« حياتنا وإن طالت » أسئلة عن طول العمر والشيخوخة

20/11/2016 - 10:03:30

د. محمد فتحي فرج - كاتب مصري

  من حقائق الحياة الأساسية أن كل حيّ إلى زوال، بيد أن لكل إنسان عمره المحدَّد، ونمط شيخوخته الخاص به. وهذا التنوع ليس إلا قدرا ضئيلا حينما نقارنه بما لدى أنواع الكائنات الحية الأخرى من حيوانات ونباتات. فالفطر العملاق الذى وُجِد فى ميشجان يعيش منذ العصر الثلجى حتى الآن، فى حين أن حشرة اليعسوب dragonfly لا تعيش سوى أربعة أشهر فقط، بينما ذبابة مايو mayfly لا تعمر إلا لمدة نصف ساعة فحسب. فما السبب فى هذه التباينات؟ وما الذى نتعلمه منها عسى أن نفيد منه فى فهم الشيخوخة لمحاولة علاج تأثيراتها؟


    وقد جدَّ أسلافنا من الأطباء فى البحث عن إكسير الحياة، ولا يزال العلماء حتى اليوم ينتهجون النهج ذاته ولكن بأسس علمية ومنهجية سليمة نوعا ما! وهذه الأمور يناقشها كتاب "حياتنا... وإن طالت: علم دراسة طول العمر والشيخوخة" من تأليف العالم الإنجليزي جوناثان سيلفرتاون أستاذ علم البيئة بالجامعة المفتوحة بمدينة ميلتون كينز بإنجلترا. وللمؤلف كتب أخرى يدور معظمها حول الدراسات البيئية والتطور والتاريخ الطبيعى والبيولوجيا النباتية. وصدرت ترجمة كتابه "حياتنا... " ضمن "سلسلة عالم المعرفة".


   وقد ترجمت الكتاب من لغته الإنجليزية الأديبة والمترجمة المصرية سحر توفيق التي تخرجت فى جامعة الأزهر 1974، وعملت بتدريس اللغة العربية، ومارست الترجمة وزاد عدد مترجماتها على ثلاثين كتابا، فضلا عن كونها روائية وقاصة.


    كتاب The Long and Short of it: The Science of Life Span and Aging صدر عام 2013 عن مطبعة جامعة شيكاجو؛ وعنوانه يختلف قليلا عنه باللغة العربية؛ إذ يتضمن عنوانه الأصلي التعرض لدراسة فترة العمر: طالت أم قصرت! والكتاب متوسط الحجم، ويقع فى حوالى مئتين من الصفحات من القطع المتوسط، وليس به مقدمة سواء للمؤلف أو المترجمة، وربما استعاض المؤلف بالفصل الأول عن المقدمة. أما المترجمة فربما حال عدم تخصصها فى الموضوع الذى ترجمته دون وضع مقدمة مناسبة له، ولها عذرها فى هذا. وينتظم بالكتاب تسعة فصول، بخلاف "الهوامش" و"ملحق" واحد يحوى الأسماء العلمية لمجمعة الأحياء التى وردت أسماؤها فى الكتاب وأعمارها.


    جاء الفصل الأول بعنوان: "الموت والخلود: المصير"، ويحتوى على معلومات علمية وبيولوجية وطبية وتاريخية وأدبية أيضا، وصيغ فى قالب أدبى ممتع أكثر منه فصلا صارما فى كتاب علمى قح. وفى مقارنة بلاغية بين الموت والخلود يثيرها تخيلُ المؤلفِ نفسه فى مدافن كنيسة ويستمنستر بين مشاهير الأموات الذين طواهم الزمن وابتلع النسيان معظم الأسماء التى كانت يوما ملء السمع والبصر؛ مما يجعله يوافق على مقالة الكاتب الأمريكى واشنطن إرفنج عندما زار هذا المكان وتنفس رائحة الموات والنسيان فقال: ما هذا الجمع الكبير من الأضرحة إلا خزانة من الامتهان؛ كومة هائلة من المواعظ المثيرة للضجر حول خواء الشهرة، ويقين الضياع فى غياهب النسيان! إنها حقا إمبراطورية الموت؛ فهذا القصر العظيم المبهم فى دولة من الوهم الزائف حول تذكارات المجد البشرى، ينشر التراب والنسيان على أضرحة الأمراء. يا له من زهو عديم الجدوى وعديم المعنى بخلود اسم من الأسماء!


