وثيقة أدبية عمرها 44 سنة: قـرار النيـابة ضد طه حسـين حـول كتاب «الشـعر الجـاهلى»

16/11/2016 - 2:50:32

  طه حسين في حديقة فيلته «رامتان» يحاور ضيوفه طه حسين في حديقة فيلته «رامتان» يحاور ضيوفه

تحقيق وتعليق: خيرى شلبى

نشر بمجلة الهلال «١٩٧٠»


في سنة ١٩٢٦ أصدر طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي”، وقد أثار هذا الكتاب يوم صدوره ضجة فكرية وسياسية دوت أصداؤها فى أنحاء مصر كلها بل وفى أنحاء الوطن العربى. ووصلت الضجة إلى مجلس النواب، حيث طالب البعض برأس طه حسين، كما أن القضية وصلت إلى مجلس الوزراء فى ذلك الحين، وناقش المجلس هذا الموضوع مناقشة واسعة.. وانتهى الأمر بتقديم طه حسين إلى النيابة.. فماذا كانت التهم الموجهة إلى طه حسين، وما هى حقيقة هذه الضجة الفكرية العنيفة العالية.. ذلك ما تكشفه هذه الوثيقة التى تنشرها “الهلال ” اليوم بأكملها، ففى نشرها ما يلقى الكثير من الضوء الساطع على المعركة الفكرية القديمة، وما يعطى مادة واضحة محددة للباحثين والدارسين، وهو من ناحية أخرى يعطى للأجيال الجديدة عندنا فرصة للتعرف على تاريخنا الفكرى بصورة واضحة، فكل ما وصلنا إليه من تقدم علمى وثقافى وحضارى مدين لتلك المعارك الكبيرة التى خاضها عدد من الرواد والمفكرين وعلى رأسهم طه حسين.


(الهلال)


إنه فى يوم ٣٠ مايو سنة ١٩٢٦م تقدم الشيخ حسنين الطالب بالقسم العالى بالأزهر لسعادة النائب العمومي يتهم فيه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتابا أسماه “في الشعر الجاهلي” ونشره على الجمهور، وفي هذا الكتاب طعن صريح في القرآن العظيم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم.. إلى آخر ما ذكره في بلاغه.


وكان من الممكن أن يحفظ هذا البلاغ ولا يلقى اهتماما مذكورا، لولا أنه: “بتاريخ ٥ يونيه سنة ١٩٢٦م أرسل فضيلة شيخ الجامع الأزهر لسعادة النائب العمومي خطابا يبلغ به تقريرا رفعه علماء الجامع الأزهر عن كتاب ألفه طه حسين المدرس بالجامعة المصرية أسماه “في الشعر الجاهلي” كذب فيه القرآن صراحة ، وطعن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نسبه الشريف وأهاج بذلك ثائرة المتدينين وأتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى ، ويطلب اتخاذ الوسائل القانونية الفعالة الناجعة ضد هذا الطعن على دين الدولة الرسمي، وتقديمه للمحاكمة. وقد أرفق بهذا البلاغ صورة من تقرير أصحاب الفضيلة العلماء الذين أشار إليهم في كتابه..


ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد. فلقد اتسع الموضوع وأصبح مسألة عامة تتواتر بشأنها البلاغات. و “بتاريخ ١٤ سبتمبر سنة ١٩٢٦ تقدم إلينا بلاغ آخر من حضرة “عبد الحميد البنان” عضو مجلس النواب ذكر فيه: أن الأستاذ طه حسين المدرس بالجامعة المصرية نشر ووزع وعرض للبيع في المحافل والمحلات العامة كتابا أسماه “في الشعر الجاهلي” طعن وتعدى فيه على الدين الإسلامي - وهو دين الدولة - بعبارات صريحة واردة في كتابه بينتها في التحقيقات .


وكان على النيابة أن تتحرك، فالمسألة ليست مجرد بلاغ من فرد أو اثنين أو ثلاثة، كما أنها ليست من فرد عادى بل من شخصيات لها حيثيات اجتماعية، والواقع أن المسألة لم تكن سهلة ولا بسيطة، فقد كانت تتحرك على أكثر من مستوى. فرغم أن طه حسين يقدم الأدلة والبراهين ويتبع فى دراسته للشعر الجاهلى أسلوبا علميا منظما إلا أنه في نهاية الأمر يمس شيئا خطيرا للغاية، يمس التراث والمعتقدات الثابتة ويهزها من أساسها، أى أنه يزلزل الأرض تحت الأقدام الآمنة المكتفية من الحياة بموقف الركون إلى الإيمان المطلق بالأشياء وبالمعتقدات الثابتة والموروثات على مختلف أنواعها.


إن الأسلوب الذي يتخذه طه حسين فى بحثه أسلوب أوربي لم يكن سائدا ولا معروفا في مصر وإذا عرف فهو غير مقبول من أساسه، ذلك هو “المنهج الدكارتي”، منهج الشك من أجل الوصول إلى اليقين، ولقد استخدمه المؤلف، فبدأ بالشك فى الأحكام السابقة التى صدرت عن الشعر الجاهلى، ومسح عنها قشرة الزمن وعرضها للضوء، ثم أعاد النظر فيها وفى النصوص نفسها علي مدي من ثقافته العصرية المتجددة والمتطورة.. وانتهي إلي أن الشعر الجاهلى فى حقيقة أمره منتحل، وأن الحياة الدينية والسياسية والعقلية والاقتصادية لا يمكن أن يمثلها الشعر الجاهلى، وأن اللغة الحميرية التي كانت تشيع فى الجنوب، واللغة العدنانية بلهجاتها المتفاوتة التي كانت خالدة فى الشمال، لا يوجد لهما فى الشعر العربي تمثيل صادق، وأن للدين والشعوبية والسياسة واختلاف الرواة دخل كبير في عملية الانتحال تلك.


