خلاءٌ تطوفُ به الأرواح!

20/11/2016 - 10:07:06

فريد أبو سعدة - شاعر مصري

بيوت خمسة، تنقلت بينها أسرتي قبل أن تستقر أخيرا، في بيت من ثلاثة أدوار، له مدخلان بسلاملك، أحدهما على الشارع وكان من نصيب عمتي، والآخر الذي كان من نصيبنا، يفتح بسلاملك على خلاء واسع، كان حديقة كبيرة، هُجرتْ من زمن بعيد، بعد أن غادره صاحبه اليهودي، وتركه للمصري الذي يعمل عنده، ورحل إلى إسرائيل!


   لم يبق حيا من آثار الحديقة سوى بعض النخلات المثمرة، وشجرة رمان تزهر، في موعدها، ولكنها لم تثمر أبدا. كنا نطل - عبر الخلاء - على شارع مدرسة الفرير، نرى المدرسة، ومستوصف السبع بنات - الذي تديره الراهبات مجانا - وكنيسة الأخوة، ومدرسة نوتردام دى زوبتر الثانوية، وفى آخر الشارع نقابة العاملين بشركة مصر للغزل والنسيج. كان الشارع يمتد بين النقابة من جهة والسكة الحديد من جهة أخرى.


   كنت فى العاشرة تقريبا عندما سكنا البيت، كانت (السبع بنات) فى هذا الزمن أرستقراطية، نظيفة وهادئة، حتى أنها فى الليل كانت متنزه العشاق الصغار، وفى ورديات خروج العمال الثلاث، من الشركة القريبة، تعبرها الألوف - عبر أنفاق السكة الحديد، التى تصل الحى بباقى أحياء المحلة - راكبين الدراجات إلى قراهم فى مشهد غريب، هذه المشاهد اليومية بالإضافة إلى مشهد خروج تلاميذ مدرسة الفرير، وركوبهم الحناطير، التى تكون فى انتظارهم، التلاميذ بملابسهم النظيفة، المغسولين كأنما بالماء والثلج والبرد، يحملهم العربجية إلى الحناطير كما لو كانوا بهشاشة غزل البنات! ومشهد خروج راهبات السبع بنات، فى يوم معلوم في السنة، بزيهن الأسود، والكول الأبيض المربع حول أعناقهن، يحملن شموعا ويمضين ضارعات: كيرياليسون!


   كانت هذه المشاهد تنحت فى وجدانى أثر الواقع الأول، وتساهم فى تكوين وعى الصبى الذى كنتُ، الوعى بالتناقض بين الذين يمضون مرهقين إلى قراهم بالدراجات، والذين يحملهم العربجية إلى حناطيرهم برقة، يفتقدونها حتى مع أبنائهم، ثم بين كل هذا وبين ضراعة الراهبات: يا رب ارحم!


   في هذا البيت كانت أمى (ترتب) لشيخ يأتى كل أسبوع ليقرأ القرآن، وفى هذا البيت بدأت القراءة فى الكتب القليلة التى وجدتها، أعداد قليلة من مطبوعات (كتاب الشعب) من تفاسير القرطبى، وتاريخ الجبرتي، وعدد خاص عن الأساطير اليونانية، ثم كتاب فى ميكانيكا السيارات، ورواية "أحدب نوتردام" فى طبعة شعبية مختصرة بدون غلاف، كتابين لطه حسين "دعاء الكروان"، والجزء الأول من "الأيام"، كانت هذه الكتب هى مائدتى الأولى، كنت قد ارتحت إلى فوتيه، سقط تنجيده فصار مقعرا، أجلس فيحتوينى، وتصبح الطاولة بارتفاعها القليل، مناسبة لتناول العشاء الذى تأتى به أمى بعد أن تتعب من النداء عليّ لأقوم وأتعشى معهم، أثناء الانكباب على القراءة، أذكر البرامج الإذاعية التى سحرتنى مثل "لغتنا الجميلة" و"ليالي الشرق" و"ألف ليلة وليلة"، و"ساعة لقلبك"، أو المسلسلات الإذاعية "سمارة"، و"عوف الأصيل"، وغيرها. كنت أحب الرسم، وكنت مغرما بجمال عبد الناصر، وكان الشخص الوحيد الذى أتقنت رسمه من الذاكرة، اشتهرت عموما بين عائلتى وبعض أصدقاء المدرسة بـ "الرّسيم"، وكان أساتذتى يحتفون بى، لأننى أرسم لهم ما يطلبونه لتزيين حوائط الفصل من بورتريهات لصلاح الدين، أو عمر مكرم، أو مصطفى كامل وغيرهم.


