عن التهميش والتأويل وملاعيب السياسة الجهنميةكتاب الشعر الجاهلى ومأساة تاريخنا الثقافى الغائم

16/11/2016 - 2:41:22

بقلم: أسامة عفيفي

منذ بداياتي الأولي في عالم الثقافة وأنا مندهش من تناقض غريب حدث في تاريخنا الثقافي بشأن ردود الأفعال والتعامل مع كتابين خلافيين ومثيرين للجدل هما كتاب «لماذا أنا ملحد» لاسماعيل أدهم وكتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين . وكنت أسألني دائما : لماذا حوكم كتاب طه حسين وقدم صاحبه الي النيابة متهما بالكفر والإلحاد وأهانة دين الأغلبية , بينما اكتفي الناس آنذاك بالرد المتحضر علي كتاب اسماعيل أدهم ولم يحاكم ولم يحارب في رزقه أومناصبه كما حدث مع طه حسين؟ رغم أن كتاب اسماعيل أدهم يعلن صراحة إلحاد صاحبه بينما كتاب طة حسين لا يعلن ذلك واعتمد البلاغ ضدة علي تأويل المؤلين والتفتيش بين سطورة عما يثبت إلحاده؟ ليس هذا فحسب بل لقد رد أحمد زكي أبو شادي أحد مهاجمي اسماعيل أدهم علي الشيخ يوسف الدجوي عندما حاول في م تجريح المؤلف واثارة العامة ضده بينما كان البلاغ الذي قدم للنائب العام ضد طه حسين يتهمه بالكفر الصراح.


الأطرف أن طه حسين إتهم بنفس الإتهام عام ١٩١٤ عن طريق بعض نواب الجمعية التشريعية إثر صدور كتابه : «تجديد ذكري ابي العلاء» والذي كان موضوع رسالتة للدكتوراة من الجامعة المصرية وطالبوا مصادرته لأنه يحض في رأيهم علي الإلحاد ..واستطاع سعد زغلول وكيل الجمعية التشريعية في ذلك الوقت أن يقنع مقدمي الطعن والإستجواب بسحبه تشجيعا للبحث العلمي وحفاظا علي الجامعة المصرية الوليدة التي منحته الدكتوراه عن ذلك البحث بينما كان موقفه مختلفا وهو رئيس البرلمان عندما نوقش موضوع الشعر الجاهلي عام ١٩٢٦ بل ان أحد مقدمي البلاغات للنيابة ضد طه حسين كان وفديا وهو عبد الحميد البنان نائب الوفد عن منطقة الحسينية والذي كان معروفا باسم «نائب الفتوات».....ليس هذا فحسب بل لقد لام سعد زغلول عباس العقاد علي دفاعة عن طه حسين فرد العقاد علية بمقولته الشهيره : ليس دفاعا عن الكتاب ولكن دفاعا عن حرية الفكر...


الأمر غريب تماما فمالذي غير سعد زغلول وحرك موقفه من النقيض الي النقيض من طه حسين وحرية البحث العلمي ؟! صحيح أن سعد زغلول وقف نفس الموقف المتزمت من الشيخ علي عبد الرازق


وقضية كتابه «الاسلام وأصول الحكم» وهي القضية التي اختلف العقاد فيها أيضا مع زعيمه عندما كتب في البلاغ يدافع عن الرجل في حين كان حزب الوفد بقيادته وقواعده وصحفه يهاجم الكتاب وصاحبه.


الموقف غريب ومحير ويحتاج الي إعادة قراءة لتاريخنا الثقافي الذي أري انه لم يكتب بطريقة علمية حتي الآن ويحتاج منا أيضا أن ننظر الي وقائعه نظرة نقدية معرفية فما زال في الموضوع الكثير والكثير من المسكوت عنه لاعتبارات سياسية وايديولوجية عديده فتاريخنا الثقافي حتي الآن مازال غائما ويخضع للتأويل الأيديولوجي والسياسي.


بل ان أطراف معركة كتاب «في الشعر الجاهلي» جميعا جري تصنيفهم في خانة الرجعية لمجرد هجومهم علي الكتاب رغم اننا تاريخيا وفكريا لا نستطيع وضع العلامة محمد لطفي جمعة ومحمد فريد وجدي مع الخضر حسين والشيخ الخضيري في خانة واحده الأطرف ان هناك ممن يصنفون محمد فريد وجدي في هذه الخانه قد أشادوا برد الرجل العلمي والمهذب والحضاري علي اسماعيل أدهم فيما بعد ولا يعلمون او لعلهم يعلمون ولا يعلنون انه تم تكفيره من الرجعيين بعد اصداره لموسوعة القرن العشرين ولم يدافع عنه سوي العقاد. وعلي ذكر العقاد لاحظت ان المتحدثين عن معركة كتاب «في الشعر الجاهلي» يهمشون دور العقاد في هذه المعركة وأغلبهم لا يذكر دوره بالمره رغم ان العقاد دافع عن طه حسين أكثر من مره علانية وجهارا وبحماس شديد .. مره بمناسبه قضية الشعر الجاهلي ومرة عندما رفضت الجامعه اعادته الي هيئة التدريس ولسوف نعرف أهمية دور العقاد عندما نتحدث عن أبعاد المعركة الحقيقيه ومسارها وهدفها الاساسي .