وقد يكون من المفيد أن نترك طه حسين يفسر لنا منهجه.. أنه يقول في كتابه “في الأدب الجاهلي” الذي هو نفسه كتاب “في الشعر الجاهلي” قبل تعديله: وأريد أن أريح الناس من هذا اللون من التعب، وأن أريح نفسي من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج إلى مناقشة، أريد أن أقول إني سأسلك هذا الجو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما يتناولون من العلم والفلسفة. وأريد إن أصطنع هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هى أن يتجرد الباحث من كل شىء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه إلى الذهن مما قيل خلوا تاما، والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم فى الدين والفلسفة يوم ظهر قد كان من أخصب المناهج وأقواها وأحسن أثرا، وأنه قد جود العلم والفلسفة تجويدا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء فى أدبهم والفنانين فى فنونهم، وأنه هو الطابع الذى يتميز به هذا العصر الحديث، إلى أن يقول: “نعم! يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربى وتاريخه أن ننسى عواطفنا القومية وكل مشخصاتها، وأن ننسى عواطفنا الدينية وكل ما يتصل بها، وأن ننسىء ما يضاد هذه العواطف القومية والدينية، يجب ألا نتقيد بشىء ولا نذعن لشىء إلا مناهج البحث العلمى الصحيح، ذلك أننا لم ننس هذه العواطف وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائمها وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شىء غير هذا؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد، لأن المتعصبين للعرب غلوا فى تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم، ولأن المتعصبين على العرب غلوا فى تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضا، المسألة إذن - كما يراها مقدمو البلاغات - ليست مسألة الشعر الجاهلى فى حد ذاته، إنما هى يمكن أن تكون قضية التراث الفكرى والوجدانى والديني، فما دام ثمة من يجترئ على الغيبات ويشكك فيها ويزعزع كل القيم الثابتة بحجة الوصول إلى اليقين.


وعلى هذا قامت القيامة.. واتسعت رقعة الموقف وانشغل الجميع بالرد على طه حسين، وقد بلغ من خطورة الأمر أن رد عليه البعض ليس بالمقالات بل بكتب كبيرة ومحاضرات، منها محاضرات “الشيخ محمد الخضرى”، وكتاب “الشهاب الراصد” لمحمد لطفى جمعة، وكتاب “نقد كتاب فى الشعر الجاهلى” لمحمد فريد وجدى، وكتاب “نقض كتاب فى الشعر الجاهلى” لمحمد الخضر حسين، وكانت كل هذه الردود تتسم بشىء من الحماس المرتفع النبرة الذى شرد بهم بعيداً عن المناقشة الموضوعية إلى مناقشة مبدأ تطبيق المنهج الديكارتى، وانطلاقا من رفضهم لهذا المنهج راحوا يراجعون طه حسين فى آرائه وافتراضاته وأحكامه وأدلته وبراهينه.


ثم انتقلت القضية إلى النيابة العامة، و.. “اتضح من أقوال المبلغين أنهم ينسبون للمؤلف أنه طعن على الدين الإسلامى فى مواضع أربعة من كتابه”:


الأول: أن المؤلف أهان الدين الإسلامي بتكذيب القرآن الكريم في أخباره عن إبراهيم وإسماعيل حيث ذكر في ص ٢٦ من كتابه “ للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا . ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثت بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية والقرآن من جهة أخرى” إلى آخر ما جاء في هذا الصدد .


الثاني : ما تعرض له المؤلف في شأن القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعا وأنه في كلامه عنها يزعم عدم إنزالها من عند الله ، وأن هذه القراءات إنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوحى الله بها إلى نبيه مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .


الثالث : ينسبون للمؤلف أنه طعن في كتابه على النبي صلى الله عليه وسلم طعنا فاحشا من حيث نسبه فقال في ص ٧٢ من كتابه : “ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه فى قريش ، فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون من صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي وأن يكون قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية كلها” . وقالوا إن تعدي المؤلف بالتعريض بنسب النبي صلى الله عليه وسلم والتحقير من قدره تعدّ على الدين وجرم عظيم يسيء إلى المسلمين والإسلام فهو قد اجترأ على أمر لم يسبقه إليه كافر ولا مشرك .


الرابع : أن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم إذ يقول في ص٨٠ : “أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل” .. إلى أن يقول في ص٨١ : “وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت عنه إلى عبادة الأوثان” .. إلى آخر ما ذكره في هذا الموضوع .


كان هذا هو موضوع الشكوى وأولى حيثيات المحاكمة القانونية التى يتعرض لها - وربما لأول مرة - أحد مفكرى العالم العربى وواحد من رواد نهضتنا الثقافية، والواقع أن أزمة الشعر الجاهلى لم تكن هى الأولى فى حياة طه حسين، فقد سبقتها أزمة كتاب “تجديد ذكرى أبى العلاء”. وقد بدأت تلك الأزمة حينما تقدم أحد أعضاء الجمعية التشريعية بطعن فى هذا الكتاب يتهم فيه طه حسين بالإلحاد، ويطالب بحرمانه من حقوق الجامعيين، وبسحب شهاداته وإجازاته الدراسية، بالرغم من أن ذلك الكتاب أجازه للدكتوراه ثلاثة من أئمة علماء الأزهر الشريف، لكن تلك الفتنة وئدت فى مهدها.


غير واضح من الأصل


ويقول الدكتور هيكل- فى بعض مقالاته - أن الدكتور طه حسين أخذ جانب الحرب وفصلها عن الحضارة رغبة منه فى إثارة الجدل وحده ليخلق فى الأدب العربى الحديث من الجدل.. ويقول هيكل أيضاً أن طه حسين دعاه لذلك. وإلى جانب هذه المعركة الشهيرة مازال التاريخ يذكر معركته مع “جورجى زيدان” حول كتاب الأخير “تاريخ آداب اللغة العربية”، ومعركته مع كتاب “النظرات” للمنفلوطى.


