طه حسـين من منظـــور شــخصى

16/11/2016 - 2:52:41

  العميد مكرماً بين كبار أساتذة الجامعات المصرية في الستينات العميد مكرماً بين كبار أساتذة الجامعات المصرية في الستينات

بقلم: د. جابر نصار رئيس جامعة القاهرة

كتب الكثيرون عن طه حسين، وتناول الكثيرون سيرته وأدبه وآراءه، اختلفوا حوله، فى كثير من المرات كان الخلاف حادًا كما تباينت بشأنه الآراء، ونالت بعض كتبه معارك فكرية ومجتمعية كثيرة.


هذا الصخب الذى أحدثه طه حسين فى الفكر والأدب فى السياسة وعلم الاجتماع فى حياته وبعد مماته يؤكد بلا شك أنه كان شخصية فذة عميقة الأثر والتأثير فيمن حوله، بل إن تأثيره كان أيضًا بعد رحيله.


فما زال فكر طه حسين ومعاركه ضد التخلف والجهل والتعصب والتطرف صالحًا للمواجهة وصالحًا لكى يخوض نفس المعارك التى خاضها قبل ذلك.


حيث إنه - وللعجب - مازالت الأمراض التى أصابت المجتمع وقت حياته من تخلف وتطرف وجهل هى هى وربما أصبحت أشد خبثًا وقبحًا، ومن هنا تبدو أهمية دراسة أفكار طه حسين وتدبرها.


ولعل كل ما سبق يتجسد فى كتابه مستقبل الثقافة فى مصر، حيث ناقش مشكلات الثقافة والتعليم والتعلم والتحضر وكأنه يعيش بيننا الآن, وبدا الكتاب الذى كتبه منذ زمن طويل وكأنه يكتب الآن وما زالت الحلول، التى يطرحها صالحة للحظة التى نحياها.


ومن هنا قررت جامعة القاهرة فى سابقة لم تحدث أن تطرح هذا الكتاب مع كتابين آخرين (الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبدالرازق، ولماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم للأمير شكيب أرسلان) على الطلاب فى إطار مسابقة بعنوان (اقرأ، فكر، انقد، اكسب) وقد قدم الطلاب دراسات تحليلية لهذا الكتاب تعطى لنا بصيصا من الأمل فى قدرة شبابنا على تلقى هذه الأفكار التى أحدثت جدلًا شديدًا وقت صدورها أول مرة.


إن أفكار طه حسين ورؤاه الإصلاحية مازالت وستزال مبدعة مؤصلة لمنهج علمى لحل مشكلات الواقع الذى يغرق فيها المصريون والعرب والمسلمون، والتى يأتى فى مقدمتها التطرف والإرهاب والغلو والتشدد ووهن المنظومة والنسق سواء ثقافيًا أو تعليميًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا.


وما من شك فى أن هذه الأفكار العظيمة، التى خلفها طه حسين قد خضعت وتخضع - لعظم تأثيرها - لدراسة المتخصصين، ولما كنت من قرائه العاديين فإن ما أكتبه عنها لا يخرج عن كونه انطباعات وهو ما لا أريد أن أطيل فيه.


وعندما استكتبتنى «المصور» فى ها الملحق فكرت كثيرًا فيما يمكن أن أكتب عن طه حسين، فلست أديبا حتى أتناول أدبه، ولا ناقدًا حتى أتفحص بعض أعماله، وكدت أعتذر ولكن حبى لطه حسين وعشقى لكتبه ورؤاه جعلنى أفكر فى أن أكتب عن رؤية ذاتية للشخص فيها شخصنة وتدبر لقيمة عظيمة ندعو الله أن تتكرر.


بدأت أتحسس سيرة طه حسين الإنسان من كتابه «الأيام»، والذى يروى فيه بصدق شديد قصة حياته كصبى صغير فقد أعز ما يملك الإنسان من حواس وهو البصر، حارب طه الظلام من كل جانب فلم يعد يرى أحدًا أو ينظر خطواته حين يسير، حدث له ذلك فى زمن كان أمثاله يتحولون إلى كم مهمل لا اعتبار لهم ولا قيمة، ولكن هذا الصبى كان يملك عزمًا وإرادة هزمت المستحيل وشقت طريقًا فى صخر الحياة عز على كثير من أقرانه المبصرين.


