منهج طه حسين عقْلانية بيــن الثّـبــات والتغـــيـر

16/11/2016 - 2:35:42

  مع دخان سيجارته .. يزيح هموماً ثقيلة عن عقله الذي لا يكف عن العمل مع دخان سيجارته .. يزيح هموماً ثقيلة عن عقله الذي لا يكف عن العمل

بقلم : د. يـوســف نـوفـــل أستاذ الأدب والنقد- آداب عين شمس

دوائــر تكـــويـن الثــائــر


ولد طه حسين فى نوفمبر سنة ١٨٨٩ فى عزبة الكيلو، مركز مغاغة بمحافظة المنيا على الجانب الأيسر من النيل، لأب يعمل موظّفا، مع اثنى عشر من الأشقّاء، فقد بصره فى الثالثة من عمره، حفظ القرآن الكريم فى الكتـّاب، واستمع إلى القصص والسير الشعبية لكل من: الهلالى، والزناتى، والظاهر بيبرس، وشاهد وحفظ أذكار الصوفية، فتشكـّلتْ الدائرة الأولى من دوائر تكوينه.


سافر إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف سنة ١٩٠٢، وداوم، لثلاث سنوات، على حضور دروس المبتدئين، وفيما بين سنتى ١٩٠٥، و١٩٠٧ حضر دروس المتوسطين فى الفقه والنحو، ودروس المتقدمين، حتى بدأ يضيق بنظام الدراسة فى الأزهر، فقصر حضوره على دروس الفقه على يد الشيخ بخيت، والبلاغة على يد الشيخ عبد الحكيم عطا، والأدب على يد الشيخ سيد بن على المرصفى الذى كان علما بارزا فى الدراسات الأدبية، وتذوق النصّ الشعرى، وقال عنه طه حسين إنه علّمه تحليل النص، وأخذ منه التذوق الفنى، وتأثر بالمستشرق نللينو، وقال عنه إنه علّمه المنهج منذ تلقّى التعليم على يديه بالجامعة مع المستشرق «جويدى»، وعلى يد بعض المصريين أمثال: الشيخ المهدى، ومحمد الخضرى، وحفنى ناصف، كما التقى بأحمد حسن الزيات، ومحمود زناتى، وثلاثتهم من الطلاب المستنيرين الذين خالفوا النهج الأزهرى السائد آنذاك، وتلك دائرة ثانية، عنوانها الأزهر.


وهنا لا يمكن إغفال دور أستاذ الجليل أحمد لطفى السيد، وتلمذة طه حسين على يديه منذ ذهب إليه مغاضبا الأزهر، ففتح له أبواب مجلته «الجريدة»، وقد تحدث عنه طه حسين كثيرا، وأشرف على جمع كتاب «هذا مذهبى» فى سلسلة كتاب الهلال سنة ١٩٥٥ بقلم نخبة من الكتّاب متيحا نافذة كبرى فيه لأستاذه هذا على نحو ما قال عنه فى مقدمة الكتاب وفى غيره.


وازداد ضيقه بالأزهر، وضاق أساتذته ببعض آرائه، ففصل من الدراسة إلى أن توسط له أحمد لطفى السيد لدى شيخ الأزهر الشيخ حسونة النواوى، فأعاده، فى الوقت الذى افتتحت فيه الجامعة المصرية الأهلية سنة ١٩٠٨، لتتصل دائرة ثالثة عنوانها أحمد اطفى السيد، ولتبدأ دائرة رابعة ومهمة، هى:


