حكاية الشعر الجاهلى المنحول !

16/11/2016 - 2:33:12

  طه حسين في لقاء مع كمال الدين حسين ويوسف السباعي بعد ثورة ٢٣يوليو طه حسين في لقاء مع كمال الدين حسين ويوسف السباعي بعد ثورة ٢٣يوليو

بقلم : عادل عبد الصمد

د. طه حسين عميد الأدب العربى، ملأ دنيا الناس من مشرق الأرض إلى مغربها، فكان ومازال مصباحا منيرا وسراجا مضيئا، دعا إلى المعرفة والعلم والتجرد فى البحث من كل ما هو قديم جامد، ويؤكد ذلك بقوله:


(أريد أن أصطنع فى الأدب هذا المنهج الفلسفى الذى استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء فى أول هذا العصر الحديث .. والناس يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هىّ أن يتجرد الباحث من كل شيء يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالى الذهن مما قبله خلواً تاماً.


ونسجل هنا رأى الدكتور إبراهيم مدكور خليفة طه حسين فى رئاسة مجمع اللغة العربية وتلميذه ثم زميله فى كلية الآداب ورفيقه فى معارك الفكر فى تاريخ الأدب العربى الحديث:


(ولد طه حسين مناضلا، وكان النضال أحب شيء إلى نفسه وما أحب المعارك إلى المناضلين، وكانت حياته نضالا كلها، ويكفى أن أشير إلى مثالين اثنين من معاركه الخالدة وأولهما هى معركة الشعر الجاهلى، وخطأ من يظن أنها كانت معركة ترمى إلى إسقاط الأدب الجاهلى والاستغناء عنه، بل كانت ترمى بوجه خاص إلى رسم منهج فى الدرس والبحث الأدبى منهج يقوم على الشك، إلا أنه ليس الشك الهدام بل الشك البناء وهو الشك المنهجى الذى عرفه جيدا فى دراسته للفيلسوف الفرنسى الكبير (ديكارت) والشك والنقد متلازمان، ونقد طه حسين بناء كشكه تماما، هذا فضلا عن أن حملته هذه فتحت الأذهان ودعت إلى التحرر وكانت حركة توجيه وإصلاح بقدر ما عبرت عنه من تحليل وتعليق.


ولا شك فى أن طه حسين بهذا قد دفع الأدب العربى ودراساته دفعة قوية أفاد منها زملاءه وتلاميذه.


وكان يخشى أن يقف الجمود فى طريق هذه الحركة الأدبية التى تنشد التجديد والإصلاح وأن تحارب هذه الحركة باسم الدين، وقد حدث شيء من هذا ولكن نعمنا فى العقد الثالث من هذا القرن بأخذ ورد بين طه حسين ومعارضيه كان يمثل ثورة أدبية جاءت بعد ثورة ١٩ السياسية.


ومعركة أخرى لها شأنها فى تاريخ التعليم الجامعى وهىّ حرص طه حسين على استقلال هذا التعليم وتمكين الباحثين من الكشف والدرس دون قيد أو تحريم أو تحليل، وكانت المعركة شديدة البأس انضم إليه فيها أستاذه ورائده أستاذ الجيل المرحوم أحمد لطفى السيد.


ودارس تاريخ التعليم الجامعى المصرى لا يستطيع أن يغفل أثر طه حسين فى وضع التقاليد الجامعية الصحيحة ومناصرتها والدفاع عنها ونصرة الجامعيين بكل جهده وطاقته (حديث للهلال .. أكتوبر ١٩٧٩)


وقضية الانتحال فى الأدب الجاهلى كانت معركة أدبية لها جذور قديمة وفى القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين أثار الباحثون من المستشرقين والعرب قضية الانتحال من جديد وفى كتاب تاريخ الأدب الجاهلى للدكتور على الجندى عام ١٩٦٦ دراسة موثقة لتلك القضية التى أثارت الرأى العام.


والأدب الجاهلى أدب قديم، كان يلقى وينشد ويحفظ ويروى عن طريق المشافهة والروايات الشفهية ولم يدون إلا بعد زمن طويل، وهذا سر الطعن فى الأدب الجاهلى وكل أثر له قيمته وأهميته وتكتنفه مثل هذه الظروف يكون عرضة للشك والاتهام والقيل والقال والظن والطعن فى أصله ونسبه وأصحابه وصحته وصدقه وقيمته وحجمه وما إلى ذلك، مما قد يعرض لفكر الإنسان وعقله من شكوك وظنون حينما يتصدى لدرس أثر من الآثار لم ينل من وسائل المحافظة عليه ما يكفل له البقاء سليما صحيحا منذ وجوده.


والأدب فى كل أمة من الأمم وبخاصة ما فيه من نصوص رائعة من الآثار الفنية الممتازة التى تعتز بها الأمم وتفتخر وتعتبرها دليل مجدها وسجل مفاخرها ومن ثم تعرضت الآداب القديمة فى كل الأمم للشك والاتهام ورمى كثير منها بالاختلاق والانتحال، ومن هنا اتهم الأدب الجاهلى بالوضع والتزوير وحدث هذا للآداب القديمة الأخرى كاليونانية والرومانية والانجليزية.


