طه حسين والدراسات الأدبية

16/11/2016 - 2:14:12

  سوزان تقدم الرعاية الكاملة لطه حسين سوزان تقدم الرعاية الكاملة لطه حسين

بقلم: د. شوقى ضيف

كان ظهور طه حسين حدثاً مهما فى مجال الدراسات الأدبية، فقد أخرجها من طور قديم إلى طور حديث تغيرت فيه هذه الدراسات تغيراً تاماً، بحيث أصبحت لا تقل خصباً ولا إمتاعاً عن مثيلاتها فى الآداب الغربية.


ومعروف أنه لم يكن عندنا قبله سوى صورتين لهذه الدراسات:


أولاً: صورة تحاكى صنيع القدماء فى دراساتهم للنصوص دراسة يعنى فيها بالبلاغة والنقد واللفظ الغريب، وكان الأزهر يقوم على هذه الصورة.


ثانياً: صورة مقابلة كان يعنى بها بعض الشيوخ فى مدرسة القضاء ودار العلوم وفى المدارس الثانوية، وهى صورة تاريخية تذكر فيها تراجم مبتسرة منتزعة من كتب الطبقات لا تكاد تغنى أى غناء فى درس أدبى منظم، وكانت تسمى تاريخ أدب اللغة العربية.


وفى هذه الأثناء أنشئت الجامعة المصرية القديمة، واستدعت طائفة من المستشرقين فى مقدمتهم “كارلونالينو” الذى أخذ يعنى فى محاضراته بدراسة تاريخ أدبنا على طريقة الغربيين فى درسهم لآدابهم الحية وآدابهم القديمة درساً يقوم على الموازنة بينه وبين الآداب العالمية الكبرى، وأن الأدب مرآة للعصر الذى عاش فيه أصحابه والمؤثرات المختلفة التى أثرت فى قائليه وسامعيه، فالأديب لا يعيش منفصلاً عن الجماعة، وأدبه ليس إلا ظاهرة من ظواهرها.


كان يخرج فى الصباح إلى الأزهر، يستمع إلى دروس الشيخ سيد المرصفى وهو يفسر لتلاميذه نصوصاً من “ديوان الحماسة” لأبى تمام أو كتاب “الكامل” للمبرد أو كتاب “الأمالي” لأبى على القالى على نحو ما كان أسلافنا القدماء يدرسون النصوص الأدبية دراسة تعتمد على النقد اللغوى والبصر بجواهر الكلام ومعرفة روائعه وخصائصه الأسلوبية وأخذت الطريقتان المتقابلتان تثيران فى نفس الفتى كثيراً من الخواطر، فتارة يوازن بين ما يسمعه فى أول النهار وما يسمعه فى آخره، وتارة تلم به أفكار فيما ينبغى أن يكون عليه درس أدبنا وبحثه بمناهج الغربيين المحدثين، ويستقر


وطريقة نالينو التى تدرس أدبنا درساً تاريخياً منظماً يدرس فيه العصر ومؤثراته السياسية والاجتماعية والعقلية التى أثرت فى نفوس منشئيه كما تدرس آثار هؤلاء المنشئين دراسة نقدية فاحصة.


وطريقة الشيخ سيد المرصفى التى تدرس نصوص الأدب دراسة فقه وتحليل من شأنها أن تنشئ الذوق المرهف والملكة النقدية الدقيقة.


وما تكاد نمضى معه فى سنة ١٩١٤ حتى تتجسد الطريقتان فى نفسه وحتى يكب يكتب على أضوائهما رسالته النفسية “ذكرى أبى العلاء” ويتقدم بها إلى درجة الدكتوراه فى الجامعة القديمة، إذ درس أبا العلاء وآثاره وبيئته وعصره والمؤثرات التى أثرت فى أدبه وفلسفته دراسة دقيقة غاية الدقة، دراسة تتضح فيها الحاسة التاريخية البصيرة، كما تتضح فيها سلامة الأحكام الأدبية وإنه يتقن فهم النصوص وتحليلها إتقاناً رائعاً.. لذلك قررت الجامعة القديمة إرساله فى بعثة إلى فرنسا.


ويعكف هناك على الآداب الفرنسية واليونانية واللاتينية، ويفقهها فقهاً عميقاً، ويعنى بالمشاكل الفلسفية والاجتماعية فيتخذ من فلسفة “ابن خلدون” الاجتماعية موضوعاً لرساله للدكتوراه، ويظفر بها كما يظفر بإعجاب ممتحنيه من الأساتذة الفرنسيين.