انضمامه إلى دارسى الجامعة الأهلية، وطلابها، حتى نال درجة الدكتوراه عن «تاريخ أبى العلاء المعرى» فى الخامس من مايو ١٩١٤، وكانت الرسالة الأولى التى تمنحها الجامعة الوليدة، ونشرها بعد ذلك بعنوان ذكرى أبى العلاء، ثم بعنوان تجديد ذكرى أبى العلاء، وفى الجامعة تأثر بأستاذه «نللينو»، كما قدمنا، ثم أوفدتْه إلى فرنسا فى نوفمبر ١٩١٤، والتحق بجامعة مونبلييه، ثم عاد إلى مصر بسبب ظروف مالية، نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، وما لبث أن عاد مرة ثانية إلى فرنسا فى ديسمبر ١٩١٥، ملتحقا بجامعة باريس ليحصل على درجة الليسانس فى الآداب سنة ١٩١٧، وليتزوج الآنسة «سوزان» سنة ١٩١٧، وليكتب عن منزلتها ودورها فى حياته كثيرا، ولينجب منها، بعد ذلك، ابنته «أمينة» التى اقترنتْ بالدكتور حسن الزيات، وابنه «مؤنس»، ثم حصل على درجة الدكتوراه فى يناير سنة ١٩١٨، عن « فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، ثم حصل على دبلوم الدراسات العليا سنة ١٩١٩، لينهل من الأدب الفرنسى ما نهل، وليتعرف على أعلامه من أمثال: سانت بيف، وهيبوليت تين، وبرونتيير، ليعود إلى مصر فى أكتوبر من العام نفسه، لتنتهى الدائرة الخامسة، وهى أكثر الدوائر خطورة، وأشدها خطرا، ولتبدأ الدائرة السادسة فى مسيرته الأكاديمية فى الجامعة المصرية يدرّس التاريخ اليونانى والرومانى، ليخرج كتابيه «نظام الأثينيين» عن أرسطو، و»صحف مختارة من الشعر التميلى عند اليونان»، ثم نشر بعد ذلك ترجمات من مسرح سوفوكليس، وكتاب آلهة اليونان، ولينال درجة الدكتوراه ١٩١٩ بإشراف عالم الاجتماع «دوركهايم»، ثم لما توفى خلفه «كازانوفا».


ومن إعجابه بفكر الفيلسوف الفرنسى «ديكارت»، وبخاصة «الشك المنهجى» انطلق فى دراساته المنهجية للأدب العربى كما بدا فى كتابه «فى الشعر الجاهلى» ١٩٢٦، ونشر، أو أعاد نشر فكرة «الانتحال» فى شعرنا القديم تنمية لما كان قد أشار إليه «ابن سلام»، قديما، فى كتابه الشهير(طبقات فحول الشعراء)، وفيه إشارة إلى ضياع شعر كثير، وانتحال بعضه، حتى جاء «مارجليوث» حديثا، ليوسّع الخرْق فى ثوب الشعر الجاهلى كله.


حين تولّتْ الدولة إدارة الجامعة الأهلية وجعْلها حكومية سنة ١٩٢٥، درّس تاريخ الأدب العربى فى كلية الآداب، ثم عين عميدا للكلية سنة ١٩٢٨، ثم استقال لظروف سياسية يوم تعيينه، ثم اختير أول عميد مصرى سنة ١٩٣٠، حتى صدر قرار بنقله إلى وزارة المعارف فى ٣ من مارس ١٩٣٢ لأسباب ناقشتها الصحافة وقتها، فآثر التفرغ للكتابة فى جريدة السياسة اليومية، وجمع مقالاته بها فى «حديث الأربعاء»، وفى جريدة كوكب الشرق، استمرارا لبدايته الصحفية فى مجلة «الكاتب المصرى» (١٩٤٥ـ١٩٤٨)، ورئاسة تحريرها، وكانت مملوكة لأخوين يهوديين، وقدمت المجلة مادة أدبية كبرى، وثار حديث حول صلتها بالصهيونية، ثم تملك، ورأس تحرير جريدة الوادى، حتى عاد للجامعة أستاذا فى كلية الآداب، ولينتخب عميدا لها فى مايو ١٩٣٦، حتى ١٩٣٩حيث انتدب مراقبا للثقافة فى وزارة المعارف حتى سنة ١٩٤٢، حيث صار مستشارا فنيا للوزارة، فمديرا لجامعة الإسكندرية فى أكتوبر ١٩٤٢حال نشأتها حتى ١٦ من أكتوبر ١٩٤٤، حيث أحيل للتقاعد، ثم عين وزيرا للمعارف فى الوزارة الوفدية قى ١٣ من يناير ١٩٥٠، وهنا رفع دعوته للتعليم المجانى، وجعْل التعليم «كالماء والهواء»، حتى أقيلت الوزارة فى ٢٦ من يناير ١٩٥٢، ليبرز إسهامه فى تطوير التعليم، وليكون من بين حصاد جهده كتابه الشهير «مستقبل الثقافة فى مصر» الذى كان فى الأصل تقريرا مقترحا، ما لبث أن طوره إلى الكتاب الذى بين أيدينا.


