تعد تستخدم وكانت مرتبطة بالنحاس والفخار والصيني. من بين تلك الأدوات الطبسية والماجور والأنجر واللحوقي (أو الحوقي باختلاف المناطق) والدست والطنجرة والقدرة والزلعة والبرنية والكراز والبوريه وطاسة الخضة.


    داخل المنزل اختفت أيضا مسميات وأماكن.


    لم يعد أحد يستخدم الكنيف وبيت الأدب وبيت الراحة والمستراح، وكلها أسماء كانت تستخدم في الإشارة إلى دورة المياه.


    واختفت من المنازل أماكن مثل المزيرة، وهو المكان الذي كانت توضع فيه أزيار المياه التي يملؤها السقا.


    واختفى كذلك المحم، وهو مكان استحمام في المنازل التي ليس بها حمام، وكان مكانه فوق فرن مبنيّ داخل إحدى قاعات المنزل، وهو عبارة عن فتحة مثقوبة أسفلها وعاء يتلقى المياه المستخدمة.


    واختفى استخدام "المَطْر" وهو صومعة مصنوعة من الطين اللبن الممزوج بالقش والتِّبْن لتخزين الحبوب فوق سطح المنزل. كما اختفى الحاصل والغرفة، وهما مكانان صغيران فوق السطح غالبا توضع فيهما طواجن وشاليات اللبن بعد حلبها، لكي تصبح لبنا رائبا وقشدة، كما تخزن فيهما براني السمن وزلع المش والمخلل.


    لم تعد المنازل الحديثة بحاجة إلى مندرة مفصولة غالبا عن باقي المنزل لاستقبال الضيوف، ولا إلى دكك وكراويتات للجلوس، كما اختفى "المقعد" وهو الغرفة التي تقام فوق السطوح ويستخدمها رب المنزل للنوم في الصيف.


   التغييرات تكون أحيانا ليس لانتفاء الحاجة، وإنما انصياعا لقرار حكومي وهو ما حدث بالنسبة للأوزان عندما تم التخلي عن الأوزان البريطانية كالأقة والرطل والأوقية والدرهم، لتحل محلها الأوزان الفرنسية كالكيلو والجرام.


    اختفت عملات كثيرة وتعددت أشكال عملات أخرى. لم يعد أحد يذكر عشرين خردة (نصف مليم)، ولا نكلة ولا نصف فرنك، ولا مية فضة، ناهيك عن السحتوت والبارة.


    ولم يعد أحد يستخدم تعبير شلن أو ربع ريال (خمسة قروش)، و الشيء نفسه بالنسبة للبريزة أو نصف الريال (عشرة قروش).


    نتيجة للقرارات الحكومية اختفت في المجالين الشرطي والعسكري درجات (أمباشي وجاويش وباشجاويش)، ورتب (يوزباشي وصاغ وبكباشي وقائمقام وأميرآلاي وبلوكامين وكونستابل ومعاون إدارة). كما انتهى استخدام العرضحال في المخاطبات التي تجري مع الجهات الحكومية. ولم يعد أحد الآن يستخدم لفظ التمن في الإشارة إلى قسم الشرطة.


    في مجال الأزياء اختفت أشياء مثل الملس والكرك كغطاء خارجي يستر جسد المرأة عند الخروج من منزلها. ومع انتشار الحجاب اختفت أغطية رأس كانت النساء يستخدمنها مثل الشقّة والقمطة والمنديل أبو أوية، كما اختفت أسماء كانت تطلق على الأحذية مثل الكاتانيلا والمنتوفلي والشكربين والدبابة والمركوب والشبشب الزحافي.


    لم تعد الملابس الرجالي سواء منها البلدية أو الإفرنجية تتضمن جيبا للساعة، ولم يعد أحد يستخدم التكة في الملابس الداخلية، ولم يعد أحد يستخدم تعبير الحزلان في الإشارة إلى حافظة النقود.


    ولم تكن وسائل الانتقال بعيدة عن التغيير، فاختفى تعبير الحلزونة والكافوري والأمنيبوس ـ وهو اسم آخر للأوتوبيس في اللغة الإنجليزية ـ إشارة إلى الحافلات، ولم يعد أحد يستخدم التروللي وهو عربة يجرها حيوان فوق قضبان ضيقة كان يستخدمه مهندسو الزراعة في القرى.


    وبالمثل لم يعد الكومبيل هو الاسم المستخدم في الإشارة للسيارة، ولا الحمار الحديد كاسم للدراجة الهوائية.