كان طه حسين طفلًا يعيش فى بؤس الريف وشقائه، يحاط به الجهل والمرض إلا أن هذا الطفل كان من القوة والبأس والإرادة والتصميم، التى مكنته من الانتصار على هذا الواقع الأليم.


عندما تقرأ «الأيام» وتتدبر فصول حياته تدرك كيف كان هذا الصبى قوى الإرادة مصمما على النجاح.


تلك هى الطاقة الإيجابية، التى تنتقل إليك وتقودك إلى النجاح، إن قصة طه حسين بفصولها منظومة كفاح صنعت رجلًا عظيمًا.


وعلى الرغم من بؤس حياته وشقاء طفولته، والفقر الذى عاش فيه، فإن هذا العقل الكبير والحكيم قد عاش لمجتمعه وحمل همومه ودافع عن تقدمه فى وجه التشدد والتطرف والجهل، وخاض معارك ضخمة ضد أجيال من الفكر المتحجر والمتطرف انتصر عليهم، بقى هو بفكره وذهبوا هم إلى مجاهل التاريخ.


اجتهد طه حسين فى رسم الطريق للحداثة والتقدم، واجه مشكلات وصعوبات تهرب من مواجهتها الكثيرون.


إن طه حسين ليس شخصًا عاديًا أو حتى غير عادى، إنه قيمة حقيقية أنارت المجتمع بنور أفكارها وعمق تجربته الإنسانية، جمع فى شخصيته بين أصالة الفكر وسعة الاطلاع، حصل علوم الدين والدنيا فاتسع أفقه وتنوعت ثقافته.


أطلق مجانية التعليم وجعله كالماء والهواء حين كان وزيرًا للمعارف، وتمثلت فيه سمة الأستاذ الجامعى الباحث المدقق، وعرفه العالم ككاتب ومفكر مؤثر له رؤية شديدة الانفتاح.


واجه طه حسين من الكثيرين أفقًا منغلقًا وفكرًا جامدًا فاتهموه فى دينه وتدينه وهو اتهام لا يسوقه إلا ضعاف الحجة وقليلو العلم، لم يستطيعوا أن يبارزوه فكرة بفكرة وعلمًا لعلم فاتهموه - نفس المنهج - تتغير الأشخاص وتتغير الأزمنة وأمراء التطرف والإرهاب، كما هم إذا عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة والفكر بالفكر لجأوا إلى الطعن فى الدين والتدين، ولكن يكفى طه حسين أنهم ذهبوا ولم يذكرهم أحد ومازال التاريخ يذكر طه حسين عملاقًا فى الفكر والأدب والعلم، يذكر عطاءه ورؤيته، التى لا تزال صالحة لحل مشكلات عصر لم يعشه طه حسين، بل نعيشه نحن الآن.


مثلت حياة طه حسين الإنسان لمثلى مثلا وقيمة وطاقة إيجابية تدفع إلى الأمام وتحض على التميز والنجاح، إن حياة طه حسين ومؤلفاته يجب أن تكون حاضرة فى أذهان المصريين وقدوة ومثالا للجد والاجتهاد فى مواجهة نماذج سلبية تحيط بالمجتمع من كل جانب تنشر قيمًا تافهة وتروج للخداع والفهلوة وعدم إتقان العمل.


إن الأمم ترتقى باحترام قيم الاجتهاد والعمل واحترام العقل والتخصص، وتنهار بسيادة الدجل والجهل والتطرف وإن سوقه البعض باسم الدين.


رحم الله طه حسين الإنسان والمفكر والعالم وأجزل له العطاء بقدر ما علم علمًا نافعًا نرجو أن نمسك به لمصلحة هذا الوطن.