فى الأدب الجاهلى طه حسين مفجر الطاقات الأدبية

16/11/2016 - 2:30:58

  سوزان رقيقة الدرب تقرأ للعميد أحد الكتب سوزان رقيقة الدرب تقرأ للعميد أحد الكتب

بقلم د: حامد أبوأحمد رئيس اتحاد كتاب مصر

قال طه حسين فى المقدمة القصيرة التى كتبها لكتاب “فى الأدب الجاهلى” عام ١٩٢٧: إن هذا كتاب السنة الماضية، حذف منه فصل وأثبت مكانه فصل وأضيفت إليه فصول، وغير عنوانه بعض التغيير، وقد قسم طه حسين كتابه إلى سبعة كتب، هكذا سماها بدلا من أن يسميها فصولا. وأنا أعتقد أن الكتاب الأول وعنوانه “الأدب وتاريخه” والذى يعتبر بمثابة مقدمة طويلة (حوالى ٥٣ صفحة) له أهمية خاصة لأنه يتناول قضايا حاضرة فى غاية الأهمية. وتبدأ هذه المقدمة بالقول بأن درس الأدب فى مصر يقوم على ثلاثة مذاهب: مذهب القدماء الذى كان يمثله الأستاذ الشيخ سيد المرصفى. والآخر مذهب الأوربيين الذى استحدثته الجامعة المصرية بفضل الأستاذ نلينو ومن خلفه من المستشرقين، وهناك مذهب ثالث مشوه، ردئ كله شر، وهو المذهب الذى كان قائما فى مدرسة القضاء ودار العلوم وفى المدارس الثانوية المصرية كلها، والذى لا يأخذ بحظ من أسلوب القدماء فى النقد ولا من أسلوب المحدثين فى البحث.


على أن أخطر ما فى هذا الكتاب الأول - فى رأيى - هو ما جاء عن أهمية الذوق فى الأدب. فطه حسين قد رأي أن تاريخ الأدب لا يستطيع أن يعتمد على مناهج البحث العلمى الخالص وحدها، وإنما هو مضطر معها إلى الذوق، هو مضطر معها إلى هذه الملكات الشخصية الفردية التى يجتهد العالم فى أن يتحلل منها. أي أن تاريخ الأدب - كما قال طه حسين - أدب فى نفسه من جهة لأنه يتأثر بما يتأثر به مأثور الكلام من الذوق وهذه المؤثرات الفنية المختلفة، وتاريخ الأدب علم من جهة أخرى، ولكنه لا يستطيع أن يكون علما كالعلوم الطبيعية والرياضية لأنه متأثر بهذه الشخصية، ولأنه لا يستطيع أن يكون بحثا موضوعيا “objectif” كما يقول أصحاب العلم، وإنما هو بحث ذاتى “Subjectif” من وجوه كثيرة. ويختم طه حسين هذه الفقرة بقوله: “هو إذن شىء وسط بين العلم الخالص والأدب الخالص: فيه موضوعية العلم، وفيه ذاتية الأدب”.


ويفرد طه حسين لهذه المسألة صفحات طويلة تحت عنوان “المقياس العلمى” يدلل فيها علي أن سانت بيف وتين وبرونتيير حاولوا أن يصبغوا الأدب بصبغة علمية، ولكن تاريخ الأدب لا يمكن أن يكون موضوعيا صرفا، وأن سانت بيف لم يستطع أن يكون عالما. يقول طه حسين: “إن العلم شىء والأدب شىء آخر”، ويشير إلى أن الإغراق فى النزعة العلمية يؤدى إلى أن يصبح الأدب جدبا، وأن العقم هو النتيجة الحتمية لما يسمى “علمية الأدب”، وأن تاريخ الأدب يجب أن يجتنب الإغراق فى العلم، كما يجب أن يجتنب الإغراق فى الفن، ومن ثم لابد أن يتخذ لنفسه بين الأمرين سبيلا وسطا.