الاكثر طرافة إننا ومنذ اكتشف الكاتب الراحل خيري شلبي كتيب النيابة الخاص بمحاكمة طه حسين الذي يحتوي علي نص التحقيق وقرار النيابة بشأن الكتاب ونحن ننظر بانبهار لمحمد نور رئيس النيابة الذي حفظ التحقيق لإنتفاء القصد الجنائي. في حين اننا لو قرأنا الكتيب بتأن لوجدنا ان الرجل يحاكم فكر طه حسين كله ويؤكد خروجه علي الناس بمقولات ضد الدين ويري أن كلام طه حسين – علي حد تعبيره-: « فيه تعد واضح علي الدين الاسلامي لانه انتهك حرمة هذا الدين « وفند الرجل طوال مذكرته آراء طه حسين لكنه انتهي الي ان المتهم لم يكن يقصد سوي البحث العلمي ولم يقصد اهانه الدين وبالتالي انتفي القصد الجنائي وهو الأمر الذي أسس عليه قراره بحفظ القضيه أي ان الرجل لم يبرئ طه حسين كما يعتقد البعض لكنه نفي عنه القصد الجنائي فقط . بل راح يعظه في ختام القرار بضرورة الرجوع عن ذلك المنهج لأنه غير صحيح!!!


غرائب كثيره ومسكوت عنه بالجملة وتهميش للمواقف وخلطها ببعضها البعض تستوجب إعادة النظر بعلميه ومعلوماتيه لإعادة كتابة تاريخ القضية وتاريخنا الثقافي كله كما حدث ومن مختلف جوانبه وتحقيقه بطريقة علمية ومنهجية حتي تتضح الحقيقة ناصعه وحتي ننقي ذاكرتنا الوطنيه من كوارث التأويل ومن شوائب الايديولوجيه التي مسخته أو علي الاقل التي غطته بغلالة من الغموض وعدم الوضوح.


بعد ذلك كله قد يسألني سائل وما هو الجديد الذي أتيت به ؟ وهل كل ماعندك هو التشكيك في الروايات والتنبيه لخطر اتأويل؟


الحقيقه انني ممن يرون أن القضيه قضية سياسية خالصة لا علاقه لها لابالدين ولا بالكفر أو الإلحاد ودليلي أن معركه كتاب «أنا ملحد» الواضحة « الكفر» – كما أسلفت- لم تحتل نفس الأهمية ولم يصادر الكتاب ولم يحال صاحبه للتحقيق.


كما أن سعد زغلول الذي أحبط عام ١٩١٤ إستجوابا في الجمعية التشريعيه يتهم طه حسين نفسه بالالحاد انتصارا لحرية البحث العلمي هو الذي هاجم ومن ورائه حزبه وصحفه وحرضوا بل أبلغوا النيابة عن صاحب الشعر الجاهلي وهو نفس الموقف الذي اتخذه سعد زغلول والوفد من علي عبد الرازق بسبب كتابه الإسلام وأصول الحكم قبله بعام واحد.


الوقائع التي سأسردها بتواريخها ستؤكد ان الأمر سياسي تماما في القضيتين « الأسلام وأصول لحكم وفي الشعر الجاهلي».


فالمعروف تاريخيا أن الصراع الذي دار بين الوفد وحزب الأحرار الدستوريين منذ انتخابات عام ١٩٢٤ قد أسفر عن عداوة استمرت بين الحزبين حتي حكومة أحمد زيور باشا التي حكت البلاد حتي عام ١٩٢٦ مما دفع سعد زغلول لمصالحة عدلي يكن مضطرا نتيجه لضغوط القصر والإحتلال الانجليزي بعد حل البرلمان أكثر من مره وإقالة الحكومة الوفدية .هذه المصالحة أدت الي قبول سعد زغلول بتشكيل حكومه ائتلافية مع الأحرار الدستوريين رغم أغلبية الوفد في البرلمان علي أن يتولي زعيم الأقلية عدلي يكن رئاسة الحكومة علي عكس ماينص الدستور ويتولي سعد زغلول رئاسة البرلمان فقط .


