كامل زهيرى .. عاشق القاهرة

20/11/2016 - 10:01:48

كامل زهيرى كامل زهيرى

محمد رضوان

تمر فى الرابع والعشرين من شهر نوفمبر الجارى الذكرى الثامنة للكاتب كامل زهيرى الذى ترك بصمة واضحة فى مشواره الصحفى والأدبى.


كان كامل زهيرى (1927- 2008) كاتبا صحفيا قديرا، وباحثا تاريخيا متميزا، وأديبا رفيع المستوى وقبل كل ذلك كله كان عاشقا مريدا فى رحاب القاهرة عاصمة العواصم الذى كان يعتبر نفسه مغرم صبابة فى عشق القاهرة، يبرح به الوجه فى شوارعها، يتأمل معمارها، مساجدها، مآذنها وقبابها، فيلاتها وعمائرها التاريخية متأملا بالمعنى صوت اللحن المعمارى لبياناتها، وعاشقا بالأذن لملامح وصور طرزها المعمارية الثرية المتنوعة فى مساجدها ومآذنها وقبابها، فى فيلاتها القديمة والحديثة، فى قصورها التى تسبح فى أجواء التاريخ وتموج بأحداث وتواريخ، وكان يردد فى جولاته القاهرية قول الشاعر:


إننى أرى الديار بعينى


فلعلى أرى الديار بسمعى


كانت رؤيته مسموعة لاتكتفى برؤية الحجارة والعمارة ولكنها رؤية تسمع همس الحجارة وألحانها وموسيقاها وكان يرى أن عروبة مصر مصيرى وأن طابعها العربى هو البوتقة الفكرية لمصر الذى فرضته اعتبارات الأمن والتاريخ والفكر والثقافة.


ولد محمد كامل محمد على زهيرى فى الثالث من يوليو 1927 بالقاهرة وتخرج فى كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1947 التحق بعدها بجامعة السوربون بباريس حيث نال دبلوم الدراسات العليا فى الأدب عام 1949 ثم عمل مذيعا بالإذاعة الهندية، وحين عاد إلى مصر التحق بمجلة روز اليوسف حتى صار مديرا للتحرير انتقل بعدها إلى دار الهلال ليعمل رئيسا لتحرير مجلة الهلال فى الفترة من 1964 حتى 1969 ثم إلى مجلة روز اليوسف رئيسا لمجلس إدارتها (1969- 1971) ثم انتقل إلى جريدة الجمهورية عام 1971 وظل يكتب فيها عمودا ثابتا تحت عنوان “من ثقب الباب” حتى آخر مشواره الصحفى ينتسب كامل زهيرى لأسرة زهيرى من الجمالية أقصى شمال الدلتا بالدقهلية وهو ينتسب بصلة قرابة لأسرتى وأتذكر أن خالى المستشار محمد حامد رضوان قد زاره فى مكتبه بصحبة زوج أختى الأستاذ مختار السيد زهيرى.


كان محمد على والد كامل تاجر جملة من مواليد عام 1900 بقرية الجمالية دقهلية ويروى لى أفراد من أسرتى أن والده ترك البلد واتجه إلى القاهرة حيث عاش بقية عمره فيها ويروى كامل أن والده عندما بلغ سن التاسعة عشرة من عمره شارك فى ثورة 1919 ليجد نفسه ثائرا رغما عنه، حيث كان والده حكاء فصيحا، وقارئا جيدا للصحف والمجلات ويروى كامل أن القراءة كانت وجبتهم الرئيسية خاصة يوم الأحد يقرأون معا مجلة روز اليوسف وكان الأب يرسل كامل إلى ميدان الجيزة لشراء صحيفة “البلاغ” وأثناء عودته كان يقرأ مقال الكاتب الكبير عباس محمود العقاد.


 


كان محمد كامل الأخ الأكبر لسبعة أبناء وتوفيت والدته مبكراً فتزوج أبوه وأنجب ولدين.


كان جد كامل زهيرى من كبار العلماء فى قرية الجمالية ولكنه كان فقيرا وكانت زوجته من عائلة عبداللطيف وكانت عائلة ثرية إقطاعية من أصول تركية تسير على الطريقة الإنجليزية فى تقسيم الثروة بقصرها على الابن الأكبر وعدم تزويج بناتها من الفقراء حتى لاتتوزع الثروة ولكن كتب لجد كامل أن يتزوج إحدى بناتها عندما اختفى العريس الغنى فجأة فأنقذ جده الموقف وتزوجها ثم غادر الابن على والد كامل زهيرى .. البلدة إلى القاهرة سعيا وراء الرزق المتسع حيث تزوج وعندما بلغ كامل زهيري الخامسة عشرة من عمره رحلت أمه عن الحياة وتركته فترك فراقها فى نفسه شرخا كبيرا اسمه عقدة الهجر وظل طيلة حياته يخشى من مرارة الهجر، بعد أن رأى بعينه رحيل أمه المبكر ورحيل عمته شقيقة والده فى عز شبابها وأثر فيه بكاء والده على هذا الرحيل الفاجع ولذلك كان يؤمن “بأن لايعرف القرب إلا من ابتعد، والسفر تلاعب بالفراق والهجر، أبتعد عمن أحب حتى أقترب منه أكثر، ولأننى أخاف الهجر فأننى لا أنسى مكانا زرته، ولا وجهاً رأيته”.