والحق أنى لا أدرى ألم يقرأ الجيل الذى جاء بعد طه حسين وزعم أن الأدب علم وادعوا أنهم تلامذة طه حسين، أقول ألم يقرأوا هذه المقدمة فى كتاب “فى الأدب الجاهلى”أو قرأوها ولم يستوعبوها؟ لقد صموا آذاننا بالدعاء أن الأدب علم، مما جعلنى أرد عليهم رداً قاسيا فى كتابى “نقد الحداثة”، وقد وصلوا بالأدب بالفعل إلى حالة عقم وعدم جدوى ليس لها مثيل. أم أن هؤلاء أرادوا أن يمهدوا لأنفسهم طريقا وموقعا متميزا على حساب الأدب نفسه؟، وهذا ما حدث. لقد صاروا ملء السمع والبصر فى مصر وفى كل أنحاء العالم العربى، لأنهم استغلوا بيت شوقى المشهور الذى يقول:


واذكروه إننا فى بلد


كل شىء فيه ينسى بعد حين


ومن العجيب أن الدكتور محمد مندور درس هذه المسألة بشىء من التفصيل فى كتابه “فى الميزان الجديد”، ومما قاله فى ذلك: “الذى نستطيع أن نأخذه عن العلوم .. سواء فى ذلك العلوم الطبيعية أو العلوم النفسية التى أصبحت اليوم تصطنع مناهج العلوم الطبيعية، كما هو معروف، هو روحها، وأما أن نأخذ عنها مبادئ وآراء وقوانين فهذا خطأ بل كارثة على الأدب”.


الجاهليون: لغتهم وأدبهم


يعلن طه حسين فى هذا الكتاب أو الفصل الثانى أن كتاب “فى الأدب الجاهلى” نحو من البحث عن تاريخ الجاهليين ولغتهم وأدبهم جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل، ويقول: “وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه إزوراراً. ولكنى على سخط أولئك وإزورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث”. ولا ينسى طه حسين أن يقول إن هذا البحث سوف يرضى طائفة من المستنيرين. ثم إن طه حسين يخير الباحثين بين أمرين: إلا أن نقبل فى الأدب وتاريخه ما قال القدماء، لا نتناول ذلك من النقد إلا بالمقدار اليسير الذى لا يخلو منه كل بحث، والذى يتيح لنا أن نقول: أخطأ الأصمعى أو أصاب، ووفق أبوعبيدة أو لم يوفق، واهتدى الكسائى أو ضل الطريق. الأمر الثانى هو أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث، يقصد أن يقول طه حسين موضع الشك، فقد استخدم فى هذا البحث نظرية الشك المنهجى عند الفيلسوف الفرنسى ديكارت. وهذا هو ما نص عليه فى مواضع أخرى، حيث قال: “فأول شىء أفجؤك به فى هذا الحديث هو أننى شككت فى قيمة الأدب الجاهلى وألححت فى الشك، أو قل ألح على الشك، فأخذت أبحث وأفكر، وأقرأ وأتدبر، حتى انتهى بى هذا كله إلى شىء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين. ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبا جاهليا ليست من الجاهلية فى شىء، وإنما هى منحولة بعد ظهور الإسلام”.


وفيما يتعلق بالمنهج ذكر طه حسين أنه أراد أن يصطنع فى الأدب المنهج الفلسفى الذى استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء فى أول هذا العصر الحديث. بعد ذلك يلح طه حسين على قضية مهمة هى أن مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس فى القرآن لا فى الأدب الجاهلى، لأن القرآن الكريم هو أصدق مرآة لهذه الحياة الجاهلية - ويقرر طه حسين أن الشعر الجاهلى عجز عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين، كما يقرر أن العرب فى الجاهلية لم يكونوا جهالا ولا غلاظـا، وأن الأدب الجاهلى لا تظفر فيه بشىء يمثل حياة العرب، على حين أن القرآن الكريم قد تناول الحياة الجاهلية بكل تفاصيلها، فقد وقف فى صراحة وحزم إلى جانب المستضعفين. ثم إن الشعر الجاهلى لا يعنى إلا بحياة الصحراء والبادية، وهو لا يعنى بها إلا من نواح لا تمثلها تمثيلا تاما، أما القرآن فقد عني بحياة العرب الاقتصادية، كما عنى بأشياء أخرى كنا نتمنى أن نراها فى الشعر الجاهلى. من هذه الأشياء عناية القرآن بأنواع الحياة العربية فى الوبر والمدر. والقرآن يصور لنا من دقائق هذه الحياة ما لا يصوره لنا هذا الأدب الجاهلي.


