طــه حسين يسارياً !

16/11/2016 - 2:08:07

  أم كلثوم وفكري أباظة في حضرة العميد أم كلثوم وفكري أباظة في حضرة العميد

بقلم: أحمد بهاء الدين شعبان

لم يكن حضور «طــه حُسين» فى حياتنا حضوراً عابراً، مثل حضور آحاد الناس من البشر، الذين يدبون على أديم هذه الأرض، يقضىون فوقها ماشاءت لهم الأقدار من وقت، ثم يمضون دون أن يتركوا أثراً أو يُحرِّكُوا جامداً، وإنما ظهر كعاصفة لافحة، أخذت بمجامع الألباب الساكنة، وحرَّكت العقول الخوامل، وهزّت ركوداً ران على الفكر فى مصر والمنطقة، وبسط هيمنته على المكان والزمان، لعقود إثر عقود !.


وككل شئٍ أصيلٍ فى هذه الحياة، يمتزج بوجودها الذى لا ينتهى، ولا يطويه النسيان بمجرد رحيله، كان فعل «طـــه»، الذى ضرب بسهم فى كل اتجاه، واجتهد لكى يُشارك فى دفع عربة الوطن على المرتقى الصعب، دون مهابةٍ أو وجل، حتى جعل من وجوده، فى حد ذاته، منارةً تُرشد العابرين إلى سواء السبيل، فى قصة كفاح غير منكورة، تُثير الإعجاب والدهشة، لفتىً صاحبته عاهتان مريرتان منذ مدارج الصغر: الفاقة وفقدان البصر، لكنه لم يستسلم لمصائره المُتَوَقَّعَة، بل ثابر، وكافح، وبذل أقصى ما فى وسعه من جهد، حتى حفر اسمه فى سجل الخالدين.


وقصة كفاح «طه حُسين»، فى معظمها باتت معروفة، وخاضعة للدرس والتحليل، غير أن غِنى الفكر، واتساع مدى الحركة، وانتشار وعمق التأثير، يفتح أمامنا، ودوماً، مجالات جديدة، لمحاولة فهم أركان هذه الشخصية النادرة، ويساعدنا، يوماً بعد يوم، على إدراك أبعادها، وتَلمُّس بُعد نظرها، ورجاحة عقلها، وهو أمرٌ لا يجعلنا نُنَزِّهُهَا عن أى خطأ، أو نضعها موضع العصمة من أى زلل، فهو فى النهاية إنسان، له ماله وعليه ماعليه، لكن الإمعان فى قراءة تاريخ «طــه حُسين»، والتعمق فى فهم وقائع حياته، يُزيد المرء احتراماً له، ولصبره فى مجالدة عوامل التثبيط وعناصر الإحباط، ولرواية حياته التى تمنحنا، وتمنح كل جيلٍ جديد، مايُعينها على إمعان الفهم، وإحسان العمل، والتفاؤل بأن الحياة، رغم كل المحن، دائماً فى تقدُّمٍ إلى الأمام.


قضية هامة، وانتباه محدود:


ولعل فى علاقة «طــه حُسين» باليسار ونظرياته، ومدارسه واجتهاداته، ورؤاه ونظرته إلى قضية «الثورة» وعملية «التغيير»، وانحيازاته الأيديولوجية والاجتماعية، والعلاقة، فى عمره المديد، بين الفكر والحركة، ... ، ما يحتاج إلى قدر أكبر من الاهتمام، إذ قلما انتبه الباحثون، إلا قليلُ، إلى هذا البُعد فى مسار عمره الثرى، مُرَكِّزين فى درسهم على إسهامه الأكاديمى والأدبى، وهو كبير وعميق ومتعدد المجالات، وكان دائما محل نظرٍ وتمحيص واحترام وإلهام.


ورغم ذلك فهناك دراسات جادة ومحترمة، اقتحمت هذا المجال بعمق ووعى، منها الدراسة الجامعة المعنونة بـ: «المفكر والأمير: طه حُسين والسلطة فى مصر، ١٩١٩ – ١٩٧٣»، للدكتور «مصطفى عبد الغنى»، و»طه حسين: جدل الفكر والسياسة» للدكتور «أحمد زكريا الشلق»، والعدد الخاص من مجلة «فكر»، التى رأس تحريرها المفكر المصرى الراحل «د. طاهر عبد الحكيم»، وصدر فى مارس ١٩٨٩، احتفاءً بالذكرى المئوية لمولده، تحت عنوان: «طــه حُسين: مائة عام من النهوض العربى»، ومجلة «القاهرة»، (العدد ١٥٩، فبراير ١٩٩٦)، التى كان يرأس تحريرها «د.غالى شكرى»، والمُخصص لذكرى ثلاثة من المفكرين والمبدعين الكبار، فى الحياة الثقافية المصرية المعاصرة: «طــه حُسين»، و»شادى عبد السلام»، و»نصر حامد أبو زيد»، والملف الذى نشرته مجلة «الهلال»، (عدد مايو ١٩٧٧)، بقلم الأستاذ «رجاء النقّاش»، تحت عنوان: «طه حسين فى قفص الاتهام»، لتفنيد اتهامات اليمين الدينى له بالإلحاد، واعتناق الشيوعية، والعداء للعروبة، والعمالة لفرنسا، وممالأة الصهيونية،... وغيرها من الترهات، التى طالما قذفه بسخائمها أعداء الاستنارة والتقدم. والمؤكد أن هناك، إضافةً إلى ماتقدم، دراسات أخرى كثيرة، توضح جوانب عديدة، فى هذا السياق.


