محفِل حاشد في وداع فاروق شوشة

20/11/2016 - 10:00:16

كان دائما مع الاجيال الجديدة من الشعراء كان دائما مع الاجيال الجديدة من الشعراء

فولاذ عبد الله الأنور - شاعر مصرى

لم أكن أعلم أن المكالمة الهاتفية التي دارت بيننا في تلك الساعة الموحشة من ليل الأربعاء ١٢ أكتوبر ٢٠١٦، ستكون آخر عهدي بفاروق شوشة وإلى الأبد، أخبرته بحاجتي إلى رؤيته وأنْ أهديَهُ نسخة من أحدث دواويني " رثاء الممالك البائدة " الصادر عن هيئة الكتاب منذ أيام، فأخبرني أن عطلته من العمل في المَجمَع يوما الجمعة والسبت وإذن فعليّ أن أختار الخميس أو الأحد وقد فضّلتُ الأحد ١٦ أكتوبر ٢٠١٦ وهو اليوم الذي كان أستاذنا الدكتور محمود الربيعي قد تفضل بأن يستقبلني فيه لأهديَهُ هذا الديوان أيضا، ولو اخترت الخميس لالتقيتُ بهما معا.


   مات فاروق شوشة صبيحة يوم الجمعة ليُطاحَ بكل موعد ويرتبك كل شيء، ولينتقلَ مجمع اللغة العربية علماؤه ومفكروه إلى ساحة العزاء في عشية ذلك الأحد الأسيف، ولم يكن الأمر تقليديا، فقد تحولت الساحة إلى مَحفِلٍ جنائزيٍّ حاشد، شعراء ومفكرون، رجال دين وسياسة، فنانون وإعلاميون، وزراء سابقون ووزراء حاليون، شيوخ ورجال ونساء من مختلف الأجيال والأعمار، مواكب أتت بها القاهرة الكبرى وأخرى زجّتْ بها أقاصي الأقاليم، وفي صدارة المشهد راح شيخ المجمعيّين الدكتور حسن الشافعي يتحرك في الأنحاء معزّيا ومتلقيا العزاء، وكوكبة دارالعلوم تنوء بجرحها وتتلقى المعزّين في الجنبات والممرات، الكل يواسي الكل، وكل واحدٍ يرى أنه الأحق بالتعزية والمواساة وأرملة شاعرنا الراحل الكبير السيدة هالة الحديدى مجللة بالسواد واقفة على قدميها - هي وابنتاها منه " يارا " و "رنا " يسقبلن كل أولئك وهؤلاء من غروب شمس ذلك اليوم إلى نحو التاسعة والنصف من مسائه - وهي رابطة الجأش في موقف تصعب فيه رباطة الجأش،حتى انتهاء مراسم العزاء، لم يكن الأمرُ تقليديا، كان العزاء على حدّ تعبير شاعرنا الكبير محمد إبراهيم أبوسنة بمثابة استفتاء فعليّ لفاروق شوشة شاعرا وإنسانا.


    تلك هي الميزة التي يتمتع بها القلائل من الأفذاذ والنبهاء، إذ يهبهم الله قدرة أن يسكنوا قلوب الآخرين، فقد كان لفاروق شوشة ملكات أخرى مع ملكة الشعر أهمها قدرته الفائقة على تحويل خصومه إلى أصدقاء ومناوئيه إلى محبين له ومنافحين عنه، وهو أمر ينوء به مشاهير الساسة وقادة الشعوب، لذلك لم يتوان محبوه من كبار أدبائنا ونقادنا عن الإفصاح عن هذا الحب في حياته وبعد موته.


   ومازالت ذاكرتي عامرة بأصداء أمسية صيفية جميلة من تلك الأماسيّ الحاشدة التي كانت تنعقد في دارالعلوم في سبعينيات القرن الماضي احتفاء بفاروق شوشة، ومازلت أحفظ بيتين للشاعر الراحل أحمد مخيمر أنشدهما في حب دارالعلوم - وهي معقل اللغة العربية- لابنها البار فاروق شوشة :


فاروقُ شوشةُ شاعرٌ متمكنٌ


دار العلوم بشعرهِ تتباها


لو أنهُ في أُمةٍ وثنيةٍ


جعلوهُ للشعر الجميل إلها 


   وأذكر أيضا أنه في عام ٢٠٠٦ حين احتفل المجلس الأعلى للثقافة في مصر بسبعينية فاروق شوشة، كنا نردد في أروقة المجلس أبياتا من قصيدة أتحفنا بها أستاذنا الراحل الدكتور محمد حماسة عبداللطيف :


ربُّ البيان وربُّ الشعر فاروقُ


نسرٌ مهيبٌ له في الفن تحليقُ


عفوا إذا قلتُ شعرا في محبتهِ


وهل يحيّا بغير الشعر فاروقُ 


   وحين أصدرت مجلة الهلال عددها التذكاريّ في يونيو ٢٠١١ بمناسبة بلوغ فاروق شوشة الخامسة والسبعين كانت صفحاتها تتوهج بأقلام كبارالنقّاد والكتّاب في سباق تكريمه وتقديره ، ولعل قصيدة ناقدنا الكبير الدكتور محمود الربيعي في ذلك العدد من الهلال قد اختصرتْ في مهارة كلّ ما أحب أن يستفيض فيه محبو فاروق في هذه المناسبة : فلكل امرئ من اسمه نصيب ومثله عرضة للحسد ولا بد من تعويذه من العين، فالعين تدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القدر، ولا بد من تعويذه أيضاَ من الجاهلين الذين لا يعرفون معادن الرجال ولا يميزون بين فصائل الجياد شحيجها من صهيلها :


وجه صديقي قمرٌ طالعٌ


فاروقُ بين الحقّ والباطلِ


المَجمَعىُّ الألمعيُّ الذي


إنْ يتغافل ليس بالغافلِ


عوّذتهُ مِن شر حُسّادهِ


بقول ربّي عزّ مِن قائلِ


مِنْ كل مَنْ يُسرفُ في جهلهِ


فيخلط " الشاحجَ " بالصاهلِ


في عالم خفّتْ موازينهُ


واختلط الحابل بالنابلِ 


ولسنا في حاجة إلى الغوص في عيون شعره وفرائد قصائده بقدر حاجتنا إلى الوقوف على جوانب الامتياز في شخصه نموذجا ومثالا إن أرادت الأجيال الطالعة أن تبحث لنفسها عن القدوة والمثال، حتى يكون زمانها أجمل من الزمان الذي كان ينتقده فاروق شوشة بمرارة ويعمل على تغييره وتجميله بشعره وأفعاله ومواقفه، يقول في قصيدته " شاعر الحراب المدببة " في ديوانه " لغة من دم العاشقين "، وهي القصيدة التي رثى بها الشاعر الكبير الراحل أمل دنقل :


في زمن يعلن عن حاجته لكبرياء


يخرج فيه السفهاء من جحورهم 


والأدعياء من شقوقهم


ويعتلي المخادعون كل موكب وساحة


ليملأوا الدنيا ويزحموا القضاء


في زمن ملوكه السوقة والطغام


وناصحوه أغبياء


يلبس فيه السفلة العصاة واللصوص


مسوح أنبياء


.... 


لا تلتفت حوليك، ليس ثم من أحد


الكون كله فسد


وأصبح المهرجون شعراء. 


رحم الله شاعرنا الكبير الذى كان له التأثير علينا بشعره وفكره وشخصه حيا وراحلا مقيما، وألهم عائلته وقارئية ومحبيه فى مصر والوطن العربى الصبر والإفادة من شعره وفكره.