إضافة إلى ذلك فإن الأدب الجاهلى لا يمثل اللغة الجاهلية. ويدلل طه حسين على ذلك بأن العرب كانوا ينقسمون إلى قسمين: قحطانية منازلهم الأولى فى اليمن، وعدنانية منازلهم الأولى فى الحجاز. والقحطانية هم العرب العاربة أما العدنانية فهم العرب المستعربة الذين يتصل نسبهم بإسماعيل. ومما يتفق عليه الرواة أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير (العرب العاربة) ولغة عدنان (العرب المستعربة) وقد نقل ابن سلام فى كتابه “طبقات الشعراء” أن أبا عمرو بن العلاء كان يقول: “مالسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا”. وينكر طه حسين، بناء على هذا التقسيم اللغوى، ما يضاف إلى أهل الجنوب من شعر وسجع ونثر قيل بلغة أهل الشمال قبل الإسلام.


يتناول طه حسين كذلك الشعر الجاهلى واللهجات، ويرى أن اختلاف القبائل فيما يتعلق باللهجات لم يؤثر فى شعر الشعراء تأثيرا ما. وفي هذا يقول طه حسين. “فنحن بين اثنتين: إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان لا فى اللغة ولا فى اللهجة ولا فى المذهب الكلامي، وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل وإنما حمل عليها بعد الإسلام حملا. ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى”. كما لا ينسى طه حسين أن يدرس القراءت السبع للقرآن الكريم مدللا بذلك على أن اختلاف اللهجات بين القبائل أمر واقع لاشك فيه. وهو يرى أن هذه اللهجات لغات سبع محى منها ست وبقيت واحدة. ويختم طه حسين هذا المبحث بقوله: أليس هذا الشعر الجاهلى الذى ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين ولا عقليتهم ولا دياناتهم ولا حضاراتهم، بل لا يمثل لغتهم، أليس هذا الشعر قد وضع وضعا، وحمل على أصحابه حملا بعد الإسلام؟ أما أنا فلاأشك الآن فى هذا”.


أسباب نحل الشعر


رأى طه حسين أن عوامل نحل الشعر تنحصر فى خمسة أولها السياسة. ومعروف أن حياة العرب السياسية بعد موت الخليفتين الأول أبى بكر والثانى عمر، تحولت إلى نوع من الصراع والحروب، ووجد كل فريق أنه لابد من تأييد موقفه دعائيا عن طريق الشعر، وكل هذا أدى إلى انتحال القصائد ونسبتها إلي هذا أو ذاك من شعراء الجاهلية، تعزيزاً للموقف والتماسا لأحقية هذه القبيلة أو تلك بالسيادة والهيمنة وبسط النفوذ. ويلجأ طه حسين إلى مجموعة من الأحداث والقصص التى تؤكد الانتحال. من ذلك هذه القصة التى جاءت فى كتاب “الأغانى” وتمثل لنا عمرو بن العاص وقد ضاق ذرعا بالأنصار حتى كره اسمهم هذا، وطلب إلى معاوية أن يمحوه، مما اضطر النعمان بن بشير، وهو الأنصارى الوحيد الذي شايع بنى أمية، إلى أن يقول:


يا سعد لا تجب الدعاء فما لنا


نسب نجيب به سوى الأنصار


نسب تخيره الإله لقومنا


أثقل به نسبا على الكفار


إن الذين ثووا ببدر منكم


يوم القليب هم وقود النار


ويقول طه حسين: “إن معاوية سمع هذا الشعر فلام عمراً على تسرعه ليس غير. فلم يكن معاوية أقل بغضا للأنصار وتعصبا لقريش من مشيره عمرو أو ولى عهده يزيد”، أى أن العصبية كانت هى المتحكمة فى تلك الأيام، وهذه العصبية تدفع الناس إلى قول ما لا يقال، وتبريد ما لا يبرر. ولاشك أن هذه العصبية - كما يقول طه حسين - هى التى أزالت سلطان بنى أمية، لأنهم عدلوا عن سياسة النبى التى كانت تريد محو العصبيات، وأرادوا أن يعتزوا بفريق من العرب علي فريق. قووا العصبية ثم عجزوا عن ضبطها، فأدالت منهم، بل أدالت من العرب للفرس”.