ونتيجة ذلك العطاء قدّرتْه الهيئات العلمية داخل مصر وخارجها، فنال من فرنسا أوسمة رفيعة، وظفر بالدكتوراه الفخرية من جامعات أوربية وأمريكية منها: ليون، ومونبلييه، وروما، وأثينا، ومدريد، وأكسفورد، وكان عضوا بهيئات عديدة منها: المجمع العلمى المصرى، والمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وعضوا مراسلا بالمجمع العلمى العربى بدمشق، والمجمع العلمى العراقى، والمجمع العلمى الفرنسى والمجمع العلمى الإيطالى، أما مجمع اللغة العربية فى مصر، فقد بدأ عضوا عاملا فيه سنة ١٩٤٠، لينتخب أول نائب لرئيسه سنة ١٩٦٠، ثم ينتخب رئيسا للمجمع سنة ١٩٦٣ خلفا لأحمد لطفى السيد حتى وافتْه المنيّة سنة ١٩٧٣ بعد أن أسهم إسهاما طويلا فى أعمال المجمع ولجانه ومؤتمراته، ولينال جوائز عديدة منها: جائزة فؤاد الأول للأدب ١٩٤٩، وجائزة الدولة التقديرية فى الآداب سنة ١٩٥٨، وقلادة النيل سنة ١٩٦٥، وليتنوع إبداعه العلمى والأدبى بين الدراسة والبحث والمقالة النقدية والأدبية والإسلامية والتاريخية، وكلها ناطقة بثورته المنهجية، ومنها:


أنه كان قد نشر فى مجلة السفور ـ المجلة المعْنية بالثورة التجديدية، كما يتضح من عنوانها ـ نشر مقالا انتقد فيه الطريقة المتّبعة فى الدرس الأدبى عند الشيخ المهدى، ووسمها بأنها تناسب العصور الوسطى، وحين تحولتْ الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية (جامعة فؤاد الأول) سنة ١٩٢٥، حلّ محلّ أحمد ضيف فى تدريس الأدب، وأخذ يلقى محاضراته على طلاب الجامعة الحديثة، فجذب الطلاب من سائر التخصصات إلى حلْقته العلمية جذبا، ونشر مقالا سنة ١٩٢٦ فى ملحق السياسة الأسبوعية التى كان يصدرها محمد حسين هيكل، نادى فيه بنسيان عواطفنا القومية والدينية، وكان المقال بعنون (العلْم والدين)، ثم جمع محاضراته فى كتابه الشهير(فى الشعر الجاهلى)، الذى أثار ضجة كبرى حين نشر سنة ١٩٢٦، وهو خلاصة محاضراته بالجامعة، ثم صودر الكتاب مع الضجة، وحوكم صاحبه، ثم أعاد طبْعه فى طبعة معدّلة باسم «فى الأدب الجاهلى»، بعد حذف فصلين وإحلال آخرين مكانهما، بعد أن دارت حوله تلك المعارك الفكرية التى شارك فيها الكثيرون، ومنهم: الرافعى فى تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد، ومحمد الخضر حسين فى: نفض كتاب فى الشعر الجاهلى، والشعر الجاهلى والرد عليه، ومحمد الغمراوى فى: النقد التحليلى لكتاب فى الشعر الجاهلى، ومحمد الخضرى فى: محاضرات فى بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التى اشتمل عليها كتاب فى الشعر الجاهلى، ومحمد فريد وجدى فى نقد كتاب فى الشعر الجاهلى، ومحمد لطفى جمعة فى الشهاب الراصد، والمازنى، وكثير مما يطول حصره.


وقد نشر كتاب محاكمة طه حسين (نص قرار الاتهام ضده الصادر سنة ١٩٢٧، والتعليق عليه، ونشر ببيروت سنة ١٩٧٢)، كما نشر عبد الرحمن بدوى (دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى) ١٩٨٦.


معـــارك وخصــومــات وكتابات ثورية


وكانت تلك المعركة الأدبية واحدة من خصوماته الأدبية، إذ تعددتْ معاركه وخصوماته، بقدْر تعدد قضاياه ومواهبه وطموحاته، فى الدوائر المتتابعة المتداخلة التى لخّصْناها تلخيصا، بدْءا بصدامه مع أساتذته بالأزهر، ثم الشيخ حسونة النواوى شيخ الأزهر، فإلى جانب معركة الشعر الجاهلى سنة ١٩٢٦خاصم أحمد شوقى، والرافعى حول رسالة الأخير (فى العتـْب)، واعتبرها من أدب العصور الوسطى.


