لواء. نصر سالم يكتب: ١٨٠ يومًا خلف خطوط العدو ليلة أغرب من الخيال (١)

17/11/2016 - 1:48:13

  نقيب نصر سالم أثناء تدربه على تسلق الحبال نقيب نصر سالم أثناء تدربه على تسلق الحبال

بقلم: لواء. نصر سالم

كانت ليلة تجمعنا فيها قبل أن نفترق، ورأينا فيها المستقبل جليا دون أن ننتبه، ليلة كلما ذكرتها لم أصدق أنها لم تكن خيالا، إنها ليلة سبقت مائة وثمانين ليلة، حدثت فيها أحداث أغرب من الخيال.. توقفت بعدها ذاكرتى عن ذكرها لمدة قاربت خمسا وعشرين من السنين، حتى أنعشها واجب وطنى يصرخ.. اكتبها فإنها ملك للأجيال.. ليس من حقك كتمانها أو تركها للنسيان.


فى تلك الليلة كنت عائدًا لتوى من إجازة قصيرة منحتها عقب اشتراكى فى إحدى المناورات الكبرى لأحد تشكيلاتنا المدرعة فى المنطقة الخلفية لجبهة القتال الملاصقة لقناة السويس..


وقد انتهت هذه المناورة قبل انتهاء الأسبوع الأول من شهر رمضان الذى هلَّ علينا
ونحن فى المرحلة الأخيرة من المناورة.


(ملاحظة تبين لنا فيما بعد أنها كانت ضمن خطة الخداع التعبوى)


لقد كانت عودتى إلى وحدتى ليلا عندما عرفت بالمصادفة أن هناك رفعًا لدرجات الاستعداد لم أبلغ به فى وقته لسبب ما، ولكنى بمجرد أن علمت من أحد الزملاء وكنت أهاتفه بالمصادفة، أخذت حقيبتى وتوجهت فورًا إلى مكان وحدتى لأجده خاليًا إلا من الأفراد المسئولين عن تأمين المعسكر، وكانت هناك سيارة لنقلى إلى منطقة الانتشار، أى المنطقة التبادلية التى تعمل منها الوحدة أثناء الحرب.. وعندما وصلت، كان الجميع منتشرين فى خيام متفرقة داخل حفرعلى أعماق توفر الوقاية السلبية من قنابل وصواريخ العدو فى حالة التعرض لها.


كان ضباط كل سرية مخصصا لهم خيمة ميدانية للنوم فيها، والقيادة أيضا تنتشر فى خيامها فى مناطق مجاورة، طبعا إلى جانب خيام الجنود.


فى داخل خيمتنا كنا مجموعة من صغار الضباط تجمعت فيها كل الصفات من الجدية إلى المرح إلى التهريج إلى العفوية فى ترتيب بعض المقالب الباعثة على المرح والسرور..
وفى خضم انشغال كل منا بإعداد قراره والإشراف على تجهيز مجموعته لتنفيذ مهمتها خلف خطوط العدو، لم «تكن التعليقات اللاذعة أو النكات تتوقف»، فهذا «فيصل» الضابط المرح عالى الكفاءة الذى يتحدث ثلاث لغات إلى جانب العربية... كلما صافح زميلا بادره بطريقة ساخرة (نلتقى فى عتليت) وكان صديقى ومقربًا منى، فنهرته (أحسن فألك) - لأن عتليت هذه كانت هى مكان تجميع الأسرى المصريين فى داخل إسرائيل إبان حرب ١٩٦٧- فكان يردعلى بطريقته هذه (مالك أنت وذلك، إنك سوف تحصل على الترقية الاستثنائية وأيضا نجمة الشرف) وكأنه كان يقرأ صفحة فى علم الغيب دون أن يدرى.
وبنفس طريقته الساخرة أمسك بجهاز التليفون الموجود فى الخيمة، وطلب رقم المنزل الخاص بعم النقيب «عبدالهادى» الموجود معنا فى نفس الخيمة...
والنقيب عبدالهادى هو أحد الأبطال السابق له العمل خلف خطوط العدو فى مهام ناجحة، بل ممتازة، وكان قد حصل على ترقية استثنائية تقديرا لهذا العمل، له قصة طريفة كنا نعرفها جميعا وهو أنة يخطب ابنة عمه، وعمه هذا دائم التضييق عليهما حتى أنه فى آخر لقاء لهما أثناء زيارته لبيت عمة’ فض عمه الخطبة بطريقة غير لائقة - رغم تمسك الخاطبين ببعضهما ومنع أى اتصال بينهما. فوجئ عبدالهادى بفيصل يعطيه سماعة التليفون ويقول له تكلم.. تكلم..تكلم.. عمك!!


