طه حسين المعركة مازالت مستمرة

16/11/2016 - 2:43:03

بقلم: إيمان رسلان

ثلاث كتب بجلد أخضر سميك كانت تقيع فى مكتبة والدى وبحب الفضول أمسكت بالثلاثة كتب فكانت عناوين الكتب هى الإسلام وأصول الحكم والثانى فى الشعر الجاهلى والثالث الاستبداد لعبدالرحمن الكواكبى . قرأت الكتاب الأول لعلى عبدالرزاق فى نهاية المرحلة الإعدادية ولكن عندما وصلت للثانوى وقرأت كتاب الأيام “قصة حياة طه حسين”حيث كانت مقررة علي الطلاب وقرأت ما كتبه عن معركة كتابه عن الشعر الجاهلى، عدت إلى منزلنا وفتحت الكتاب الذى حرص والدى رحمه الله على تجليده، تجليداً فاخراً.


قرأت الكتاب كله واستعصت على بعض الأشياء فى فهمها وطلبت المساعدة من أبى ولأنه كان خريج فلسفة شرح لى وما حدث تفصيلاً مع طه حسين ومعضلة الكتاب هنا لابد وأن نعرف أن الرغبة الأولي لدكتور طه حسين عند سفره إلي باريس كانت الدراسة الفلسفية ثم قرر دراسة التاريخ.


بعدها سنوات قليلة التحقت بالجامعة وبعد فترة قسم اللغة الانجليزية حولت أوراقى لقسم الفلسفة وكانت المعركة فى بداية الثمانينات على أشدها مع التيار المتطرف متمثلا في لجماعات الإسلامية تحديداً وقصة معركة الحجاب وأفغانستان وتعمقت فى دراسة الفلسفة وفى مذاهبها وفى مذهب ديكارت تحديداً والذي حدثة وعباراته الشهيرة “أنا أشك إذن أنا موجود” والتى كانت نظرية ثورية فى عالم فلسفة وزمن القرون الوسطى كما شرح لى بعد ذلك د. مراد وهبة.. ووجدت أن المعركة مع التيار السياسى الإسلامى والإرهابى فى ذلك الوقت بقتل السادات ومعارك أسيوط وأفغانستان علاقة بالفكر والتعليم: وأنه لا سبيل للنهوض والثورة الفكرية أو الثقافية إلا من بوابة العلم والفكر والتعليم.


ثم شاء حظى أن أتخصص فى الكتابة عن التعليم منذ بداية عملى الصحفى والمهنى وأدركت أن القضية ليست فقط فى تغطية أخبار الوزارة والمسئولين والوزراء وأن المسألة أعمق من هذا بكثير لكن المفارقة أن استوقفت هى أن التعليم أصبح مجانياً كما اشترط د. طه حسين عند توليه مسئولية وزارة التعليم فى حكومة الوفد عام ١٩٥١ ولكن انتشار التعليم لم يؤدى إلى نهضة فكرية بل توغل الفكر السلفى أو الأصولى.


فعدت إلى كتابه فى الشعر الجاهلى ومستقبل الثقافة فى مصر وكان وثيقة عن التعليم وكلاهما بينهما رابط قوى إلا وهو الثقافة والتعليم وإذا كانت البداية بكتابه عن الشعر الجاهلى الذى صدر عام ١٩٢٦ وبسببة تعرفي تعرضى لأول محاكمة فكرية على غرار محاكمة جاليلوه وإن لم تصل إلى إحراق كتب أمن رشد قبله ثم كانت مقالاته النقدية وأرائة كما حدث مع إبن الثورية حتي وصل إلى كتابه مستقبل الثقافة فى مصر الذى صدر عام ١٩٣٨ والذى اعتبره أحد أهم الكتب فى الثقافة المصرية والعربية بل والعالمية تناهز نظرية أنشتين فى العلم أى نظرية النسبة والتى قلبت العلم رأساً على عقب هكذا أيضاً كانت أفكار طه حسين قد قلبت مصر رأساً على عقب حتى أننا نستطيع أن نؤرخ فيما بين قبل كتابة مستقبل الثقافة فى مصر وما بعدها ولا أعلم لماذا لم يفز د.طه حسين بموبل في الأداب للحقيقة فالأهم مخادعاً حتى أننى عندما قرأته فى بداية حياتى العملية استغبرت للعنوان ولكن حينما أعادت قراءته بعادة تقترب من أن تكون سنوية وكأنه دستور ومرجع وملاذ لى أقرأه حينما يشتد بى اليأس والبؤس مما يحدث فى التعليم، أجد أن كان مصبياً فى العنوان مستقبل الثقافة فى مصر “لأنه كتاب فى أسس التعليم والوطنية وتربية المواطن وكيفية تنشئته وقد كان ذلك آثر معركته فى كتاب الشعر الجاهلى وبالتالى كل لن كيون إلا من خلال بوابة التعليم فهو دستور للبناء والشخصية وإعادة بناء للوطن بأكمله ولما لا ومصر فى ذلك الوقت عام ١٩٣٨ كانت على أبواب الاستقلال حصلت على استقلالها حتى لو كان منقوصاً بموجب اتفاقية ١٩٣٦، إذن طه حسين كان عليم بالمستقبل ويخطط له ولذلك وضعها فى أول كلمة له فى عنوان الكتاب مستقبل وكان من الطبيعى لهذا المفكر - الثورى أن يكون أول واحد يطلق على الحركة المباركة لضباط الأحرار فى يوليو ١٩٥٢ محكمة الثورة، حتى أصبحت هى ثورة يوليو ١٩٥٢ ولا نعرف اسم غيرها الآ ولكننا نسينا أو تناسينا أن من أطلق عليها هذا الاسم الثوري هو د. طه حسين