ولأن معارك طه حسين كانت دائما حادة وعنيفة كالأعصار لا تقبل فى قولة الحق لومة لائم أو ترعى قداسة أستاذ، لذلك فردود الفعل كانت هى الأخرى تجىء بنفس الحدة تقريبا، والطريف أنه فى خلال معاركه تلك تعرض كثيرا لردود عصبية بغيضة لم تكن تجد غير المطالبة بحرمانه من الحقوق الجامعية. فهو مثلا حينما عاد من فرنسا أثناء أزمة العودة التى تعرض لها فى بداية سفره لاسباب مالية، كان مدى ما درسه فى جامعة “مونبليه” يرسم فى ذهنه صورة مثالية لشموخ الدراسات فى الجامعات كما يجب أن تكون. وفى يوم عودته حضر درسا لاستاذه “الشيخ محمد المهدى” فى الجامعة المصرية حول “تاريخ الأدب العربى الأندلسى” وصفه طه حسين بأنه كان - الدرس- يشبه معرضا للصور المتحركة تمر فيه ظلال الشعراء فلا يعرف الطلبة منها أكثر من أسماء الشعراء فقط. فاستفزه هذا الدرس فكتب مقالا نشره فى مجلة السفور فى عدد ٣٠ نوفمبر ١٩١٥ هاجم فيه أسلوب المهدى فى التدريس وقارنه بالأسلوب الواجب اتباعه وحمل فيه على أسلوب التدريس فى الجامعة بوجه عام وتساءل عن جدواه وقال : “لا ألوم الجامعة فإنها لم تأل جهدا فى حسن الاختيار ، ولا ألوم الاستاذ فإنه قد بذل ما يملك وجاد بما يستطيع أن يجود به، ولكنى أرثى لصاحبى ضيف - يقصد صديقه وزميله أحمد ضيف الذى منعته شواغله من حضور هذا الدرس - لأنه حرم نفسه لذلة الاستماع لهذا الدرس الجميل وحرم معها هذا الألم يشعر به من سمع العلم فى جامعات فرنسان، ثم فى جامعة مصر وقارنه بين الاساتذة والطلاب هنا وهناك.


وكانت أزمة خطيرة شغلت الصحف والمجلات فترة طويلة، واعتبر الشيخ المهدى رأى - طه حسين “جرما شنيعا”. وبناء عليه طلب من مجلس إدارة الجامعة أن تقسو فى توقيع العقاب على طه حسين وأن تشطب اسمه من خريجيها الذين يدرسون فى فرنسا على نفقتها .. لكن المسألة سويت على نحو ما .


•••


نعود الآن لتحقيق النيابة العامة فى أزمة، أو قضية الشعر الجاهلى. لقد بدأ التحقيق بالفعل بتاريخ ١٩ اكتوبر سنة ١٩٢٦ “فأخذنا أقوال المبلغين جملة بالكيفية المذكورة بمحضر التحقيق ثم استجوبنا المؤلف وبعد ذلك أخذنا فى دراسة الموضوع بقدر ما سمحت لنا الحالة”. وأنه لشىء مثير المفضول حقا أن تجلس شخصية كالدكتور طه حسين أمام رئيس النيابة لاستجوابه فى اتهامات منسوبة إليه. والغريب - أو لعله ليس من الغريب - أنها اتهامات فكرية خالصة!


ويهمنا بالدرجة الأولى أن نتعرف على “كيفية” التناول القضائى لهذه القضية الفكرية الفريدة. أما نتيجتها فقد تحولت إلى تاريخ متداول. ولعل الدافع الذى يثير فضولنا إلى ذلك هو أننا - ربما لأول مرة أيضا- نرى النيابة العامة، فى مصر على الأقل، تتدخل لتحقق فى قضية فكرية بحتة. وإذا كانت الاتهامات الموجهة إلى المتهم ها هنا اتهامات فكرية فهل يا ترى توفر خلفها قصد جنائى؟ . إننا أمام مفكر آثر أن يتخلص من بعض الأسوار العقائدية المتوارثة التى تكبل حرية الفكر فى موضوع بعينه، وذلك فى سبيل أن يصل إلى حقائق أكثر نصاعة. أنه بحكم القانون الطبيعى للفكر - وبشرعيته- لا يعتبر مارقا بقدر ما يعتبر باحثا عن الأكثر موضوعية وشمولية. بتعبير آخر نحن أمام مفكر لم يكفر بقيمهالدينية ولم يحاول هدم تراثه الوجدانى فهو يعلم تمام العلم كم هى ثابتة الاركان، ثم إنه - باحترام شديد لها - يعمل على تأكيدها، وذلك عن طريق إثارة كل النقط التى يمكن أن تكون منافذ لهدمها، فكأنه يتقمص دور المستنكر المتشكك حتى يقوده برزخ الشك إلى واحة اليقين. ثم إن موقفه ذاك فى حقيقة الأمر جزء من حركة كاملة. ولكن قبل أن تتحرك النيابة بكامل هيئاتها للتحقيق فى هذه القضية “العصرية” الخطيرة لابد أن تتحرك أذهاننا بأسرع مما تحرك به واجب النيابة العامة فى شخص “محمد نور” رئيس نيابة مصر فى ذاك الوقت والذى كشف قراره عن امكانيات نقدية هائلة مازلت كلما أمعنت النظر فيها تعجبت وتساءلت كيف أن هذا النائب لم يكن ناقدا أدبيا مشهورا فى عصره. ولابد أنهم فى ذلك الوقت كانوا يقفون أمام أنفسهم باحترام شديد وتبعا لذلك لم يكن أى مثقف يعتبر نفسه بالضرورة ناقدا مثلما يحدث كثيرا فى هذه الأيام. ولابد أيضاً أن “محمد نور” أدرك مدى أهمية القضية التى عليه أن يصدر فيها قرارا نهائيا أو شبه نهائى، فاستجمع كل طاقاته فكشف عن امكانياته النقدية التى نلمسها فى قراره الذكى رغم أننا قد نختلف معه فى بعض ما جاء من وجهات نظر. كان يعرف أن القضية التى بين يديه ليست هينة وإنما هى حدث جلل اهتزت له البلد من أقصاها إلى أقصاها وتصدت لاثارتها هيئات سياسية خطيرة وعلى مستوى شعبى واسع النطاق. وهى قضية ذات ابعاد ثلاثة: أدبى واجتماعى وسياسى.