المرأة فى حياته


رغم أن كامل زهيرى أثناء عمله فى الهند بإذاعتها فى مدينة بومباى أحب امرأة إيرانية “معصومة دولت شاهى” أحبته لدرجة العشق كل شىء فيها يوحى بالجمال كانت عيناها جميلتين واسعتين وكانت معجونة بالفن وكانت على خلاف مع زوجها شدته إليها مأساتها مع زوجها وربطت الغربة بينه وبينها على مدى سبعة أشهر وكان المنتظر أن تتوج علاقتهما بالزواج لكن كامل زهيرى المرعوب دائما من الهجر تردد فى الارتباط بها رغم حبها له إلى درجة العشق فأنهى علاقته بها وسافر إلى باريس لكنها سافرت وراءه وطلبت منه أن يتزوجا لكنه أصر على الرفض لأن طريقهما لم يكن واحدا: كانت تفكر فى بيت وأسرة وأولاد، وكان هو يفكر فى العلم والثقافة والمتعة الفنية، وكان هناك صوت داخله يرفض قيود الأسرة والزواج فى هذه المرحلة من عمره، فصارحها بضرورة الفراق وكانت صدمة عمرها.. هكذا استطاع أن يغلب عقله على عاطفته الجامحة نحو هذه المرأة التى أحبته إلى درجة الجنون!


وعاش كامل زهيرى عدة تجارب عاطفية تزوج مرتين الأولى أنجب منها منى ومؤنس ومها حتى كان الحب الكبير بينه وبين خديجة قاسم الصحفية التى التحقت بقسم الصحافة وجاءت لتتمرن فى مجلة روز اليوسف وهى مازالت طالبة وكان إحسان عبدالقدوس هو رئيس التحرير وعملت فى قسم الترجمة بروز اليوسف وكان كامل زهيرى مدير التحرير يطلب منها تسليم العمل له وحاولت أن تبتعد عنه وحدث سوء تفاهم معه لكن انقلبت العداوة إلى محبة بعد أن سافر كامل إلى أمريكا وبدأ يرسل لها خطابات غرامية مشتعلة وانتهى هذا الحب بالزواج عام 1970 وأنجبا وحيدهما “عمرو” الذى تزوج من فرنسية اسمها “لورا” خريجة سياسة واقتصاد وتجيد العربية وهى مستعربة وقد أنجب منها طفلا وقد قال كامل زهيرى عن زوجته : “رفضت حبى لمعصومة الإيرانية لأنها كانت تريد أن تبعدنى عن مصر وأذهب معها إلى إيران وأنا لا أستطيع أن أتخيل نفسى أعيش بعيدا عن مصر أما خديجة قاسم فهى حب من نوع آخر فحبها يمثل لى نوعا من الطمأنينة وحياتها جد ولا تتلاعب بأنوثتها هى جميلة وتحترم جمالها والأساس أن تسود المودة والرحمة فى الزواج وعن أجمل لوحة رسمها كامل زهيرى فى حياته يقول: خديجة زوجتى ولوحة زهور.


من آباء الهلال


كان كامل زهيرى أحد آباء مجلة الهلال الذين تركوا بصمة واضحة فى فترة حاسمة من حياة مصر (1964 - 1969) حيث جمعت المجلة بين الصحافة والأدب والتاريخ وروجت للفكر اليسارى الاشتراكى فنشر فيها موسوعة الهلال الاشتراكية واجتذب إليها العديد من أقلام الأدباء والمفكرين فى مصر والعالم العربى منهم الأدباء والشعراء والمفكرون ولذلك غلب على هذه الحقبة من تاريخ الهلال الطابع الفكرى اليسارى الاشتراكى والجانب التاريخى لمصر خاصة أنها شهدت مرحلة التحول الاشتراكى فى مصر ومرحلة الاستعداد للحرب بعد نكسة 1967.


