د. مراد وهبة : طه حسين استخدم المنهج الديكارتى لنقد التراث الإسلامى فتم تكفيره

16/11/2016 - 2:39:12

حوار تكتبه : إيمان رسلان

وقائع التاريخ وأحوال المجتمع هامة جدا حتى نتعرف على أهمية وعبقرية طه حسين لاسيما معركة كتابه عن الشعر الجاهلى فهو أمام المجددين والعقلانيين المصريين ولو كان تفرغ لدراسة الفلسفة فقط فى فرنسا كما كانت رغبته الأولى لكان من أعظم الفلاسفة المصريين والعرب فى العصر الحديث مثلما كان من أعظم المفكرين


هكذا استنتجت من الحوار مع الفيلسوف والمفكر د مراد وهبة حول دور طه حسين وتحديدا كتابه عن الشعر الجاهلى وقال إن الأصولية وهيئة كبار العلماء حاربته بقوة حتى قبل تأسيس الإخوان المسلمين لأنهم كانوا ضد الثقافة الغربية والعقلانية التى آمن بها طه حسين فى حياته وظل يؤكد على فكرة أن نهوض مصر الثقافى لن يكون إلا عبر بوابة الثقافة وتحديدا ثقافة الغرب والحضارة المتوسطية .....


فى عام ١٩٢٦ نشر د. طه حسين كتابه فى الشعر الجاهلى وقامت الدنيا عليه كيف تقرأ الأمر؟


لابد أن نأخذ التسلسل التاريخى لنفهم واقعة كتاب د. طه حسين ففى عام ١٩٢٤ أصدر أتاتورك قرارا بإلغاء الخلافة العثمانية الإسلامية وإعلان الجمهورية فى تركيا وللحقيقة هذا القرار لم تكن آثاره محصورة داخل تركيا فقط بل امتدت لخارجها أيضا ففى مصر صدر للشيخ على عبد الرازق فى عام ١٩٢٥ كتابه الإسلام وأصول الحكم وتضمن الكتاب نقطتين هامتين أولاهما أنه استعان بمفكر غربى هو جان لوك وهو فيلسوف ومفكر غربى ظهر فى القرن السابع عشر وفى هذا القرن كان هناك صراع مع الأصولية المسيحية التى كانت ترى أن مصدر السلطة السياسية هو الله بينما المفكرون ومنهم جان لوك كان يرى العكس بمعنى أن الشعب هو مصدر السلطة السياسية لذلك ألف العقد الاجتماعى الجديد وفيه قال إن المجتمع مؤسس من الشعب وليس من السلطة الدينية


أصدر كتابه وقال فيه النقطة الأخرى التى اعتمد عليها الشيخ على عبد الرازق وهو تعرضه لمفهوم الخلافة فى القرآن وأوضح أن الخلافة ليس لها أساس فى القرآن والتراث وبالتالى فهى شىء دخيل على الإسلام ومرتبط بالسياسة


فماذا حدث للشيخ عند ذلك؟


قامت حملة شديدة عليه ليس فقط حملة لدحضه لفكرة الخلافة وإنما اتهم أيضا فى عقيدته واتهم بأنه متأثر بالغرب وهذا التيار أدى إلى عزل مصر خاصة أن مصر كانت واقعة تحت الاحتلال الإنجليزى الغربى لذلك قامت الدنيا ضده من الأزهر وحدث اجتماع من هيئة كبار العلماء بالأزهر لتكفيره وعزله من وظيفته ومنع الكتاب « الإسلام وأصول الحكم» من التداول أى مصادرته ومعنى ذلك أن هيئة كبار العلماء كانت على صلة بكيان كان ضد أتاتورك ولعودة الخلافة وهنا بين قوسين أنبه لحقيقة ما يحدث الآن من أردوغان رئيس تركيا لمحاولة تأسيس تركيا الأصولية وعودة الخلافة ضد تركيا العلمانية التى أسسها أتاتورك ونلاحظ هنا أيضا دعم قوى الإسلام السياسى من إخوان وغيرهم كما حدث من دعم واتصال للحركات الأصولية ضد أتاتورك انتهت الملاحظة كما يقول د مراد للتنبيه إلى مايحدث الآن وللعلاقات والتشابه بين التحالفات فى الماضى والآن