أما كونها قضية أدبية فهى بلا شك - كمن أثارها تماما - رائدة هى الاخرى. فمما لا شك فيه أن الخطوات الرائدة عادة ما تكتسب الريادة ليس فقط فيما تحققه من نتائج بل فيما تثيره أيضاً من هزات واضطرابات وردود أفعال قد تجىء عكسية فى بعض الأحيان، ومما لا شك فيه كذلك أن جيل الرواد أثناء زحفه الحضارى .


يحقق كثيرا من النتائج العظيمة فى كل المجالات.. والقضية التى نحن بصددها الآن تقدم لنا الدليل القاطع على وجود أشعاع ثقافى حضارى بمصر فى تلك الفترة من ذلك الزمان. كان جيل الرواد الذى يقف على رأسه طه حسين يمثل قمة التمرد على كل الأشياء “المقيمة” والقوانين والقوالب الثابتة فى الفن والحياة على السواء، وكانت ثورة تكتسح فى طريقها كل الخزعبلات البالية وتدفع ركام التقاليد، ذلك الركام المتخلف عن هدم كثير من الأبنية التى سقط بعضها تحت ثقل الزمن فى حين كان البعض الآخر آيلا، أو قابلا للسقوط أو يجب أن يسقط سقوطا ذريعا. ثم، بالركان المتخلف، أخذ جيل الرواد يردم كثيرا من البرك والمستنقعات. حقيقة أن جيل الرواد كان طفرة حضارية منقطعة النظير كانت بدورها كأسلحة المحاريث تغوص فى الأرض فتشقها وتقلبها معرضة إياها للشمس لكى تضع فى جوفها بذورا جديدة كان من المؤكد أنها تصلح للنماء فى هذه الأرض. أما المناخ الصالح فقد كان على جيل الرواد أن يوجده أيضا. ولا ينكر التاريخ أنه قد هيأه بالفعل.. بدليل أننا الآن نحس بامتداد جذورنا إلى باطن الأرض التى يتمدد ويتفرع فى أحشائها طه حسين والعقاد والمازنى وشكرى وغيرهم. وإذا كانت هذه المعركة قد جرت على طه حسين كثيرا من المشاكل ووجهت نحو صدره رأس السهم، وإذا كانت قد وئدت لسبب أو لآخر ، إلا أنها على الرغم من ذلك كانت تمثل شموخ التطلعات الثقافية فى أدبنا الحديث.


وأما كونها قضية اجتماعية فهى قد التبست فى أذهان البعض ممن هم فى مركز الصدارة من المجتمع فجعلوها قضية عامة تهم الجميع لدرجة أنها تصل إلى مجلس النواب وتتدخل فيها هيئات سياسية ودينية على مستوى رسمى. والواقع أن جوهر الالتباس هذا هو الوجه السياسى للقضية بكل سماته. أن الوجه الاجتماعى للقضية يستند إلى أن ثمة من اجترأ على أهم عامود يستند عليه الإنسان ألا وهو عقيدة الإيمان فى ذاتها، ولعلنا لاحظنا أن منطوق الدعوى فى مجموع البلاغات التى وردت إلى النيابة يتلخص فى أن مؤلف كتاب “فى الشعر الجاهلى” قد ارتكب الخطيئة فطعن على الإسلام ونبيه وعبث بشرف الله عبثا لا يغتفر. لكن، يبدو أن اتهام العلم بالكفر له تراث عريق فى تاريخ الإنسانية كلها وخاصة فى بلاد كانت بالكاد تفتح بصيرتها على مكتشفات العلم الحديث وتفتح أيضاً بعض فمها دهشة وذهولاً من هذه الخوارق التى يحققها الإنسان على الأرض بجبروت مخيف يصل أحيانا إلى إقناع البعض بأنها من علامات الساعة!، وتاريخ العلماء الذين اتهموا بالكفر والزندقة وتعرضوا للصلب تاريخ حافل بالعظات والعبر ويرينا إلى أى مدى نحن محتاجون إلى معارك مثل التى قامت لها هيئات شعبية، وإلى رجال مثل الذين ارتادوها بشجاعة وإيمان وصدق.


.. والمتتبع لدراسات طه حسين يجد أن طريقته العلمية الجديدة بجرأتها فى الكشف عن الأسرار وبقدرتها على التمحيص والتدقيق فى البحث، يرى أن ثمة حملة شعواء كانت ترتفع فى مواجهتها من المتمسكين بالقديم الذين يمكن اعتبارهم متخلفين فى مجال الدراسات. هم يمثلون نوعا من عبادة القديم وتقديسه تقديسا مطلقا وساذجا أيضاً. فالأسلوب القديم يعنى بقاءهم، لأنهم يعيشون على سطحه كما تعيش الطحالب فوق سطح الماء لا يعنيها أن تعرف ما كنه الماء ولا من أى أصل هو، كما لا يعنيهم أن يعرفوا ما سر حاجة الأرض إلى الماء أو ما هى علاقة الماء بالإنسان..


إنما يعنيهم فقط أن يبقى سطح الماء راكدا ثابتا جامدا كأرض يقفون عليها. وهم يتهمونه بالكفر والإلحاد لأنه أتى بما لم يأت به الأوائل فى هذا الميدان. وإذا بحثنا فى الردود التى دافع بها أنصار القديم عن أساليبهم الجامدة وجدناها هى الأخرى جامدة بمعنى إنها لا تساير ركب التطور ولا تستند إلى حقائق موضوعية ولا تقدم أى نوع من الأدلة المقنعة.. أنها فى معظمها ردود ذاتية ولذلك فهى لا تجد سوى سلاح واحد هو أن تتهمه بالكفر والإلحاد! . لكن البقاء دائما يكتب للعناصر الجديرة بالبقاء. وطه حسين لو لم يكن تعرض لمثل هذه المعارك لما استطاع أن يترك لنا شيئاً ذا بال. لقد كان يضع فى اعتباره عدم خلو السوق الأدبية من مثل أولئك الذين يرون فيه بدعة، ويرون أن كل بدعة ضلالة. وكل ضلالة فى النار.