ويؤكد د. على الجندى أن هذه الأسباب لم تغِب عن الثقات من العلماء والرواة والباحثين منذ جمع الأدب الجاهلى وتدوينه، فقد تنبهوا إلى ذلك ووقفوا على كثير من النصوص التى ليست أصيلة فعرفوها ولم يقبلوها واستطاعوا أن يميزوا بين الأصيل والمختلق ويتبينوا الصحيح من الزائف.


وكان محمد بن سلام المتوفى سنة ٢٣١ هجرية أول من درس قضية الانتحال وآثارها فى كتابه (طبقات فحول الشعراء)


وتناول المستشرق نولدكة عام ١٨٦٤ الشكوك التى يثيرها مظهر الشعر الجاهلى ونوه عن وجود انتحال فى الشعر الجاهلى ثم تبعه اهلوارد سنة ١٩٠٣ ثم ردد هذه المزاعم كل من المستشرق الإنجليزى وليم موير، والمستشرق الفرنسى رينيه باسيه، والمستشرق الألمانى كارل بروكلمان، والمستشرق الإنجليزى دافيد مارجليوس، الذى نشر مقالة عام ١٩٢٥ فى مجلة الجمعية الملكية الآسيوية الإنجليزية المتخصصة فى نشر بحوث المستشرقين بالإنجليزية فادعى انتحال الشعر الجاهلى كله.


وقد يكون من الرد الطبيعى والمفيد أن كتاب (الأصنام) لمؤلفه محمد بن الكلبى المتوفى سنة ٧٦٣ م فيه من الشعر الجاهلى ما ينقض زعم مرجوليوث، فضلا عما هو معروف من أن قدماء المصريين ــ قبل الجاهليين وقبل إسماعيل وإبراهيم ــ قد عرفوا ديانة التوحيد وما فى الإسلام من مثل يوم القيامة والحساب وبعض صفات الله .. فإذا كان مارجليوث لم يسمع عن كتاب الموتى وإيزيس وأوزوريس، فهل سمع عن كتاب المؤرخ اليهودى هنرى برستيد (فجر الضمير الإنسانى) والذى يزعم أن موسى انتحل التوراة من أناشيد إخناتون.


ويقول الدكتور عبد الرحمن بدوى فى كتابه (دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى):


إن موضوع صحة الشعر الجاهلى قد شغل الباحثين الأوربيين منذ عام ١٨٦٤ ووصلوا فيه إلى نتائج لا تزيد كثيرا عما وصل إليه ابن سلام الجمعى ( ١٣٤ ـ ٢٢١ ) هجرية أى قبل ذلك بأكثر من عشرة قرون.


وقد سبق الجمحى وغيره من علماء اللغة والنقد أساس هذا النوع من النقد، وأشهر الباحثين العرب ممن أثار قضية انتحال الأدب الجاهلى هما مصطفى صادق الرافعى والدكتور طه حسين.


عرض مصطفى صادق الرافعى تلك القضية عرضا مفصلا فى كتابه (تاريخ أدب العرب) الذى ألفه سنة ١٩١١، وقد جمع كل ما قاله الباحثون القدماء حول هذا الموضوع فذكر ماقيل حول استكثار القبائل من أشعارها حينما وجدت أن ما لها منه قليل وأن أكثرها فى ذلك كانت قبيلة قريش وتحدث عما قيل فى الشواهد وأنه دخلها كثير من الوضع والاختلاق، ويذكر ان الكوفيين اتهموا بأنهم كانوا أكثر الناس وضعا للشعر لذا يستشهدون به لضعف مذهبهم، ويقال إن أول من سن لهم هذه الطريقة شيخهم الكسائى ثم ذكر أثر القصص فى انتحال الشعر وعرض ما قيل فى شأن الرواية والرواة وأن اتساع الرواية من أسباب الوضع.


وذكر الدكتور على الجندى أن الدكتور طه حسين ألمَّ بالموضوع من جميع نواحيه ووقف على ماقاله جميع الباحثين من العرب والمستشرقين حول قضية الانتحال وكون له فى ذلك رأياً شرحه فى كتابه (فى الشعر الجاهلى) ونشره سنة ١٩٢٦ ثم نشره فى السنة التالية باسم (فى الأدب الجاهلى) وقد أحدث هذا الكتاب حينئذ رجة عنيفة ورد عليه أدباء وكتاب عدة وألّف الرافعى كتابه (تحت راية القرآن) وألف غيره عدة كتب للرد على كتاب فى الشعر الجاهلى.


وهذا الكتاب يدور حول رأى الدكتور طه حسين فى الأدب الجاهلى الذى انتهى اليه بعد البحث والتفكير والقراءة والتدبر، وقد لخص رأيه هذا بقوله (إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبا جاهليا ليست من الجاهلية فى شيء وإنما هى منحولة بعد ظهور الإسلام فهى إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، ولا أكاد أشك فى أن ما بقى من الأدب الجاهلى الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء ولا ينبغى الاعتماد عليه فى استخراج الصورة الصحيحة لهذا العصر الجاهلى، ومن رأى طه حسين يتبين أنه لا يشك فى كل الأدب المنسوب إلى الجاهليين، بل الشك عنده ينصب على الكثرة المطلقة.


وقد كان الهلال ساحة خصبة خاض فيها طه حسين معاركه الأدبية والفكرية والعقائدية، وبمرور ثلاث وخمسين سنة على وفاة عميد الأدب العربى طه حسين، تقدم المصور هذا الملحق المتميز بكتابه ودقة مضمونه وصوره النادرة.