كانت تلك المعارك حكما أن معاركه لا تنفصل عن مجْمل نتاجه الأدبى والفكرى، وصورة صادقة لطموحه التجديدى، ومنهجه الثورى، ذلك الإنتاج الذى دل تنوعه على رسالة الثورة التجديدية العامة، من:


قادة الفكر، وحديث الأربعاء، وحافظ وشوقى، والحياة الأدبية فى جزيرة العرب، ومع أبى العلاء فى سجنه، وفصول فى الأدب والنقد، ومن حديث الشعر والنثر، وعلى وبنوه، ومن أدبنا المعاصر، والفتنة الكبرى، والشيخان، وعثمان، والمتنبى.


وفى الرواية، والقصّ، ومنها: دعاء الكروان، والحب الضائع، وعلى هامش السيرة، وشجرة البؤس، وأحلام شهرزاد، والقصر المسحور «بالاشتراك مع توفيق الحكيم»، والوعد الحق، والمعذبون فى الأرض.


وفى السيرة الذاتية: الأيام، التى لم يكن مقصودا بها سيرة ذاتية فى بادئ الأمر، والتى بدأ فى إملائها فى أثناء أزمة نشر كتابه (فى الشعر الجاهلى)، والذى أثار فى نفس قرينته دوافع جعلتها تكتب كتابها عنه بالفرنسية «معك»، ترجمه للعربية بدر الدين عرودكى. كان الجزء الأول من (الأيام) عن مولده وطفولته فى قريته «عزبة الكيلو»، والثانى عن القاهرة ودراسته بالجامع الأزهر، والثالث عن تحوله من الأزهر إلى الجامعة المصرية، وبعثته إلى الخارج وعودته إلى وطنه بدرجة الدكتوراه مختتما إياها بحديث إلى ابنته «أمينة»، ومذكرات طه حسين.


وكان من نتاجه المتصل بفكره ورؤاه: تحقيق المخطوطات، ومنه:


شرح لزوم ما لا يلزم لأبى العلاء المعرى، بالاشتراك مع إبراهيم الإبيارى، ونقد النثر لقدامة بن جعفر بالاشتراك مع عبد الحميد العبادى.


وإسهامه فى الترجمة، ومنها ترجمة: أوديب وثيسيوس لأندريه جيد، وأندروماك لراسين، وزادج، أو القدر لمولير، وروح التربية لجوستاف لوبون، وقصص تمثيلية لجماعة من أشهر الكتّاب الفرنسيين، والواجب لجول سينون «بالاشتراك مع محمود رمضان»، وترجمة مسرحيات: إلكترا، وإياس، وأنتيجونا، وأوديس ملكا، وزادج أو القدر لفولتير، وقد طبعت أعماله طبعات عديدة، وفى شكل الأعمال الكاملة.


وفى ذلك المناخ لقـّب بعميد الأدب العربى، وترجمت أعماله إلى لغات متعددة، فترجمت الأيام إلى الإنجليزية بوساطة أ.هـ. باكستن ١٩٣٢، وإلى الفرنسية بوساطة جان لوسرف ١٩٣٤، كما ترجمت إلى العبرية، والروسية والصينية والفارسية والإيطالية والألمانية والمجرية، وترجمت دعاء الكروان إلى الفرنسية، والوعد الحق إلى الفارسية، وترجم محمد عنان سنة ١٩٢٥رسالته عن ابن خلدون التى ناقشها سنة ١٩١٧، حتى توفى سنة ١٩٧٣، ليتحول منزله إلى متحف باق بقاء آثاره وأفكاره، وليكتب عنه الكثيرون، أصْدرتْ مجلة الثقافة عددا خاصا عنه ديسمبر ١٩٧٣، وصدرت عنه دراسات عديدة، منها: طه حسين فى عيد ميلاده السبعين، بقلم تلاميذه إعداد عبد الرحمن بدوى، وطه حسين بين أنصاره وخصومه لجمال الدين الألوسى، وطه حسين الشاعر الكاتب لمحمد سيد كلانى، وشعاع من طه حسين لثروت أباظة، طه حسين قاهر الظلام، كمال الملاخ، والشخصيات العشرون لمحمود تيمور، وأعمال طه حسين الأدبية، لويس عوض، وطه حسين وأثر الثقافة الفرنسية فى أدبه لكمال قلتة، ومع طه حسين لسامى الكيالى، ومصادر الشعر الجاهلى لناصر الأسد، وقمم أدبية: طه حسين لنعمات أحمد فؤاد، وماذا يبقى منهم للتاريخ، صلاح عبد الصبور، وطه حسين فى معاركه الأدبية، وما ذا يبقى من طه حسين لسامح كريّم، وتحولات طه حسين لمصطفى عبد الغنى، وطه حسين والصهيونية، لحلمى نمنم، ومئات الدراسات الأكاديمة، والمقالات.