وأمسك عبدالهادى سماعة التليفون فى دهشة وتمتم ببعض الكلمات ثم انفرجت أساريره، وراح يبادل عمه الحديث فى سعادة، ويشير إلينا أن عمه لم يضع السماعة وينهى المكالمة كما كان يفعل من قبل- فشجع هذا فيصل على أن يهتف فى وجهه.. اطلب من عمك يخليها تكلمك.. ويكررها عدة مرات.. فما كان منه دون أن يدرى إلا أن قال لعمه ممكن أكلم (منى)..
ثم رأيناه يقفز فوق السرير الذى يجلس عليه قائلا بينادى لها.. بينادى لها..
ودار الحوار بينهما ونحن نحدق فى وجهه فرحين لفرحته وهو يناجى خطيبته.. ولكنه ختم المكالمة بقولة (مع السلامة ربما لا نرى بعضنا مرة أخرى)


ووضع السماعة.. وأنهلنا علية باللوم والتأنيب.. ما هذه النهاية المأساوية؟


فيرد فى حيرة.. (والله لم أدر كيف نطقت بذلك)


نعم كانت ليلة غريبة.. لقد تحقق كل قول قيل فيها...


فيصل الذى أسرف فى سخريته وهو يردد (نلتقى فى عتليت).. وقع فى الآسر بعد أن أدى دوره ببسالة واقتدار ولكنها نبوءته التى سنرويها فيما بعد.


عبدالهادى. نال شرف الشهادة بمجرد عبوره لقناة السويس عندما دمرت الهيلوكبتر التى كانت تقله هو ومجموعته إلى منطقة عمله خلف خطوط العدو.


وأنا كاتب هذه السطور قدر الله لى النجاح فى مهمتى التى طالت شهورًا ستة ونلت فيها وسام النجمة العسكرية والترقية الاستثنائية كما قال فيصل.


حقا لقد كانت ليلة غريبة.. كنا نحاول أن نُغلٌفها بالتهريج والمرح ما دمنا معًا، ولكن ما أن يخلو أحدنا بنفسه إلا وتخطفته الخواطر والظنون، وتتسابق فى رأسة الأسئلة:


هل استعددت لما هو آت؟


هل كان الاستعداد كافيا؟


لقد مرت بنا ليال وأيام خلال السنوات الماضية.. تدربنا فيها على كل فنون القتال وخاصة العمل خلف خطوط العدو-فنيا وبدنيا ونفسيا. فالإعداد الفنى أو الذهنى احتوى على الكثير من المجالات.. سواء فى دراسة ومعرفة كل المعلومات عن العدو – تكوينه- أماكن تواجده –نشاطه –تصرفاته- أسلحته... الخ.


ثم المعلومات التفصيلية عن الأرض أى مسرح العمليات بكل تضاريسه وطبوغرافيته جبال- وديان- هضاب ـ مرتفعات- منخفضات - دروب - طرق- مصادر المياه فيها - والسكان المحليون- مصادر الإعاشة....... .إلخ.


لقد درسنا كل شبر فى سيناء حتى حفظناها عن ظهر قلب- كم قضينا من ساعات وأيام ونحن نصنع نماذج مجسمة للجبال والسهول وطبيعة الأرض فى كل قطاع من قطاعات سيناء.


أيضا فنون الملاحة البرية فى الأنواع المختلفة من الأراضى باستخدام الطرق الفنية وبدونها، وكذلك المهارة فى الميدان، أثناء الحركة والاختفاء ومواجهة العدو والكثير والكثير من طرق الحصول على المعلومات وكيفية إرسالها بالوسائل الفنية والأجهزة اللاسلكية مع الحرص الكامل على تجنب قدرات العدو فى اكتشاف الاتصالات اللاسلكية والتعرض لها بالتشويش أو التنصت.


وفى مجال الإعداد البدنى فيكفى معرفة أن المستوى الذى يجب ألا يقل عنه الفرد الذى يعمل خلف خطوط العدو، هو المسير لمسافة خمسين كيلومترا عبر الأراضى (صحراوية – جبلية - الزراعية) وهو يحمل فوق أكتافه مع شدة القتال التى لا تقل عن خمسين كيلوجرام من مهمات وأسلحة ومعدات وذخيرة وطعاما ومياها. أما فى مجال الجلد وقوة التحمل والضعط النفسى فقد كان ما لاقيناه من تدريبات يفوق طاقة البشر، من الاستمرار فى العمل بدون مياه أو طعام لعدة أيام وتحت ضغوط غير متوقعة.. منها على سبيل المثال وليس الحصر: الانتقال بالهليوكبتر لمكان ما فى الصحراء ونحن نحمل معنا من الطعام والماء ما يكفى ليومين فقط، ولا يصرح لنا إلا باستخدام الطعام (٧٥٠ جراما) والمياه (١ لتر مياه) المخصص ليوم واحد فقط مهما كانت الظروف ولا يستخدم طعام ومياه اليوم الثانى إلا بتصريح من القيادة.. وتقوم الهليوكبتر بإبرارنا فى مكان ما نتحرك منه مسافة٤٠ إلى ٥٠ كيلو مترا لنصل إلى منطقة العمل التى نختفى فيها ونقوم بمراقبة الهدف المخصص لنا طيلة نهار اليوم الثانى، ثم نتحرك فى الليل لنفس المسافة ونصل إلى منطقة أخرى
فى اليوم الثانى وفى اليلة الثالثة نتحرك نفس المسافة لنصل إلى المنطقة التى سوف تلتقطنا منها الهليوكبتر. وقبل ركوب الهليوكبترللعودة يتم التفتيش على الطعام والمياه المخصص كاحتياطى- فإذا كان فيه أى نقصان يتم ترك المجموعة على الأرض ويخصص لها مكان آخر تلتقط منها المجموعة بعد ٢٤ ساعة على مسافة٥٠كم، وجدير بالذكر أن جميع التحركات التى تتحركها المجموعة تكون وسط عدائيات وكمائن مدبرة من جانب قيادتنا ومن يقع فى الأسر يرى ألوانا من الضغوط لا يقوى على تحملها إنسان.