ولكن الشيخ على عبد الرازق أعيد نشر كتابه وتم رد كرامته إليه بعد ذلك؟


نعم حدث ذلك ولكن منذ تاريخ الأزمة عام ١٩٢٥ توقف عن الكتابة والبحث والتأليف حتى أن الأستاذ محمود أمين العالم ذهب إليه قبل وفاته وعرض عليه باسم مجلة المصور إعادة نشر الكتاب فرفض تماما الشيخ على عبد الرازق هذا الأمر بل قال له سوف أرفع عليك قضية لأن هذا الموضوع وهذا الكتاب قد نسفته تماما من حياتى وهذا يدل على عنف المطاردة للفكر المستنير


وما علاقة ذلك بكتاب الشعر الجاهلى لطه حسين؟


هناك علاقة وطيدة وهى التسلسل التاريخى أى أن نشر طه حسين لكتابه عام ١٩٢٦ كان هناك أحداث تاريخية وقوى اجتماعية وصراعات فكرية بمعنى أن نشر طه حسين لكتابه فى الشعر الجاهلى كان استمرارا لمنهج على عبد الرازق المستنير والمجدد بل إنه أيضا استخدم منهج فيلسوف فى الوصول إلى نتائج بحثه ولكن هذه المرة كان ديكارت وهو منهج الشك حيث أخضع الموروث فيما وصل إلينا من شعر أو إلى ماكان يطلق عليه الشعر فى الجاهلية لنهج الشك والتحليل واتخذ من ديكارت الذى يطلق عليه أبو الفلسفة الحديثة ومنهج الشك الذى أسسه وهو منهج وصف بأنه قاعدة ثورية فى ذلك الوقت وهو بالفعل كذلك لأنه حرر أوربا بعدها من العصور المظلمة والاضطهاد الدينى وسيطرة الكنيسة وأخذ المنهج وطبقه على الشعر الجاهلى ووصل إلى نتيجة أنه منتحل من الشعر العباسى الذى جاء بعد عصور لاحقة والسؤال ماذا حدث لطه حسين بعد نشر كتابه؟ الإجابة أنه كفر إيضا وصودر كتابه وتعرض للمحاكمة أمام النيابة وبعد المحاكمة تراجع ونشر كتابه بعد أن أزال أشياء منه وأسماه فى الأدب الجاهلى


وكيف تفسر ذلك على عكس موقف على عبد الرازق الذى منع نشر كتابه طوال حياته؟


د. مراد أعتقد أنه كان لديه صراع داخلى وهو كيف يستجيب للمصادرة للكتاب وفى نفس الوقت يعدل مابه بما يسمح بنشره وهو ماحدث بالفعل ولكنه أدرك إيضا أن العقبة فى التعليم والثقافة التى تنتج عن التعليم لذلك قرر أن يدعم فكره وقناعته بضرورة ثقافة البحر المتوسط لتطور الخطاب فى مصر فألغى كتابه عن مستقبل الثقافة فى مصر الذى أكد فيه أن مستقبل مصر مع الثقافة الغربية وأن مصر بتاريخها وموقعها وتراثها لا تصلح لأى ثقافة أخرى وإن التعليم هو البوابة لذلك ولابد أن يتأثر بهذه الثقافة وكان متأكدا أن الكتاب سيجد رواجا لاسيما بين المثقفين والمفكرين ولكنه كان مخطئا فى تقديره


كيف ذلك وكتابه علامة فارقة فى تاريخ التعليم المصرى حتى أنه مازال صالحا حتى الآن؟


هذا حدث ولم يلق كتابه الترحيب الكافى أو كما كان يتوقع وتفسيرى لذلك أن الكتاب ظهر عقب ظهور الإخوان المسلمين بعشر سنوات تقريبا وكانت ضد الغرب وثقافته وكذلك كان هناك كثير من المثقفين ضد الغرب لأن مصر كانت تحت الاحتلال الإنجليزى الغربى ولم يجد د. طه حسين آذانا صاغية لدعم أفكاره ودعم فكرة الحضارة المتوسطية لمصر