    ثم يقول المؤلف: وعلى الرغم من الأمثلة الحادة لتقلب الشهرة بين الحضور والنسيان، فقد كان إرفنج مخطئا؛ فبعض الأسماء لايزال ذكرها يتردد، ومنها اسمه نفسه. هل يمكن أن يُنسَى شكسبير أبدا؟ إن من يصنعون أعمالا خالدة يعيشون إلى الأبد، حتى لو قال وودى آلن مازحا ذات مرة: "لا أريد أن أحصل على الخلود من خلال أعمالى، إنما أريد الخلود بتفادى الموت".


    وعلى ذكر اسم داروين يثير الكاتب هذا التساؤل المُلغِز: لماذا يتيح الارتقاء والتطور الشيخوخة والموت؟ ربما كانت الشيخوخة والموت هما الثمن الذى تقدمه أفراد كل نوع من أجل تطور وارتقاء وبقاء هذا النوع ذاته، ولكى نفسر هذا ننقل ما ذكره الكاتب حول منجز داروين: أطلق داروين على الآلية التى تستحث التطور: الانتخاب الطبيعى. وقال: الأفراد تتنوع، وسوف يحدث أن من يمتلك قدرة على أفضل على البقاء فى الصراع من أجْل الوجود، الذى يميز الحياة اليومية، سوف يترك نسلا أكثر مما يتركه رفاقه الأقل مقدرة. والآن تخيَّل أن التنوع الذى تعمل على أساسه هذه الغربلة الطبيعية يجرى توارثه ويمر من الآباء إلى الأبناء. سوف يجرى اختيار هذه الخصائص التى تؤدى إلى نجاح تناسلى أكبر بشكل طبيعى، وسوف تزيد فى كل جيل. وعلى مدى أجيال عديدة، سيحدث تغير بناءً على الانتخاب الطبيعى، وبمرور ما يكفى من الزمن، كما كتب داروين فى الأسطر الختامية لكتابه "أصل الأنواع": "سنجد أشكالا لا حصر لها هى الأجمل والأروع والأعجب قد تطورت وارتقت ولاتزال".


   أورد الكاتب فى هذا الفصل عدة تعريفات علمية مهمة لفهم الأفكار الواردة بالكتاب، ومنها:


ـ الشيخوخة: "هى التراجع (التقهقر) الوظيفى الذى يتراكم مع التقدم فى العمر ويقضى حتى على أطول حياة".


ـ مدة (فترة) الحياة: "هى معدل الزمن المنقضى بين لحظة الميلاد ولحظة الموت".


ـ زمن الجيل: "هو الزمن بين الميلاد والقدرة على إنتاج مواليد جديدة". ولكى يوضح هذا التعريف ضرب مثلا فقال: تتكاثر البكتيريا بالانقسام، ومن ثمَّ فإن فترة الحياة وزمن الجيل بالنسبة إليها هو الشيء نفسه، وهو مدة قصيرة للغاية قد تصل إلى 30 دقيقة. لكن زمن الجيل بالنسبة للبشر يتراوح بين 20 و 25 سنة، بينما فترة حياة الإنسان تتراوح من 70 إلى 80 سنة. ولكن يجب أن نلاحظ أن قصر زمن الجيل يفيد فى تسريع دوران عجلة التطور؛ مما يجعل التعجيل بالتطور ممكنا، وهذا أحد أسباب قدرة البكتيريا على التكيف بهذه السرعة مع التحديات الجديدة مثل المضادات الحيوية التى يستخدمها الإنسان فى مقاومتها.


    أما الفصل الثانى فيحاول الإجابة عن السؤال: لماذا ليس لنا جميعا حياة قصيرة مثل الميكروبات؟ وللإجابة عن هذا السؤال يعقد المؤلف مقارنة بين أنواع إحيائية عديدة؛ إذ إن كلا منها يمثل تجربة فى التطور تحمل فى طياتها معرفة جديدة نتعلم منها.


   ويتساءل المؤلف في الفصل الثالث: ما الشيخوخة؟ وكم نستطيع أن نعيش إن كان من الممكن إلغاؤها؟


   أما الفصل الرابع فيتضمن استقصاء لمدى تأثير الوراثة على طول فترة العمر. ويعرض المؤلف بعض الحقائق المدهشة وهى أن تعديلا طفيفا فى جينات معينة موجودة فى كل الحيوانات يمكن أن يؤدى إلى إطالة العمر بدرجة كبيرة للغاية!