   فى هذا البيت جاءنى أصدقاء العمر، جار النبى الحلو، والمنسي قنديل، إبراهيم عزام، محمد صالح، محمد الرفاعي، يحيى بستان، رمضان جميل، عاطف عماشة، وآخرون، وفيه تعرفت إلى بنات العائلة، حيث كانت العائلة تجتمع كل جمعة عند جدتى أم أبى، والتى خصص لها أبى حجرة فى البيت، كنت محظوظا لأن البنات يتنافسن فى محبتي، أنا ابن سيد العائلة!


    عرفت مبكرا الولع بالبنات، عرفت متع التحرشات القليلة، ولغة الأنوثة الطافرة فى إيماءات الجسد، كنت قد عرفت مكتبة البلدية، ووقعت على الكنز الهائل للكتب، فأصبحت الإجازات المدرسية دواما لى فى المكتبة، قرأت ديوان شوقى ورامى وروايات السباعى وإحسان عبد القدوس، واكتشفت أهم اكتشاف وقتها: أن الشعر مازال يكتب! وأنه ليس وقفا على ما كتبه الشعراء القدامى وندرسه فى المدارس، لا لم ينته برحيلهم، اكتشفت إبراهيم ناجي، وعلى محمود طه وكثيرين، فقلت: إذن يمكن!


    بحثت عن كتب تدلنى على الطريق، كيف أستوعب فنون العروض والقافية، ووجدت ضالتى فى كتب العلامة الأب لويس شيخو اليسوعي، فرحت أملأ كراساتى بالبحور وتفاعيلها، بعللها وزحافاتها، والأمثلة والشواهد عليها، كنت أدرس بحماس يفوق حماسى للدروس المدرسية نفسها، ورحت أكتب أبياتا على غرار ما أحفظ أو أقرأ، محاولا التعبير عن نفسى، وبدأت تنافسا لطيفا مع صديقى عاطف عماشة فى استظهار البحور وكتابة الشعر، كان هذا مع عامى الأول فى المرحلة الثانوية، وفى العام الثانى تعرفت إلى المنسى قنديل وجار النبى الحلو، كانا يكتبان القصص فكتبت قصصا، وحاولا هم أيضا كتابة الشعر!، ثم تعرفنا إلى فصيل سبقنا إلى تكوين نادى الأدب فى عام 1965، سعيد الكفراوى وجابر عصفور ومحمد صالح ونصر أبو زيد وأحمد الحوتي ورمضان جميل وبكر الحلو. كانت المناقشات الحادة أشبه بتدريبات عسكرية شاقة، لفصيل مهمته غزو العاصمة، وإعداده للتصرف الصحيح فى كل الظروف، فصيل واع بتجربته وقادر على الدفاع عنها نقديا وجماليا. كانت السنوات الثلاث (1965- 1967) هى البوتقة التى صهرت هذا الفصيل، وكانت أيضا آخر عهدى بالبيت! لقد ذهبت إلى الجامعة، وجاءت الأخبار من أسرتي أنهم سيغادرون البيت، لأنه آيل للسقوط، وعندما نزلت فى الإجازة كانت الأسرة قد بنت أول دور فى بيتنا الجديد، فى الحي نفسه، في الشارع نفسه، شارع مدرسة الفرير.