الثـّبــات والتغــيّـر


ومن تأمل الدوائر السابقة، ومن النظر فى ذلك الإنتاج المتنوع، ومن تصريحه الصريح، يتبين موقف طه حسين من الجمود، والتطور، إذْ لا يمْكن الفصل بين ما تلقّاه طه حسين من معرفة متنوعة، وما اتسمت به مصادره، ومرجعياته من خصيصة التنوع بما فيه من إمكانات التضاد والتنافر، أو التلاقى والاتفاق على حد سواء، تلك المصادر التى تنوعتْ ما بين مصادر تراثية موغلة فى القدم، ومصادر حديثة شديدة التجدد، والتوالد، وربما أدى ذلك التنوع الشديد إلى تنافر، أو تناقض أكثر شدة من التناقض بين القديم والجديد، وبخاصة فى المرحلة الأولى من تكوينه الفكرى، وفى الخطوط الأولى فى رسم الحدود والخرائط الفكرية المتنوعة.


وليس من المستغرب، إذن، أن يقع ما يلفت النظر، ويثير العواصف. بل إن من المتوقع – على وجه اليقين – أن النتيجة الحتمية لذك كله ستؤدى – فى نهاية المطاف - إلى صدامات تفوق حدتها حدة المعارك، ومجرد الاختلاف فى الرأى.


ولقد أغنانا طه حسين عن الحدْس، والتخمين، أو الاجتهاد والتأويل، ووضع أيدينا على إحساسه الباكر بهذا الأمر، الذى لخّصه – بتعبيره الصريح عن نفسه. بل وصفه نفسه – فيما أسماه: (الاضطراب، والاختلاف، والتناقض) الناتج عن ذلك التنوع والتباين فى مصادره المعرفية، وفى حركة التثقيف فى حياته، وهو ما صّرح به مباشرة فى الفقرة الأخيرة من الفصل الرابع عشر من الجزء الأول من (الأيام)، يقول متحدثا عن نفسه صبيا، وعن صنوف ما تلقاه من علم:


«وكان صبينا يختلف بين هؤلاء العلماء جميعا، ويأخذ عنهم جميعا، حتى اجتمع له من ذلك مقدار من العلم ضخم مختلف مضطرب متناقض، ما أحسب إلا أنه عمل عملا غير قليل فى تكوين عقله الذى لم يخل من اضطراب واختلاف وتناقض».


ولنا أن نقف على تفاصيل ذلك الأمر بتأمل يسير لدوائر مسيرة حياته، ونموّه منذ نشأته الريفية بعزبة الكيلو، فى محافظة المنيا وبمدينة مغاغة، ومصادر معلوماته فيها مهما كان تواضعها، وفى استقائها من معين العلوم العربية والشرعية، وانبهارها بالتراث الشعبى والأساطير، والمعتقدات السائدة فى صعيد مصر، وهى مرحلة نسميها مرحلة تخلق الخيال القابع فى فضاء «الميثولوجيا». ثم حياته القاهرية حيث المرحلة المعرفية الأزهرية، وهى المرحلة التى نعتها بأنها «مرحلة آخر الصبا وأول الشباب»... فى القاهرة التى قال عنها: «وما كانت القاهرة عنده شيئا آخر، إنما كانت مستقر الأزهر ومشاهد الأولياء الصالحين»، ولنا أن نضيف أنها فاتحة الفكر المنهجى الباكر لديه، وفى تلك المرحلة نوجز مقولته القاطعة ردا على أخيه: «إنما أنا فى حاجة إلى العلم»، وهى مرحلة – برغم وصفه إياها «العلم المحدود بالأزهر» - نستطيع أن نطلق عليها بالإضافة إلى الحياة الفكرية بالقاهرة من حوله، مرحلة بدايات التكوّن العلمى.