ويعود إلى الجامعة القديمة عقب الحرب العالمية الأولى فى هذا القرن، فيعنى بإلقاء محاضرات فى تاريخ اليونان وأدبهم، ويعرض على طلابه صحفاً مختارة من شعرهم التمثيلى وكأنه يريد أن يفتح صفحة كبيرة للموازنة بين أدبنا القديم والأدب اليونانى.


وما يلبث حزب “الأحرار الدستوريين” أن يخرج صحيفته اليومية “السياسة” ويختاره محرراً أدبياً لها، فينشر بها كل يوم أربعاء مقالة ضافية فى الشعر العربى، ويتخذ من شعراء العصر السياسى الأول موضوعاً لمقالاته.


ويدرس هؤلاء الشعراء درساً تاريخياً علمياً منظماً كما يدرس عصرهم دراسة جادة، واصفاً له بأنه كان عصر شك ومجون وزندقة على نحو ما توضح ذلك دراسة بشار، وأبى نواس، وحماد عجرد وابان بن عبدالحميد واضرابهم.


ويهب كثيرون وفى مقدمتهم رفيق العظم أديب سوريا مدافعين عن العصر، زاعمين أن فى ذلك تحريفاً لصورته الحقيقية، كأنما ظنوا أن فى ذلك تشويها لعصر المنصور، والمهدى، والرشيد، والمأمون.


ويرد عليهم بأن العلم لا يعرف مذهب تقديس السلف وأن هذا المذهب هو الذى يشوه الحقائق التاريخية، إذ يفضى بمعتنقيه إلى الهوى ويردهم عن جادة الحق والصواب.


وضرب لهم أمثلة مختلفة من عصور زاهية فى تاريخ اليونان القديم وتاريخ فرنسا الحديث كان يشيع فيها اللهو والمجون، وشيوعهما فى عصر عربى لا يعنى الازراء عليه، وإنما يعنى وصفه التاريخى الصحيح وصفاً لا يمليه الهوى ولا العقيدة، وإنما تمليه الحقائق الخالصة وتتحول الجامعة القديمة فى سنة ١٩٢٤ إلى جامعة حكومية، ويصبح طه حسين أستاذاً لآداب اللغة العربية فيعنى بدراسة الشعر الجاهلى ويخرج فيه لسنة ١٩٢٦ كتاباً يحدث دوياً هائلاً، إذ أخضع منهجه فى بحث هذا الشعر لمنهج ديكارت الفلسفى الذى يفتح أبواب الشك على مصاريعها فى بحث أى شئ حتى نصل إلى اليقين دون عائق يعوق من مذهب أو عقيدة.


وعلى أساس هذا المنهج عد الأحكام التاريخية القديمة المتصلة بالشعر الجاهلى وغيره أحكاماً إضافية، بحيث يمكن تغييرها إذا لم تكن دقيقة كما يمكن تصحيحها إذا كانت خاطئة، فالقدماء ليسوا منزهين عن الخطأ، وقد يجانبهم الصواب وعلينا أن نصوب ما أخطأوا فيه، وانتهى إلى نظرية عامة هى نظرية الانتحال فى الشعر الجاهلى وأن جمهوره مصنوع زائف زيفه العصور التالية.


وانبرى كثيرون يردون على طه حسين فى الصحف، تارة يعتدلون فى ردهم وتارة يعنفون، وجمع كثير من الردود فى كتب، نشرت فى، من ذلك كتاب “الشهاب الراصد” لمحمد لطفى جمعة، و“نقض كتاب فى الشعر الجاهلي” للشيح محمد الخضر حسين، و“نقد كتاب فى الشعر الجاهلي” لمحمد فريد وجدى، ومحاضرات فى بيان الأخطاء العلمية التاريخية التى يشتمل عليها كتاب فى الشعر الجاهلى للشيخ محمد الخضرى.


وأعاد طه حسين طبع كتابه باسم جديد هو “فى الأدب الجاهلي”


وظلت الثورة عليه قائمة، على نحو ما يصور ذلك محمد أحمد الغمراوى فى كتاب “النقد التحليلى للكتاب فى الأدب الجاهلي” ومصطفى صادق الرافعى فى كتابه “تحت راية القرآن”.