كيف لم يصنع تيارا فكريا وله تلاميذ حتى الآن؟


طه حسين لم يؤسس تيارا كبيرا يحدث نقلة فى الفكر المصرى وهذه خسارة كبيرة جدا لنا رغم أنه ظل مسئولاعن مجلة الكاتب سنوات طويلة وأسهم فى نشر الاستنارة والفكر العقلانى وأذكر أنه روى أنه حينما التقى الفيلسوف الفرنسى أندريه جيد وطلب منه أن يسمح له بتعريب كتابه ورواياته الباب الضيق وسأله أندريه متعجبا وقال له إن ثقافتكم مليئة بالأجوبة أكثر من الأسئلة وهذه الرواية تمتلىء بالأسئلة فأصر طه حسين على تعريبها وليس ترجمتها لأن فى التعريب يمكن أن تتعامل مع النص عكس الترجمة التى تكون حرفية وهكذا نقلت لنا الرواية الرائعة بدون حساسية لذلك أرى مافعله طه حسين ذكاء شديدا وهو مانحتاج إليه الآن لمواجهة التحدى الحالى المتمثل فى أن لدينا تيارا قويا فى المجتمع هو الفكر الأصولى والإخوانى وكيف نواجه ذلك والحل هو فى تأسيس ونشر العلمانية وليس فى كلمة المدنية لأن كلمة المدنية تأتى تجاوزا من كلمة المدينة والحضارة أى علاقات التجارة والسوق والقانون والزراعة والمدينة تطوير للقرية ولكن العلمانية تأتى من العلم وعلاقاته ومجتمع الفكر وهو مانحتاج إليه


هل نشأ الإخوان فجأة فى المجتمع المصرى؟


لا بالتأكيد الإخوان لم يظهروا فجاة وإنما كان هناك تيار أصولى فى المجتمع ولاسيما من كبار هيئة العلماء التى تقول إن الله مصدر السلطات فى المجتمع وأن الممثل عن الله فى المجتمع هو الخليفة أو الحاكم وهؤلاء نشطوا فى مواجهة طه حسين بل وحزب الوفد وأطلقوا الشائعات على حزب الوفد أنه حزب المسيحيين والثقافة الغربية المسيحية وهم المتحكمون فيه نظرا لمساهمة تسعة من أغنياء الأقباط فى قيادته العليا رغم أنهم كانوا من الإقطاعيين واستمرت هذه الاتهامات وطالت الوفديين ومنهم طه حسين وأذكر أن د .طه حسين وكان فى محاضرته بالجامعة طالب اسمه محمود شاكر ينتقد كتابا طلب د .طه من طلابه قراءته وهاجم هذا الطالب طه حسين ثم سافر للخارج وأصدر كتابا بعنوان المتنبى وكان كله هجوما عن طه حسين وعرفنا أنه يؤيد التيار الأصولى


هل لذلك نادى طه حسين بالتعليم للجميع وأن التعليم كالماء والهواء؟


كان يرى أن نشر التعليم قضية هامة للغاية ولكنه أيضا ركز فيها على الأهم ألا وهو مضمون التعليم والعلم الذى يدرس للطلاب ولايكفى أن نقول إن التعليم للجميع وهذا ممتاز وإنما ماهو مضمون هذا التعليم لا الشكل، يُقدم التعليم للجميع ولكن المضمون متخلف وأصولى ضد الإبداع وهو ما أدرك أهميته الإخوان والأصوليون وغزوا التعليم من هذه الزاوية أى وافقوا على التعليم للجميع ونشره ولكن المضمون سيطروا عليه فكان السبيل لانتشارهم فالأصل ينبع من المناخ الداخلى والغرب لاينشىء التيارات الأصولية والإرهابية وإنما هو يدعمها ويستثمر فيها لصالح مصالحهم فالأساس عندنا موجود أصلا وهو الذى حارب طه حسين وكتابه عن الشعر الجاهلى وقبله على عبد الرازق