ثم حياته الفرنسية الحافلة بالانفتاح المعرفى، ثم العودة بذلك الزاد المتراكم الذى قد يأخذ بعضه بحجز بعض حينا، بينما يقلب بعضه ظهر المجنّ للآخر حينا، كما يقولون، تلك المرحلة التى أضحى فيها مشاركا ومسْهما فى حياة حافلة عريضة صاخبة يمكن تلخيص القول فيها وعنها، وفيه وعنه إنه بقدر ما شغل الناس طالبا شغلهم أستاذا، وبقدر ما أبهرهم ناشئا أبهرهم ناضجا، وفى جميع الأحوال كان الشاغل الدائم فى حياتنا الفكرية حيـّا وميـّا، حتى جاز لنا أن نقول فى مواضع كثيرة: (جيل طه حسين)، وحتى جار لزكى نجيب محمود أن يقول فى كتابه (ثقافتنا فى مواجهة العصر): «لقد كان هذا عصر طه حسين».


قام منهجه على إحلال العقل المنزلة الكبرى فى التفكير والبحث والقرار، متفقا مع أبسط دلالات المنهج الذى هو الطريق الواضح، وجوهر التفكير، أو «العقل»، أو «القوة الناطقة»، وبها تكون الرويـّة، وبها تقتنى العلوم والصناعات، وبها يميـّز بين الجميل والقبيح من الأفعال على نحو ما تحدث «الفارابى»، وهذه القوة الناطقة هى رئيسة كل القوى الإنسانية المدركة، ويصبح لها سلطة التحكم فيها (الفارابى، آراء أهل المدينة الفاضلة، تحقيق ألبير نصرى نادر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت ص ٧١).


بدا ذلك التفكير العقلى فى وقت باكر لدى طه حسين متمثلا فى افتتانه بأبى العلاء المعرى، وإعرابه عن رأيه فى درس من دروس الشيخ سيد بن على المرصفى حين دافع عن رأى للحجاج فى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى أن يظفر بدليل ضد أحد أساتذته حين انتهى من درس أبى العلاء قبل أن يكتمل ما كتبه عن أبى العلاء فى ثلاثة كتب هى: رسالته للدكتوراه ذكرى أبى العلاء ١٩١٥ الذى صار اسمها تجديد ذكرى أبى العلاء فى طبعات عديدة، وفيها يفيد من آراء: «سانت بيف» (١٨٠٤-١٨٦٩)، و»هيبوليت تين» (١٨٢٨-١٨٩٣)، و»برونيتيير» (١٨٤٩-١٩٠٦) حول ارتباط الأدب بما يحيط به، ثم صوت أبى العلاء ١٩٤٤، حيث صاغ للناس لزومياته بأسلوبه العذب، ثم مع أبى العلاء فى سجنه ١٩٣٩، مسجلا خواطر دارت فى ذهنه وهو فى رحلة صيفية بمدينة نابولى. بل يتمنى فى مقدمة الكتاب الأخير أن يفرغ للزوميات والفصول والغايات ولأدب الشيخ كله، ويشير إلى أبى العلاء مرتين فى الجزء الأول من (الأيام)، وفى كتاب (هذا مذهبى)، وفى كتابه (فصول فى الأدب والنقد). بل يعارض ما كتبه العقاد عن أبى العلاء، لنرى ذلك كله فى كتاب (آثار أبى العلاء المعرى) ١٩٤٤ فى ٦٩٥ صفحة، ولا يكتفى بالتأليف عنه. بل يشرف على كتاب (تعريف القدماء بأبى العلاء المعرى) جمـْع وتحقيق مجموعة ١٩٤٤، ويشرف على تحقيق سقط الزند لمصطفى السقا ١٩٤٩، ويكتب مقدمة تحقيق كامل الكيلانى لرسالة الغفران ١٩٢٥، حتى ليكتب الباحثون عن اهتمامه بأبى العلاء على نحو ما كتب حسن حسين فى كتابه (عنوان الولاء فى نقد ذكرى أبى العلاء) ١٩١٧، وليفوق ماكتب عنه الحصر.