    وفى الفصل الخامس يصبح اللغز هو: كيف تستطيع النباتات ـ بدءا من البطاطس حتى أشجار السيكويا العملاقة ـ التحكم فى شيء لا تحوزه سوى أنواع قليلة للغاية من الحيوانات. ومع معرفة أن التعديل الجينى يمكنه إطالة العمر وأن بعض النباتات تبدو فعليا خالدة.


    أما الفصل السادس فيتناول أكبر الألغاز، وهو: لماذا يوجد الموت أصلا؟ أو بدقة أكبر: لماذا هذا الانتخاب الطبيعى الذى يفضل كائنات تستطيع البقاء والتكاثر، يتيح حدوث الشيخوخة والموت على الإطلاق؟


    وفى الفصل السابع يكشف المؤلف القضية الكبرى التى تطرحها الكائنات الانتحارية، مثل سمك سالمون المحيط الهادى، ويتساءل: هل يمكن بأية حال أن يصبح الموت قابلا للتكيف؟


   ثم يصل المؤلف فى الفصلين الأخيرين (الثامن "عِشْ سريعا تمتْ صغيرا: معدل السرعة"، والتاسع "شباب دائم؟ الآليات") إلى دغل مليء بالألغاز حول كيفية حدوث الشيخوخة على المستوى الجزيئي؛ إذ بينما تتقدم الأحياء فى العمر تحدث أخطاء كثيرة، حتى إن مجرد اختيار الأسئلة الصحيحة يصبح صعبا، لكن هناك مغزى وسط كل هذا الجنون.


ملاحظات حول الترجمة


   على الرغم من عدم تخصص المترجمة فى موضوع الكتاب الذى تصدت لترجمته ـ فهى أصلا متخصصة فى اللغة العربية ـ فقد جاءت ترجمتها بصورة علمية واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، فى عبارة مشرقة، وبيان واضح. ومع هذا، لنا ملحوظات نقصرها على ما جاء فى الفصل الأول ـ نظرا لضيق المساحة المتاحة ـ ليكون هذا نموذجا لفصوله الأخرى، حتى إذا ما جاءت الطبعة التالية للكتاب أعادت المترجمة النظر فيه فى ضوء هذه الملحوظات لتجنبها ما أمكن ذلك.


ـ حينما ورد اسم الشاعر الإنجليزي ألكساندر بوب Alexander Pope ذكرته المترجمة هكذا: "البابا ألكسندر"، وكأنها تترجمه على هذا النحو الغريب! فالأسماء لا تترجم، ولكن تنقل من لغتها الأصلية بنطقها ذاته مكتوبة بأحرف اللغة المنقول إليها. وقد تكرر هذا أيضا في صفحتي 15، و17. وربما نعذر المترجمة لأن كلمة Pope لا تعنى اسم بوب "العلم" فحسب فى البلاد الغربية، ولكنا تعنى فى الإنجليزية كلمة "البابا"، وهو أعلى منصب لاهوتى مسيحى. والثقافة الأدبية الشاملة تعصم المترجم من الوقوع فى هذه الأخطاء وأشباهها.


ـ أما كلمة "سلائل" التي تعنى جمع كلمة "سلالة"، فكان من الأفضل أن توردها المترجمة على المشهور من جمعها وهى: سلالات.. فنحن نقول: السلالات البشرية، ولا نقول: السلائل البشرية!


  أما اسم البكتيريا التى تقبع تحت بطانة المعدة والتى تعرف علميا باسم هليكوباكتر بيلورى Heicobacter pylori، فإن هذا هو اسمها العلمى الذى تعرف به فى كل لغات العالم ولا ينبغى ترجمته أو تعريبه كما ذكرت المترجمة هكذا تحت اسم لا يعرفه المجتمع العلمى وهو "بكتيريا الملوية البوابية". أصول فى التسمية العلمية واستعمالاتها معروفة على مستوى العالم لا ينبغى تجاوزها. والطريف أيضا أنها قطعت الكلمة الثانية pylori دون مبرر فى الترجمة العربية، فذكرتها هكذا: py-lori، وهذا خطأ آخر، وتفسيره أنه فى اللغة الإنجليزية يمكن تقطيع الكلمة حينما تأتى فى نهاية السطر الذى لا يستوعب كل حروفها، فيُكتب جزء منها فى نهاية السطر متبوعا بشرطة (ـ)، وجزؤُها المتبقى يمكن كتابته فى السطر التالى.