العامل الثانى هو الدين ونحل الشعر: ذلك أن العواطف والمنافع الدينية ليست أقل من العواطف والمنافع السياسية أثرا فى تكلف الشعر ونحله وإضافته إلى الجاهليين، وقد بدأ النحل المتأثر بالدين منذ عهد مبكر، حيث كان فى بعض أطواره يقصد به إثبات صحة النبوة وصدق النبى، وكان هذا النوع موجها لعامة الناس. وهناك لون آخر من الشعر المنحول لم يضف إلى الجاهليين من عرب الإنس وإنما أضيف إلى الجاهليين من عرب الجن. والأمثلة فى ذلك كثيرة فى سيرة ابن هشام وفى كتاب “جمهرة أشعار العرب” وفى غيرهما. وهناك نوع آخر من تأثير الدين فى نحل الشعر، وهو هذا الذى يلجأ إليه القصاص لتفسير ما يجدونه مكتوبا فى القرآن من أخبار الأمم القديمة البائدة مثل عاد وثمود وسواهما. وقد قال ابن سلام فى “طبقات الشعراء”: “إن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير موضوع منحول، وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص”. ويعلق طه حسين على ذلك قائلا: “وابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلى عاد وثمود وتبع وحمير، وأنما هم يضيفون الشعر إلى آدم نفسه، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حين قتله أخوه قابيل”. وهناك أنواع أخرى من تأثير الدين فى نحل الشعر لا نستطيع أن نتوقف عندها فى هذه العجالة، وننصح القارئ بالاطلاع على كتاب “فى الشعر الجاهلى”.


ويفرد طه حسين مرة أخرى بابا للقصص ونحل الشعر، وإن كان هذا الباب مستقلا عما ورد فى الباب أو العامل السابق. وقد رأي طه حسين - على سبيل المثال - أن سيرة ابن هشام وحدها تتضمن دواوين من الشعر، نظم بعضها حول غزوة بدر، وبعضها حول غزوة أحد، وبعضها فى غير هاتين الغزوتين من المواقف والوقائع، وأضيف كل هذا إلى الشعراء وغير الشعراء من الأشخاص المعروفين، وأضيف بعضه إلي حمزة، وبعضه إلي على، وبعضه إلى حسان، وبعضه إلى كعب بن مالك، وأضيف بعضه إلى نفر من شعراء قريش، وإلى نفر من قريش لم يكونوا شعراء قط، وإلى نفر آخر من غير قريش. وهذا الكلام نقله طه حسين عن الطبقات الكبرى لابن سعد.


العامل الرابع فى نحل الشعر عن الشعوبية، وقد رأى طه حسين أن الشعوبية نحلت أخباراً وأشعاراً كثيرة وأضافوها إلي الجاهليين والإسلاميين، وأصل هذه الفرقة هو الحقد الذى أضمره الفرس المغلوبون للعرب الغالبين، وهذه الخصومة أخذت مـظـاهر مختلفة منذ تم الفتح للعرب، ويذكر طه حسين أمثله لهذا النحل الفارسى وأسبابه والهدف منه.


وأخيرا هناك عامل خامس عن الرواة ونحل الشعر. والرواة هم هؤلاء الأشخاص الذين نقلوا إلينا أدب العرب ودونوه، وهم - كما قال طه حسين - بين اثنتين: إما أن يكونوا من العرب، فهم متأثرون بما كان يتأثر به العرب، وإما أن يكونوا من الموالى، فهم متأثرون بما كان يتأثر به الموالى من تلك الأسباب العامة.، ويرى طه حسين أن أهم المؤثرات التى عبثت بالأدب العربى وجعلت حظه من الهزل عظيما هو مجون الرواة وإسرافهم فى اللهو العبث، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق.


كل هذه العوامل هى التى مهدت الطرق للانتحال، وأشاعت هذا الجو الذى وصفه طه حسين بالهزلى، ولهذا دعا إلى الأخذ بمنهج الشك الديكارتى فى درس هذا الأدب درسا موضوعيا يتوخى الحذر ويتعمق فى بحث الظواهر قبل نشرها وتعميمها.