فى دراسة “تجديد ذكرى أبى العلاء” لم يأبه طه حسين بحملات المهاجمين، ولم يهتم بغير الدراسة والتجويد بالأسلوب الذى يرى أنه الأنفع والأنسب والأفضل. ولم يكن من المعقول مثلا أن يدرس شخصية أدبية كبيرة مثل شخصية “أبى العلاء” دراسة مجردة تبحث فى فنه البلاغى واللغوى مثلما درجت عادة القدماء وأذيالهم.. دون أن يتعرض لبيئته ولعصره ولكل المؤثرات السياسية والاجتماعية التى انطبعت على فلسفته وأدبه.. والجامعة المصرية حينما قررت إيفاده فى بعثة دراسية إلى فرنسا لم تتخذ قرارها عبثا، إنما اتخذته بناء على أن أمامها دراسة تعتبر فى ذاتها أثرا أدبيا له قيمته وأهميته التاريخية، وله أيضاً مستواه الفريد فى اتساع ثقافة المؤلف وفهمه للنصوص واتقانه لتحليلها.


والمؤكد فعلا أن هذه التفاصيل فى مجموعها تكون ملامح الوجه السياسى لقضية ما سمى بأزمة الشعر الجاهلى. فالمعروف أن طه حسين كان هو المحرر الأدبى لجريدة السياسة الناطقة بلسان حزب الأحرار الدستوريين. والمعروف أيضاً أن حزب الأحرار الدستوريين كان حزبا رجعيا يضم مجموعة هائلة من الإقطاعيين أو بمعنى أصح يضم عناصر لا تمثل الشعب المصرى فى ذاك الوقت.. بعكس الحزب الوطنى مثلا.. ولكن انتماء طه حسين لحزب الأحرار الدستوريين كان يوضح حقيقة لا يمكن إنكارها، تلك هى أن هذا الحزب رغم ما فيه من عناصر غير تقدمية إلا أنه كان يضم نخبة ممتازة من المثقفين، وكان على عكس ما يتصور البعض يهيئ مناخا صالحا لنمو الكثير مما يعبر عن حرية الفكر، وعلى رأس هذه العناصر كان “لطفى السيد” وقد ينبع سؤال: لماذا لم يكن طه حسين واحدا من رجال الحزب الوطنى إذا كان حقا مؤمنا بالشعب وبقضاياه؟ . وهنا يمكن أن تتضح حقيقة قد تفضح بعض ما كان موجودا فى حياتنا السياسية من تناقضات فى تلك الفترة.


لقد كان الحزب الوطنى يؤمن بمبادئ الدولة الدينية وكانت سياسته تقبل الارتباط بتركيا حيث نظام الخلافة العثمانية الذى كان الحزب الوطنى يرى أنه استمرار للخلافة الإسلامية. وفى هذا الصدد يقول “رجاء النقاش”: إن سياسة الحزب الوطنى كانت جامدة وتقليدية ومحافظة. أما طه حسين فمفكر متحرر ومنفتح يغلب العقل على العاطقة ويؤمن أن تحرير بلده لن يتم إلا بتحرير الفكر أولا من القيود الثابتة. وهذا ما جعل طه حسين يفضل الارتباط بحزب الأحرار الدستوريين رغم اشتهار الحزب بأنه يحفل بأصحاب المصالح التى يهمها أن تهادن الإنجليز، لكن ارتباط طه حسين بهذا الحزب كان ارتباطا فكريا بالدرجة الأولى عن طريق علاقته بلطفى السيد الذى كان نافذة مفتوحة على الحضارة الغربية وكان يؤمن أيضاً بالمنهج العقلى. كان طه حسين يبحث عن بيئة ثقافية تستطيع أفكاره أن تنمو داخلها، ولم تكن تتوفر هذه البيئة إلا فى حزب الأحرار الدستوريين. وكانت هذه البيئة بالفعل تتيح لأفكار طه حسين الثورية المتحررة فرصة للانطلاق دون أى معوقات، وهى فرصة لم تكن تتوفر له لو أنه انضم إلى حزب الوفد الذى يضم أغلبية شعبية كلها محافظة ولم يكن من المتوقع أن تسمح لطه حسين بانطلاقاته الفكرية المتطرفة فى نظرها.


والزوبعة التى أثارها كتاب “فى الشعر الجاهلى” امتدت إلى مجلس النواب الذى كانت أغلبيته وفدية. وبالفعل وقف البرلمان ضد طه حسين بقيادة “سعد زغلول” وتقدم النائب الوفدى عبد الحميد البنان ببلاغ إلى النيابة العامة.. فما هو موقف القانون الجنائى من طه حسين ؟..


يقول رئيس النيابة: “ومن حيث إن العبارات التى يقول المبلغون إن فيها طعنا على الدين الإسلامى إنما جاءت فى كتاب فى سياق كلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذى ألف من أجله، فلأجل الفصل فى هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها والنظر إليها منفصلة وإنما الواجب توصلا إلى تقديرها تقديرا صحيحا بحثها حيث هى فى موضعها من الكتاب ومناقشتها فى السياق الذى وردت فيه وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسئوليته تقديراً صحيحا.” . ويتقمص شخصية الناقد فيترك المجال الجنائى ويروح يبحث عن كثير من الحيثيات فى المجال الأدبى فى إطار قضيته. لقد أراد أن يحقق فى بحث الدكتور طه حسين.


بأسلوب البحث أيضا، فنراه يجمع ويرتب المصادر ويقرأ ويعيد فى بحث الدكتور طه، ويفند نقط الهجوم ويقارنها بأصولها فى المراجع السابقة، ويجرى حوارا بين التاريخ وبين آراء الدكتور طه، فكانت النتيجة أنه لم يكتب مذكرة قانونية تفسيرية فقط ليصدر حكمه عليها، وإنما كتب بحثا نقديا ممتازا من وجهة نظر قانونية.