وناقشه هؤلاء الكتاب طويلاً فى تطبيقه لمنهج ديكارت على الشعر الجاهلى، وهل هو يتخذ الشك وسيلة للشك نفسه أو هو يتخذه وسيلة لليقين، ومضوا يراجعونه فى بعض الفروض وبعض النتائج وبعض النصوص وبعض الأدلة والبراهين، كان قد عدد دوافع الشك فى الشعر الجاهلى فقال إنه لا يمثل حياة الجاهليين الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية، كما أنه لا يمثل ما كان يشريع فى الجنوب من اللغة الحميرية، ولا ما كان يجرى فى لغة العدنانيين الشماليين من لهجات متفاوتة.. وعدد أسباب الانتحال.. وردها إلى السياسة والدين والقصص والشعوبية واختلاق الرواة الوضاعين.


كل ذلك ناقشه الكتاب السالفون، كما ناقشوا دراساته التطبيقية للشعراء اليمينيين والعدنانيين، وأثير فى أثناء المناقشة، بل المعركة الحامية، غبار كثيره وانجلى الغبار عن تأصيل قويم فى دراسة الشعر القديم.. فهذا الشعر ينبغى ألا يقبل جميعه وأن يعرض على امتحان علمى دقيق قبل قبوله، بحيث لا يتخذ منه أساساً للدرس إلا ما صح وإلا مارضيه العلم الوثيق، وما وراء ذلك ينبغى أن يرفض ويطرح بعيداً، بحيث تكون أحاكمنا الأدبية سليمة.


ولم تؤصل هذه الدراسة القيمة البحث فى الأدب الجاهلى وحده، فقد أصلت أيضاً البحث فى الأدب العربى بعامة، إذ دعت إلى حرية الفكر وألا يخضع الباحث لشئ سوى روح البحث التحليلى وليس هذا فحسب، فقد عرض طه حسين لمقاييس التاريخ الأدبى وبدأ بالمقياس السياسى الذى يتخذه شيوخ الأدب فى مصر أساساً لدراسة تاريخ الأدب، وأوضح ما فيه من قصور، وثنى بالمقياس العلمى عند مؤرخى الآداب الفرنسية، الذين زجوا بتاريخ الأدب فى مضمار العلوم الطبيعية، مطبقين عليه قواعدها وقوانينها الحتمية.


وصور ما ذهب إليه سانت بوف من ترتيب شخصيات الأدباء للأمة فى فصائل وأنواع على نحو ما يرتب علماء النبات الفصائل النباتية، ورسم فى دقة ما ذهب إليه “تين” من أن الأديب إنما هو ثمرة حتمية لقوانين الجنس والزمان والمكان، الجنس بأخلاقه وطباعه وعاداته ومزاجه وملكاته، والزمان بكل ما يتصل به من ظروف سياسية واقتصادية وثقافية ودينية، والمكان بكل ما يرتبط به من شئون إقليمية وجغرافية.


وأوضح كيف أن برونتيير خطا إلى أبعد مما خطا إليه صاحباه، إذ طبق على فنون الأدب وأنواعه نظرية داروين فى التطور والنشوء والارتقاء.


وما لبث طه حسين أن خلص إلى مقياس سماه المقياس الأدبى، وهو مقياس يقف بتاريخ الأدب ودراساته بين العلم والفن، بحيث لا يغرق مؤرخ الأدب فى العلم إغراقا من شأنه أن يصيب بحوثه التاريخية الأدبية بالجفاف، وبحيث لا يفرق فى الفن اغراقا من شأنه أن يفنى شخصيات الشعراء والكتاب فى شخصيته، بل يتخذ طريقاً وسطاً بين العلم والفن، طريقاً يتفق فيه علوم اللغة والصرف والنحو والبيان والتاريخ ومناهج البحث الأدبى فى استكشاف الظواهر وحقائق النصوص الأدبية، مع ما ينبغى له من الحس الدقيق المرهف والذوق المهذب المصفى، بحيث تتجلى شخصيته فيما ينشر عن أحكام وآراء وفيما يصور من مواطن الجمال الغنى فى الآثار الأدبية المختلفة.


وعلى هذا النحو وضع طه حسين لنفسه ولمدرسته التى أخذ طلابها ينشئون على مثاله الأصول التى ينبغى أن يبنوا عليها دراساتهم الأدبية، وهى أصول ترد إلى جانبين:


١- جانب علمى يتصل بفحص النصوص الأدبية وفقهها وتحقيقها واستنباط دلالاتها، مع دقة التفسير والتعليل والتحليل ومعرفة الظروف التى أحاطت بها والمؤثرات المختلفة التى أثرت فى منشئيها وبيان الصلات بينهم وبين محيطهم وبيئاتهم وعصورهم.