كل هذه الخواطر والأفكار كانت تتخطفنا طيلة تلك الليلة (ليلة الخامس من أكتوبر ١٩٧٣ التاسع من رمضان) لم يقطعها إلا رنين التليفون فى خيمتنا، ليبلغنى أنى مطلوب فى خيمة القيادة، فأحمل خريطتى وأدواتى الكتابية وأتوجة فورا إليها، حيث قائد الكتيبة، الذى تلقانى بالترحاب والبشاشة، وهويقول لى إنه يومك يا بطل.. هل أنت جاهز فأرد بإرادة صلبة... .تمام يا أفندم..


ويبدأ فى تلقينى بالمهمة... إنها خلف خطوط العدوعلى مسافة أكثر من مائة كيلومترشرق قناة السويس، لاكتشاف العدو الموجود فى هذه المنطقة وتحديد حجمه وأسلحته وأنواعها، ونشاطه ثم متابعته والإبلاغ عن أى نشاط للعدو فى هذه المنطقة.. حيث سنستقل هليوكبتر لتنقلنا إلى منطقة العمل قبل آخر ضوء اليوم السادس من أكتوبر بعد تلقى المهمة عدت إلى مكان انتشار سريتى وقمت بلقاء أفراد مجموعتى..
وبعد التتميم على درجة استعدادهم والتفتيش على أسلحتهم ومعداتهم وكل ما سبق
أن لقنتهم به من قبل للاستعداد لتنفيذ المهمة، أخبرتهم بتوقيت التجمع للتحرك إلى المطار، وخلوت لنفسى فى إحدى العربات داخل الحفرة لأوقع بالقلم الرصاص على خريطتى –التفاصيل الخاصة بتنفيذ المهمة.... وكانت الخطوط الرئيسية لها تتضمن الإقلاع بالهليوكبتر من المطار المحدد والطيران إلى عمق العدو ثم إلابرار (أى النزول من الهليوكبتر) فى مكان يبعد عن منطقة العمل مسافة ٨٠كم تقوم المجموعة بقطعها خلال ليلتين سيرا على الأقدام للوصول إليها واستطلاع العدو فيها والإبلاغ عنه والاستمرار فى متابعته، وذلك لمدة ستة أيام ثم العودة بنفس الطريقة أو تلقى مهمة أخرى إضافية.


فى التوقيت المحدد كنت أقف أنا ومجموعتى المكونة من ثلاثة أفراد، أنا أحدهم وقائدهم، ثم فرد الاستطلاع (الجندى) وفرد اللاسلكى (عادل)، وبعد إعطاء التمام لقائد الكتيبة ركبنا السيارة المخصصة لنقلنا إلى المطار مع مجموعتين أخريين.. وتحركنا إلى مطار الإقلاع وكانت الساعة الثانية عشرة ظهرا، قطعنا المسافة إلى مطار ألماظة فى أقل من ساعة وتوجهنا إلى حيث قيادة السرب الذى سيقلنا، لإجراء التنسيق النهائى مع الطيارين قبل الإقلاع..
كان الجميع فى المطار أشبه بخلية النحل، كل يعمل فى صمت وبجدية تامة ويكاد لا ينظر إلا أمامه.. وفجأة رأينا طائرة من طراز تيو ١٦ القاذفة الثقيلة تمر من أمام أعيننا لتهبط على الممر الرئيسى فاتحة للمظلة (الفرملية) التى تقلل من سرعتها وتساعدها على التوقف فى أقل مسافة من الممر.. ما هذا؟ نظرنا بعضا إلى بعض، ويهتف الطيارون الواقفون معنا.. لقد تم تنفيذ الضربة الجوية.. لقد بدأت الحرب....