صحيح أن منهجه استوى – من بعد - فى انتهاجه نهج الشك الديكارتى فى البحث عن الحقيقة، ذلك الذى شرحه «ديكارت» فى رسالته (أصول ترشيد العقل) وإيمانه بمبدأ: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، وهو المنهج الفكرى الذى ساد فى أوربا فى القرن السابع عشر على أيدى: ديكارت، وسبينوزا، ولايبنتز، وفى القرن الثامن عشر على أيدى: كانت، وهيجل، وأمثالهما.


إن علينا ألا ننكر تأثره وإعجابه الديكارتى بالقدر نفسه الذى نقرّ فيه بيقظة التفكير العقلى عنده من قبل تأثره الديكارتى، لقد حكى لنا حكاية طعامه مع أهله، وكيف ضحك منه إخوته، قال فى (الأيام) إن تلك الحادثة أعانته على أن يفهم حقا ما يتحدث به الرواة عن أبى العلاء، وهذا ما طبقه فى بحوثه ومحاوراته الباكرة التى تستند جميعها إلى العقل.


وحين صنف أساتذته، وفصّل القول فيمن نالوا إعجابه من القدماء «كابن خلدون»، ومن المحدثين أمثال «أحمد لطفى السيد، ومحمد عبده، وسيد بن على المرصفى، وعبد العزيز جاويش، وكارلو ألفونسونللينو»، وأمثالهم، أو نفوره من غيرهم، فما كان ذلك كله إلا لاقترابهم، أو مجافاتهم العقلانية فى التفكير..


وقد أشرنا إلى ما ذكره عن الاضطراب والتناقض، والآن نذكر ما اهتدى إليه من حلّ عقلى يزيل هذا الاضطراب والتناقض، ذلك الحلّ الذى يتمثل فيما سماه: (التوازن الصحيح بين الاستقرار والتطور)، أو (اعتدال هذين العنصرين)، أو (المزاج). ولنقرأ ذلك فيما قرره – بنفسه - فى السطور التالية من حديث الأربعاء ٣/ ٣٣-٣٥ ط٩، دار المعارف:


«... وإذنْ ففى كل شىء من هذه الأشياء الاجتماعية عنصران مختلفان لا قوام لأحدهما بدون الآخر: أحدهما عنصر الاستقرار، والآخر عنصر التطور، وقوام الحياة الصالحة لأمة من الأمم أو مظهر من مظاهرها الاجتماعى إنما هو التوازن الصحيح بين هذين العنصرين ، فإذا تغلب عنصر الاستقرار فالأمة منحطـّة، وإذا تغلب عنصر التطور فالأمة ثائرة، والثورة عرض، والانحطاط عرض، كلاهما يزول ليقوم مقامه النظام المستقر على اعتدال هذين العنصرين...»


وما أسماه هنا (التوازن الصحيح)، أو(الاعتدال) هو (المزاج) فيما أسماه فى كتاب (هذا مذهبى) – لمجموعة هو من بينها، وبإشرافه، كتاب الهلال ١٩٥٥، ص ١٩، وص ٣٩، حين قال – فى معرض حديثه عن تأثره، وإعجابه بأستاذه أحمد لطفى السيد:


«ولم أكد أقرأ فلسفة القدماء من اليونان والعرب والمحدثين من الأوربيين حتى قوى سلطان هذا المزاج على نفسى»، كذلك حديثه عن: «إيمانه بالعقل إيمانا شديدا»، و «تعليم نفسه»، و «أصلح نفسى فأحط عنها من أثقال التقاليد ما لا خير فيه».


فى الجانب التطبيقى من معاركه ومداخلاته نجد – على سبيل المثال – نقده اللاذع للرافعى ، بسبب تقليديته، فى الوقت الذى لا يجد فيه بأسا فى نقد سلامة موسى، لما رأى فى بعض آرائه من التطرف.


وفى الجانب التطبيقى من حياته العلميه نراه يقابل بين منهجين أسْهما فى تكوينه، أحدهما قديم لدى المرصفى، الذى يقول عنه:


«علـّمنى كيف أقرأ النصّ العربى القديم، وكيف أفهمه، وكيف أتمثّله فى نفسى، وكيف أحاول محاكاته».


والآخر حديث لدى «نللينو»، الذى يقول عنه:


«علـّمنى كيف أستنبط الحقائق من ذلك النص، وكيف ألائم بينها، وكيف أصوغها آخر الأمر علما يقرؤه الناس فيفهمونه، ويجدون فيه شيئا ذا بال» ، لتكون العقلانية أساس منهجه الفكرى.