فهل فعلاً التعليم كالماء والهواء ولماذا أقترن ذلك بإتاحة المجانية للتعليم للجميع وما أهمية ذلك أو دلالاته ولماذا الجميع يهاجم الآن توفير التعليم للجميع وينادى عن قصد أو غير قصد بأن يقتصر على مرحلة التعليم الأساسى فقط.


وهى الدعوة التى تنتشر الآن انتشار النار فى الهشيم فى أغلب قطاعات الدولة ومن المسئولين الذين تعلموا بالمجان؟!


هل قرأ المسئولين كتاب طه حسين مستقبل الثقافة فى مصر وتحديداً وزراء التعليم فى العقود الأخيرة ولن أقول الطلاب أكاد أجزم أو أستدل بالمنطق الأرسطى إنه لا وألف لا ورغم كرهى للجزم واليقين وأفعال المطلق فى الثقافة والرأى ولكن فى هذه القضية أكاد أشعر إنه الكتاب لم يقرأ وإنه تمت قراءته لم يستوعب المغزى منه.


لأن الهدف وإن يصبح التعليم كالماء والهواء وللجميع إنه يفتح القاعدة العريضة للمصريين جميعاً من أن يساهموا فى الحضارة والبناء.


ولأننا دولة كبيرة المعنى والمقام وتاريخاً وسكاناً فأن تعليم الجميع لا يعنى أن يكون شعاراً فقط وإنما الأهم كما قال د. طه حسين هو مضمون التعليم أيضاً لا يقل أهمية عن إتاحة التعليم للجميع ولذلك حرص فى حياته المهنية أن يشرف على مناهج اللغة العربية بل ويضع بنفسه مناهج التاريخ لمرحلة البكالوريا أو الثانوية العامة الآ لأنه اهتم بالمضمون أو الكيف مع الكم.


وفى هذا أجابه لسؤال هام أرق عقلي دائماً دائماً وهو لماذا الدول الرأسمالية الغربية الكبرى التى تساند الاقتصاد الحر مثل الدول الأوربية تتيح التعليم المجانى للجميع وإنه هناك كالماء والهواء.


الإجابة واضحة نستلهما من معارك د. طه حسين وهى أن الإتاحة للجميع بالكم والكيف معاً هو الذى يؤدى إلى المجتمع المستنير فكرياً وإلى النهضة العلمية والابتكار أيضاً.


وبمثال آخر اقتبسته من أستاذتىاكبار إنه لولدينا مثلاً كيلولين واحد فمقار القشطة التى تخرج منه لن تزيد عن معلقة واحدة أما إذا كان لدينا ١٠٠ كيلو من اللبن فأن مقدار القشطة التى تخرج منه كثيرة للغايةوهذا ماتحتاجه تحديداً هذة القشطة للنهود والتنوير .


وهكذا أدرك طه حسين والغرب أهمية نشر التعليم ومضمونه لأن سيخرج لنا المفكرين والعلماء أى النهضة فهل وصلت الرسالة أم مازالنا بعد ٩٠ عاماً على معركة كتاب الشعر الجاهلى وصلنا فيها الي فرج فودة و إلى نصر حامد أبوزيد وإسلام البحيرى ود. جعفر وغيرهم كثيرين فالمعركة مازالت مستمرة منذ كتاب الشعر الجاهلي وحتي الآن.