هذة الصفقة الاضطرارية اشعلت نار الصراع المستعر بين الحزبين وأنا ممن يرون أن معركة كتاب الشعر الجاهلي لها مايبررها منذ معركة كتاب الإسلام واصول الحكم عام ١٩٢٥ فلقد كانت موجهة ضد حكومة الأحرار الدستوريين الذي كان علي عبد الرازق عضوا به لإحراج حكومة زيور باشا وإرسال اشارات ايجابية للملك فؤاد الذي كان يعتبر الكتاب ضد مشروعه لإحياء الخلافة العثمانية وهو المشروع الذي لم يكن الإنجليز يريدونه لتعارضه مع تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين الحلفاء بعد الحرب, وبالتالي هاجم الوفد الكتاب وصاحبه ملمحين أن الاحرار الدستوريين والإنجليز يدعمون الكتاب وذلك في محاوله لحرق الحزب في الشارع المصري واستمالة الملك فؤاد وتلطيف الأجواء معه . وخاض الوفد المعركة بشراسه رغم أنه كان يطرح برنامجا ليبراليا يدعو لفصل الدين عن السياسة, ونتيجه لهذا الموقف الغريب علي ليبرالية الوفد المزعومة أصبح الوفد والقصر في خندق واحد بل لقد تدخل سعد زغلول شخصيا وكتب ضد الكتاب متهما صاحبه بالخروج عن الدين.


كان ذلك قبل اعلان إئتلاف عدلي يكن وسعد زغلول وفي أواخر حكومة زيور باشا عندما بدأت البلاغات ضد كتاب في الشعر الجاهلي وتصاعدت بعد ائتلاف الوفد مع عدلي يكن كنوع من الضرب تحت الحزام وتعبير عن غضب الوفد المكتوم من اضطراره لهذا الوضع غير الدستوري وقبوله بحكومه ائتلافيه رغم أن حزب الأحرار الدستوريين كان حزب الاقلية


كان الهدف اذن هوتدمير نجوم الأحرار الدستوريين وطه حسين منهم وإشاعه أن الحزب ليس فقط علي علاقة بالانجليز ولكنه حزب يضم الملحدين أيضا. وكان لابد أن يطرق الحديد وهو ساخن حتي لا تبرد قضية الشيخ علي عبد الرازق, و رغم بلاغ أحد طلاب الأزهر وبلاغ مشيخة الأزهر لم تتحرك النيابه الا بعد بلاغ النائب الوفدي عبد الحميد البنان الذي قدمه بتاريخ١٤ سبتمر ١٩٢٦ أي بعد ثلاثة أشهر من أول بلاغ في يونيو ١٩٢٦ واضطرت النيابه أن تنتظر لحين عودة طه حسين من الخارج وبدأت تحقيقها بعد رجوعه في اكتوبر ١٩٢٦ وفي هذه الفتره كانت الردود علي الكتاب تنهال من أكثر من اتجاه من الأزهر ومن قيادات الحزب الوطني لكن المايسترو الرئيسي كان الوفد وسعد زغلول شخصيا الذي ذكرنا أنه عاتب العقاد علي مقالاته التي تدافع عن طه حسين وهو الأمر الذي دفعني لأن أؤكد كما اسلفت ان موقف العقاد كان قويا وفعالا وتهميشه يعتبرجريمه تاريخية وثقافية قام بها البعض لكراهيتهم للعقاد ولأنهم يعتبرونه رجعيا ومثل هذا الموقف يدحض زعمهم فكيف يتجاهل التاريخ أن العقاد الوفدي تلميذ سعد زغلول اختلف مع سياسة حزبه ورئيسه دفاعا عن حرية الرأي وهو أمر لوتعلمون عظيم ويعد انشقاقا عن الحزب لولا علاقة سعد زغلول الوطيدة بالعقاد وحبه الشخصي له.


المعركة اذن كانت سياسية تماما استغل فيها الشعور والفكر الديني التقليدي وأعتقد أن النيابة كانت تعلم ذلك فرجل بوعي محمد نور رئيس النيابة وبثقافته لا يفوته هذا الأمر وأعتقد أيضا أن ذلك قد ساهم في تشكيل عقيدة النيابة تجاه القضية التي أدان قرارها ماذهب اليه طه حسين فكريا ودينيا ولكنه حفظ القضيه لإنتفاء القصد الجنائي وهو القرار الذي أغلق القضية بحل قانوني بارع ومستنير.


القضية تحتاج الي مزيد من الدرس المتأني والرجوع الي مضابط البرلمان في ذلك الوقت ومراجعة الصحف السيارة التي دخلت المعركه وتحليل اتجاهاتها السياسية عن طريق تحليل المضمون العلمي لخطابها الثقافي والفكري لإعادة تسجيل تاريخنا الثقافي بعيدا عن التأويل والإرتجال والتهميش والأحكام الأيديلوجية المنحازة لأي طرف من أطرافها وهو عمل أعتبره من أعمال الصناعة الثقافية الثقيلة , فأغلب ماقرأناه من تحليلات ومقالات ودراسات عن القضية ليس منحازا فقط بل لقدوقع في اخطاء تاريخية عديدة. وللأمانه التاريخية والعلمية فلقد نبه الكاتب الراحل خيري شلبي الي ضرورة التحقيق العلمي التاريخي للقضية في مقدمة كتابه محاكمة طه حسين الذي تضمن وثيقة قرار النيابة وقرار محمد نور بحفظها فهل نفعل؟ أتمني