ويقول النائب الناقد عن نقطة الاتهام الأول بعد بحثها وعرضها وتدعيمها بكثير من الفقرات من كثير من المراجع: (ونحن لا نفهم كيف أباح المؤلف لنفسه أن يخلط بين الدين وبين العلم وهو القائل بأن الدين يجب أن يكون بمعزل عن هذا النوع من البحث الذى هو بطبيعته قابل للتغيير والنقص والشك والإنكار - ص ٣من محضر التحقيق- وإننا حين نفصل بين العلم والدين نضع الكتب السماوية موضع التقديس ونعصمها من إنكار المنكرين وطعن الطاعنين -ص٢٤ من محضر التحقيق- ولا ندرى لم يفعل غير ما يقول فى هذا الموضوع لقد سئل فى التحقيق عن هذا فقال: إن الداعى أنى أناقش طائفة من العلماء والأدباء والقدماء والمحدثين وكلهم يقررون أن العرب المستعربة قد أخذوا لغتهم عن العرب العاربة بواسطة أبيهم اسماعيل بعد أن هاجر وهم جميعا يستدلون على آرائهم بنصوص من القرآن ومن الحديث فليس لى بد من أقول لهم إن هذه النصوص لا تلزمنى من الوجهة العلمية.


وعن نقطة الاتهام الثانى يقول بعد تحليلها: ونحن نرى أن ما ذكره المؤلف فى هذه المسألة هو بحث علمى لا تعارض بينه وبين الدين ولا أعتراض لنا عليه، أما عن الاتهام الثالث فيخلص إلى هذه النتيجة: ونحن لا نرى اعتراضا على بحثه على هذا النحو من حيث هو دائماً كل ما نلاحظة عليه أنه تكلم فيما يختص بأسرة النبى صلى الله عليه وسلم ونسبه فى قريش بعبارات خالية من كل احترام بل بشكل تهكمى غير لائق، ولا يوجد فى بحثه ما يدعوه لإيراد هذه العبارة على هذا النحو.وتبقى بعد ذلك نقطة الاتهام الرابع والنائب من خلال عرضه لها يستشهد بكتاب المؤلف وبمراجعه هو الخاصة، ثم يضيف هذا الرأى: (ونحن لا نرى اعتراضا على أن يكون مراده بما كتب فى هذه المسألة هو ما ذكره ولكننا نرى أنه كان سيىء التعبير جدا فى بعض عباراته كفوله: ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام فى خلاصته إلى دين إبراهيم هذا الذى هو أقدم من دين اليهود والنصارى كقوله: وشاعت فى أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب فى عصر من العصور لأن فى إيراد عباراته على هذا النحو ما يشعر بأنه يقصد شيئا آخر بجانب هذا المراد خصوصا إذا قربنا بين هذه العبارات وبين ما سبق له أن ذكره بشأن تشككه فى وجود إبراهيم وما يتعلق به) وبهذا ينتهى النائب من عرض وجهة نظره الأدبية، النقدية ثم يستطلع بعد ذلك رأى القانون.


و(عن القانون) عنوان كبير يورده النائب فى ذيل البحث ويورد المادة ١٢من الأمر الملكى رقم ٤٢لسنة ٢٣ التى نصت بوضع نظام دستورى للدولة المصرية على أن حرية الرأى مكفولة ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك فى حدود القانون ثم المادة ١٤٩


وحتى هذه الفقرة لا تسلم من نقد النائب الناقد الذى يضاهيها بأقوال طه حسين هنا وهناك ويكتشف وجود بعض التناقضات فى آرائه الى أن يقول: نحن فى موضع البحث عن حقيقة نية المؤلف، فسواء لدينا إن صحت نظرية تجربة شخصيتين عالمة ومتدينة أو لم تصح فإننا على الغرضين نرى أنه كتب ما كتب عن اعتقاد تام ولما قرأنا ما كتبه بامعان وجدناه منساقا فى كتابته بعامل قوى متسلط على نفسه وقد بينا حين بحثنا الوقائع كيف قاده بحثه إلى ما كتب وهو وإن كان قد أخطأ فيما كتب إلا أن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شىء وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدى شىء آخر.


ولعل من الغريب حقا أن النائب يتعاطف -وبحكم ميوله النقدية ربما- مع منهج البحث فيقول أن للمؤلف فضلا لا ينكر فى سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين ولكنه لشدة تأثير نفسه مما أخذ عنهم تورط فى بحثه حتى تخيل حقا ما ليس بحق أو ما لا يزال فى حاجة إلى إثبات أنه حق ويضيف أن المؤلف أى طه حسين (قد سلك طريقا مظلما فكان يجب أن يسير على مهل وأن يحتاط فى سيره حتى لا يضل ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة).


وبعد فها هو قرار النيابة فى أهم قضية أدبية ثارت فى بداية نهضتنا الثقافية وكان لها دوىهائل فى كل الاوساط، اضعه كاملا وبكل حذافيره بين يدى القارئ لا بهدف اثارة القضية من جديد ولكن بهدف ابراز ما لمثل هذه القضية من دلالات واضحة، ابرزها أن حرية الفكر تؤدى إلى نتائج عظيمة وتثرى الحياة بكل المضامين.


ويهمنا أن نؤكد بأن أهم ما اسفرت عنه معركة الشعر الجاهلى هو انتصار الاسلوب العلمى وسيادته فى الدراسات الادبية عموما وسيادة مبدأ عدم التسليم بالحقائق الثابتة على علاتها، فكل شىء يجب أن يخضع لاعادة التقييم انطلاقا من نقطة الشك فى صدق الاحكام السابقة أو حتى فى وجود الشىء ذاته ساد مبدأ الانفتاح على الحياة والحرية فى التفكير، وعدم خضوع الباحث لغير روح التحليل ومنهج البحث ومهما يكن من أمر فإن هذه الخطوة الرائدة فى مجال الدراسات قد خلقت الآن هذه الحركة العريضة من الدراسات الادبية العلمية وربما كان طه حسين -بحق- هو امام الدراسات الادبية التى تقول شيئا آخر غير التفسير اللغوى والبلاغى للنصوص.


نحن محمد نور رئيس نيابة مصر


من حيث أنه بتاريخ ٣٠مايو سنة ١٩٢٦ تقدم بلاغ من الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالى بالأزهر لسعادة النائب العمومى يتهم فيه الدكتور طه حسين الاستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتابا أسماه (فى الشعر الجاهلى) ونشره على الجمهور وفى هذا الكتاب طعن صريح فى القرآن العظيم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوى الكريم الى آخر ما ذكره فى بلاغه.