٢- وجانب فنى يتصل بنقد النصوص وتصوير شخصيات أصحابها وما تحدث فى نفس قارئها من لذة، وهو الجانب الذى يحيل التاريخ الأدبى إلى عمل ممتع يلذ العقل والشعور، إذ نرى من خلاله خصائص المؤرخ الأدبى العقلية وملكاته وقدرته على طرافة العرض والتصوير حتى لكأننا بازاء عمل فنى رائع.


ومضى طه حسين يدرس لطلابه الأدب العربى على هذه الأصول الفنية العلمية جامعاً إلى ملكاته العقلية النافذة شعوراً مرهفاً وإحساساً حاداً، منفقاً فى هذا الدرس أعواماً طوالاً، فرغ فيها لبحث كثير من الظواهر الأدبية وشخصيات الشعراء والكتاب، مؤرخاً، وناقداً محللاً مستنبطاً، كأروع ما يكون الاستنباط والتحليل والنقد والتاريخ، مبتغياً دائماً أن يرضى العلم والفن وينهض بحقوقهما متخذاً لنفسه أسلوباً متميزاً، أسلوباً يجمع بين الدقة والرشاقة والعذوبة والنعومة، أسلوباً استخلص فيه رحيق لغتنا وأدبنا وقدمه غذاء للعقول والقلوب والأفئدة.


وظل بين حين وآخر يفجأ المتأدبين بدراسات أدبية ممتعة تملأ نفوسهم إعجاباً بما يجرى فيها من أحكام صائبة وتحليلات بارعة وما تصاغ فيه من أسلوب ساخر يخلب الألباب.


وتتوالى مصنفاته النفسية فى حافظ، وشوقى وفى بعض أعلام الشعر والنثر العباسيين وفى المتنبى، ويصنف فى أبى العلاء غير كتاب ويتناول بعض الشعراء المعاصرين بالنقد والتحليل.


ويتمثل بعض قصائد الشعر الجاهلى تمثلاً رائعاً ويعرضها فى صورة جذابة على المتأدبين ترفع عنها كل ما كان يظن بها من جفاف وإجداب، وتجعلهم يسيغونها ويتذوقونها ويجدون فيها لذة ومتاعاً


وناهيك كان يظهر تلاميذه عليه في محاضراته من الدقة فى تحليل الشخصيات والآثار الأدبية، يعينه فى ذلك زاد ثقافى واسع من الآداب الغربية الحديثة والقديمة، وهو زاد جعلة يصل دائماً بين أدبنا وآداب الأمم المختلفة، كما جعله يعمل فى قوة بين آثار أسلافنا وما عاصرها من مظاهر الحياة الاجتماعية والشعورية والعقلية.


وبهذا كله لم يؤصل طه حسين الدراسات الأدبية العلمية فحسب، بل حببه أيضاً إلى الشباب، وجعلهم يقبلون عليه ويشغفون به شغفاً شديداً.


أما تلاميذه الذين كانوا يتلقون عنه محاضراته فقد ملأ قلوبهم فتنة بالبحث فيه بحثاً علمياً فنياً دقيقاً، وسرعان ما أخذوا يدرسون أنحاء حياتنا الأدبية القديمة والحديثة درساً قوياً خصباً، ولم تمض سنوات طويلة حتى وضعت مذاهب أسلافنا الفنية فى الشعر والنثر وتوالت الدراسات فى أدبنا العربى القديم والمعاصر وفنونه المختلفة، ودرست بعض الشخصيات الأدبية المعاصرة دراسة تحليلية نقدية قيمة وأرخت بعض عصورنا الأدبية تأريخاً علمياً فنياً دقيقاً.


ونشرت بجانب ذلك نصوص أدبية كثيرة نشراً علمياً بديعاً، وأخذت دراسات فقه اللغة العربية تنمو نمواً واسعاً.


ولعلى لا أبالغ إذا قلت إن كل الجهود الأدبية العلمية التى نهضت وتنهض بها جامعاتنا إنما هى ثمرة طبيعية لأصول البحث الأدبى التى وطدها طه حسين بمحاضراته ومصنفاته ومقالاته والتى بثها فى تلاميذه، ومضوا بدورهم يبثونها فى تلاميذهم، مما يجعله بحق الرائد الموجه لنهضتنا العلمية فى الدراسات الأدبية.