لم يكن مجرد مثقف كبير حلق بنا بعيدا لكنه كان ذاكرة لمصر وضميرا حيا لكل ما هو جميل ورائع فيه، ولم يكن مثقفا عاديا لكنه كان توليفة ثقافية كاملة جمعت كل التناقضات والأفكار والرؤى، فكان الكاتب المتمرد وكان المؤرخ العاشق لمصر ولتاريخ القاهرة وكان الناقد الفارس وكان المثقف الموسوعى الذى عشق الكتاب ولم يترك مجالا إلا اقترب منه كما كان الصحفى المقاتل بالكلمة والعمل النقابى كنقيب للصحفيين.


عاشق القاهرة


وكان لعشقه للقاهرة حكاية طويلة ومن عشقه للقاهرة عشق النيل الذى آثر أن يسكن على ضفافه وقد صور لنا صورة هذا العشق “أطل على النيل كل صباح منذ ثلاثين عاما لأننى أسكن فى شارع أبو الفدا الذى يطل على النيل فى فرعه الصغير بين إمبابة والزمالك.. وكانت السعادة تغمرنى فى الفجر حين أشهد أمواج الضياء بين البزوغ والشروق والامتلاء، حين ينتقل الضوء من البنفسجى إلى البرتقالى حتى يمتلئ ضوء الصباح ثم يكتمل.


وكانت سعادتى لا تقل فى الليل عن الصباح حتى ينعكس الضوء ثم يتلألأ على صفحة النيل الفضية الهادئة”.


ترجم حبه للقاهرة إلى مؤسسات .. فقد لعب دورا مهما فى تأسيس مكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك، وأقام لها شبكة علاقات دولية واسعة مع عدد من المكتبات الدولية، كان عروبيا من أعماقه، ولكنه كان فوق ذلك مؤمنا بالبعد المتوسط فى شخصية مصر وحضارتها وكان كاتبا متعدد المواهب والقدرات ونال العديد من الجوائز والأوسمة من مصر وخارجها، حيث نال جائزة الدولة التقديرية سنة 1988 ثم نال جائزة مبارك أرفع جائزة مصرية والتي تغيرت بعد ثورة 25 يناير 2011 إلى «جائزة النيل».


النساج


وقد رسم الكاتب خيرى شلبى صورة بورتريه للكاتب والباحث والأديب والمفكر كامل زهيرى فرأى الكثير فى عينيه القديمتين الجديدتين فى آن معا:


شخصيات وأماكن وأحداث ووقائع وشعر وموسيقى ومعمار ونحت وزخارف ورقش وآيات مكتوبة بخط الثلث والكوفى والرقعة، وأحجار كريمة وقواقع، وسفن وزوارق وعربات حنطور ودهبيات وخيول وجمال ودواب، وأسواق وخانات، وألف ليلة وليلة وسيرة عنترة والهلالية وذات الهمة ومقاهى السيدة زينب وباب الشعرية والجمالية والدرب الأحمر والناصرية وحى الصليبة والقلعة وشارع محمد على ببواكيه وعوالمه وآلاتيته.


ترى الجبرتى وابن إياس وابن تغرى بردى والمقريزى وابن عبدالحكم والقصاعى والقلقشندي وبيرم التونسى وعبدالحميد الديب وزكريا أحمد وسيد درويش وعبده الحمولى.


وهو حين أشرف على الشقيقات الثلاث بدار الهلال، روايات الهلال، والهلال، وكتاب الهلال، نقلها نقلة هائلة، ومنعها من تقلبات العصر، جدد شبابها، حدثها بكل معنى الكلمة، جعلها منافذ للثقافة الرفيعة والفكر الحى، والأدب العظيم، لاتزال وستظل الأعداد الخاصة التى حررها من مجلة الهلال عن شوقى والعقاد وغيرهما من أعلام الفكر والأدب أسفارا تغتنى  بها المكتبة العربية.


خلال رحلته الصحفية والفكرية والنضالية أصدر عدة كتب هي: مذاهب غربية، الصحافة بين المنح والمنع، الغاضبون، العالم من ثقب باب، مائة امرأة وامرأة، النيل في خطر.


قضى كامل زهيرى العامين الأخيرين من حياته بين المستشفى والبيت حتى رحل عن الحياة فى 24 نوفمبر 2008 بعد رحلة عطاء كبيرة قدم فيها للصحافة والأدب والفكر والثقافة الكثير، حيث ستبقى كتاباته وأفكاره وسيرته التاريخية نموذجا للمثقف الوطنى الذى قدم رسالته كمثقف ومفكر وطنى مصرى أصيل فأصبح بحق ذاكرة للوطن وضميرا حيا للفكر الأصيل وكل ما هو جميل وراق.


ليظل دائما وجه مصر الأصيل، وتاريخها الحى المتراكم الذى يشع بعبقه ونوره على مدى الأجيال.