وبتاريخ ٥يونيه سنة ١٩٢٦ أرسل فضيلة شيخ الجامع الازهر لسعادة النائب العمومى خطابا يبلغ به تقريرا رفعه علماء الجامع الازهر عن كتاب الفه طه حسين المدرس بالجامعة المصرية اسماه (فى الشعر الجاهلى) كذب فيه القرآن صراحة وطعن فيه على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى نسبه الشريف وأهاج بذلك ثائرة المتدينين وأتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى، وطلب اتخاذ الوسائل القانونية الفعالة الناجعة ضد هذا الطعن على دين الدولة الرسمى وتقديمه للمحاكمة وقد أرفق بهذا البلاغ صورة من تقرير أصحاب الفضيلة العلماء الذين أشار إليهم فى كتابه وبتاريخ ١٤سبتمبر سنة ١٩٢١ تقدم الينا بلاغ آخر من حضرة (عبدالحميد البنان) افندى عضو مجلس النواب ذكر فيه أن الاستاذ طه حسين المدرس بالجامعة المصرية نشر ووزع وعرض للبيع فى المحافل والمحلات العمومية كتابا أسماه (فى الشعر الجاهلى) طعن وتعدى فيه على الدين الاسلامى- وهو دين الدولة- بعبارات صريحة واردة فى كتابه سنبينه فى التحقيقات.


وحيث انه نظرا لتغيب الدكتور طه حسين صدخارج القطر المصرى قد ارجأنا التحقيق إلى ما بعد عودته فلما عاد بدأنا التحقيق بتاريخ ١٩أكتوبر سنة ١٩٢٦ فأخذنا أقوال المبلغين جملة بالكيفية المذكورة بمحضر التحقيق ثم استجوبنا المؤلف وبعد ذلك اخذنا فى دراسة الموضوع بقدر ما سمحت لمنا الحالة.


وحيث قد اتضح من اقوال المبلغين أنهم ينسبون للمؤلف انه طعن على الدين الاسلامى فى مواضع اربعة من كتابه:


الاول: أن المؤلف أهان الدين الاسلامى بتكذيب القرآن فى أخباره عن ابراهيم واسماعيل حيث ذكر فى ص٢٦ من كتابه (للتوراة أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لاثبات وجودهما التاريخى فضلا عن اثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة اسماعيل ابن ابراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الاسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى إلى آخر ما جاء فى هذا الصدد).


الثانى: ما تعرض له المؤلف فى شأن القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعا وأنه فى كلامه عنها يزعم عدم انزالها من عند الله وأن هذه القراءات انما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوحى الله بها إلى نبيه مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبى صلى الله عليه وسلم.


الثالث: ينسبون للمؤلف أنه طعن فى كتابه على النبى صلى الله عليه وسلم طعنا فاحشا من حيث نسبه فقال فى ص ٧٢ من كتابه: (ونوع آخر من تأثير الدين فى انتحال الشعر واضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبى من ناحية اسرته ونسبه إلى قريش فلامر ما اقتنع الناس بأن النبى يجب أن يكون صفوة بنى هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بنى عبد مناف وأن يكون بنو عبدمناف صفوة بنى قصى وأن تكون قصى صفوة قريش وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الانسانية كلها) وقالوا أن تعدى المؤلف بالتعريض بنسب النبى صلى الله عليه وسلم والتحقير من قدره تعد على الدين وجرم عظيم يسىء المسلمين والاسلام فهو قد اجترأ على أمر اذ لم يسبقه إليه كافر ولا مشرك .


الرابع: أن الاستاذ المؤلف أنكر أن للاسلام أولية فى بلاد العرب وأنه دين ابراهيم اذ يقول فى ص ٨٠:(أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للاسلام أولية فى بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبى وأن خلاصة الدين الاسلامى وصفوته هى خلاصة الدين الحق الذى أوحاه الله إلى الانبياء من قبل) الى أن قال فى ص ٨١: (وشاعت فى العرب أثناء ظهور الاسلام وبعده فكرة أن الاسلام يجدد دين ابراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين ابراهيم هذا قد كان دين العرب فى عصر من العصور ثم اعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان) .. إلى آخر ما ذكره فى هذا الموضوع.


ومن حيث أن العبارات التي يقول المبلغون إن فيها طعنا على الدين الإسلامي إنما جاءت في كتاب في سياق الكلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذي ألف من أجله ، فلأجل الفصل في هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها والنظر إليها منفصلة، وإنما الواجب توصلا إلى تقديرها تقديرا صحيحا بحثها حيث هي في موضعها من الكتاب ومناقشتها في السياق الذي وردت فيه وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسئوليته تقديراً صحيحاً .


عن الأمر الأول


من حيث إنه أهم ما يلفت النظر ويستحق البحث في كتاب “في الشعر الجاهلي” من حيث علاقته بموضوع هذه الشكوى ، إنما هو ما تناوله المؤلف بالبحث في الفصل الرابع تحت عنوان “الشعر الجاهلي واللغة” من ص٢٤ إلى ص٣٠ .


ومن حيث إن المؤلف بعد أن تكلم في الفصل الثالث من كتابه على أن الشعر المقال بأنه جاهلي لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين وأراد في الفصل الرابع أن يقدم أبلغ ما لديه من الأدلة على عدم التسليم بصحة الكثرة المطلقة من الشعر فقال إن هذا الشعر بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه .


وحيث إن المؤلف أراد أن يدلل على صحة هذه النظرية فرأى بحق من الواجب عليه أن يبدأ بتعرف اللغة الجاهلية فقال: “ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه” . وقد أخذ في بحث هذا الأمر فقال إن الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه ، هو أن العرب ينقسمون إلى قسمين؛ قحطانية منازلهم الأولى في اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز ، وهم متفقون على أن القحاطنة عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية اكتسبوا العربية اكتسابا ، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم ، وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية خلاصته أن أول من تكلم العربية ونسى لغة أبيه هو إسماعيل بن إبراهيم . وبعد أن فرغ من تقرير ما اتفق عليه الرواة في هذه النقطة قال : إن الرواة يتفقون أيضا على شيء آخر ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير وبين لغة عدنان مستندا على ما روي عن أبي عمرو بن العلاء من أنه كان يقول: “ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا” وعلى أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد وأشار إلى وجود نقوش ونصوص تثبت هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف ، بعد ذلك حاول المؤلف حل هذه المسألة بسؤال إنكاري فقال : إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من العرب العاربة فكيف بعد ما بين اللغتين لغة العرب العاربة ولغة العرب المستعربة ، ثم قال إنه واضح جدا لمن له إلمام بالبحث التاريخي عامة ويدرس الأقاصيص والأساطير خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية .


ثم قال بعد ذلك: “ للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها” . وظاهر من إيراد المؤلف هذه العبارة أن يعطي دليله شيئا من القوة بطريقة التشكك في وجود إبراهيم وإسماعيل التاريخي وهو يرمي بهذا القول إنه ما دام إسماعيل وهو الأصل في نظرية العرب العاربة والعرب المستعربة مشكوكا في وجوده التاريخي فمن باب أولى ما ترتب على وجوده مما يرويه الرواة . أراد المؤلف أن يوهم بأن لرأيه أساسا فقال : “ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى”. ثم أخذ يبسط الأسباب التي يظن أنها تبرر هذه الحيلة إلى أن قال : “أمر هذه القصة إذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام بسبب ديني وسياسي أيضا ، وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى ، وإذن فنستطيع أن نقول أن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة ، وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كل ذلك أحاديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه ... وهنا يجب أن نلاحظ على الدكتور المؤلف الكتاب :


(١) أنه خرج من بحثه هذا عاجزا كل العجز عن أن يصل إلى غرضه الذي عقد هذا الفصل من أجله ، وبيان ذلك أنه وضع فى أول الفصل سؤالا وحاول الإجابة عليه ، وجواب هذا السؤال في الواقع هو الأساس الذي يجب أن يرتكز عليه في التدليل على صحة رأيه ، هو يريد أن يدلل على أن الشعر الجاهلي بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه ، وبديهي أنه للوصول إلى هذا الغرض يتعين على الباحث تحضير ثلاثة أمور :


١- الشعر الذي يريد أن يبرهن على أنه منسوب بغير حق للجاهلية .


٢- الوقت الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه .


٣- اللغة التي كانت موجودة فعلا في الوقت المذكور .


وبعد أن تتهيأ له هذه المواد يجري عملية المقارنة فيوضح الاختلافات الجوهرية بين لغة الشعر وبين لغة الزمن الذي روي أنه قيل فيه . ويستخرج بهذه الطريقة الدليل على صحة ما يدعيه . لذا تتضح أهمية السؤال الذي وضعه بقوله : “لنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه” . وتتضح أهمية الإجابة عنه .


ولكن الأستاذ المؤلف وضع السؤال وحاول الإجابة عنه وتطرق في بحثه إلى الكلام على مسائل في غاية الخطورة صدم بها الأمة الإسلامية في أعز ما لديها من الشعور ولوث نفسه بما تناوله من البحث في هذا السبيل بغير فائدة ولم يوفق إلى الإجابة ، بل قد خرج من البحث بغير جواب اللهم إلا قوله : “إن الصلة بين اللغة العدنانية وبين اللغة القحطانية ، إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة من اللغات السامية المعروفة” . وبديهي أن ما وصل إليه ليس جوابا عن السؤال الذي وضعه ، وقد نوقش في التحقيق في هذه المسألة فلم يستطع رد هذا الاعتراض ولا يمكن الاقتناع بما ذكره في التحقيق من أنه كتب الكتاب للاختصاصيين والمستشرقين بنوع خاص وأن تعريف هاتين اللغتين عند الاختصاصيين واضح لا يحتاج إلى أن يذكر لأن قوله هذا عجز عن الجواب ، كما أن قوله إن اللغة الجاهلية في رأيه ورأي القدماء والمستشرقين لغتان متباينتان لا يمكن أن يكون جوابا عن السؤال الذي وضعه لأن غرضه من السؤال واضح في كتابه إذ قال : “لنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي” . وقد كان قرر قبل ذلك : “فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حيث نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه نريد بها الألفاظ من حيث ألفاظ تدل على معانيها تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى وتتطلب تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التي يحياها أصحاب هذه اللغة”، فبعد أن حدد هو بنفسه معنى اللغة الذي يريده فلا يمكن أن يقبل منه ما أجاب به من أن مراده أن اللغة لغتان بدون أن يتعرف على واحدة منهما .


فالمؤلف إذن في واحدة من اثنتين : إما أن يكون عاجزا وإما أن يكون سيئ النية بحيث قد جعل هذا البحث ستارا ليصل بواسطته إلى الكلام في تلك المسائل الخطيرة التي تكلم عنها في هذا الفصل وسنتكلم فيما بعد عن هذه النقطة عند الكلام عن القصد الجنائي .


(٢) إنه استدل على عدم صحة النظرية التي رواها الرواة وهي تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم ، بافتراض وضعه في صيغة سؤال إنكاري . إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة فكيف بعُد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي كان يصطنعها العرب المستعربة . يريد المؤلف بهذا أن يقول ، لو كانت نظرية تعلم إسماعيل وأولاده العربية من جرهم صحيحة لوجب أن تكون لغة المتعلم كلغة المعلم . وهذا الاعتراض وجيه في ذاته ولكنه لا يفيد المؤلف في التدليل على صحة رأيه ، لأنه نسي أمرا مهما لا يجوز غض النظر عنه ، هو يشير إلى الاختلافات التي بين لغة حمير ولغة عدنان ، وهو يقصد لغة عدنان التي كانت موجودة وقت نزول القرآن ، لأنه يرى من الاحتياط العلمى أن يقرر أن أقدم نص عربى للغة العدنانية هو القرآن وهو يعلم أن حمير آخر دول العرب القحطانية ،