الانتماءات الفكرية والأيديولوجية:


وفضلاً عن ذلك، فقد كفانا «طه حُسين» مشقة البحث، بكتابات ثرية، وتلميحات ذكيّة، وتضمينات غنية، وتصريحات واضحة، تقطع الشك باليقين، وتمنع أى التباس أو سوء ظن، أو خطأ فى التأويل.


فهو يُعلن فى افتتاحية عدد شهر فبراير ١٩٤٧، من مجلة «الكاتب المصرى»، أن «من الكُتّاب البدريين الأساسيين الذين تأثرت بهم، وما زالت المُرَكّبات الذهنية التى خلفوها فى خلاياى المُخيِّة قائمة، بل نامية، «كارل ماركس»، فقد وصلت إليه عن استعراض ضدّه (مُعارضيه)، من كُتّاب «الانفرادية»، (الفردية)، الذين يقولون بالمباراة (المنافسة)، الاقتصادية، مثل «هربرت سبنسر»، وخرجت منه على احترام له، (لكارل ماركس)، واحتقار لـ «هربرت سبنسر»، ولكن هذا الاحتقار فى هذه النقطة المُعَيِّنَة، لم ينقص من إكبارى للقوة التفكيرية عند «سبنسر»، والحق أنها قوة عظيمة جداً».


(...) إن قيمة الماركسية فى فهم السياسة العالمية، والتطورات الاجتماعية والأخلاقية الحاضرة، كبيرة جداً»، (ص ص: ٧٠-٧١).


وهو القائل، فى معرض رفضه، مُنزعجاً، وصف «على الراعى» له، على صفحات مجلة «الفجر الجديد»، ذات التوجّه الاشتراكى، التى كانت تصدر فى أربعينيات القرن الماضى، (عدد أول نوفمبر ١٩٤٥)، باعتباره «كاتباً برجوازياً: «أحبُ أن ألاحظ أن الكاتب قد وضعنى فى موضع لا أحبه ولا يُحبنى، فلست كاتباً برجوازياً، وما أحببت قط أن أكون برجوازيا، وإنما أنا رجلٌ شعبى النشأة والتربية، شعبى الشعور والغاية أيضاً» ...


«وللكاتب أن يصفنى بما شاء إلا أن أكون ارستقراطى النزعة، أو برجوازى التفكير، فلست من هذا كله فى شيء» ...


و»إذا لم يكن بدٌ من أن أبَيِّن للكاتب عن مذهبى فى الحياة السياسية والاجتماعية، فليعلم أنى لا أحب الديمقراطية المُحافِظة، ولا المعتدلة، ولا أقنع بالاشتراكية الفاترة، وإنما أُياسرُ إلى أقصى ما أستطيع، ولكن لهذه قصةٌ أخرى كما يقول «كبلنج»، ومن يدرى .. لعل حظنا من حرية الرأى أن يعظُم ويتسع فى يوم من الأيام، ويومئذٍ نستطيع أن نقول كثيراً»!.


والمعنى واضح كل الوضوح، فما يمنع «طــه حُسين» من التصريح المباشر، بانتماءاته لليسار، والتحرك المكشوف تحت رايته، إنما يعود، فى المقام الأول، إلى واقع الاستبداد السياسى والاجتماعى، الذى يجعله يتحسب لمواقع أقٌدامه، التى قادته إلى معارك ضارية شتى، فى مختلف الساحات والمستويات، وماكان وقتذاك، فى حاجةٍ إلى مزيد !.


لكن هذا الوضع، لم يعن بأى صورة من الصور، أنه جَبُنَ عن الإشارة – فى كل محفل مُتاح، أو مجال ممكن – عن التنديد بصور الظلم الاجتماعى البيِّن، التى كانت تصدم الرؤى والضمائر، فما أكثر ما ألمحَ تضميناً، أو أشارَ صراحةً، وغضب وثار، وهو يصف أحوال الملايين من بؤساء الوطن والإنسانية، بل وأبدع فى استثارة كوامن التعاطف الوجدانى مع «المعذبون فى الأرض»:


«إيه أيتها الألوف المؤلفة من العمّال وأشباه العمّال، من الفقراء والبائسين، من المعدمين والمحرومين.. ما أجدر الناس لو فكّروا أن يجتهدوا فى أن يهبط الإنصاف من الممتازين على غير الممتازين، كما تهبط الرحمة من السماء على الناس. ولكن الناس لا يفكرون، ولا يعتبرون، ولكن الممتازين لا يعطفون ولا ينفقون، وإذا الإنصاف يصعد من الطبقات الدنيا إلى الطبقات العليا، فيرد المسرف عن إسرافه، ويُعيد الجائر عن جوره»! (مجلة «كوكب الشرق»، ٢٢ أغسطس ١٩٣٣).


... و «الكاتب المصرى»: منبر للتقدم:


ومن اللافت أن «طـَه حُسين»، حين ترأس تحرير مجلة «الكاتب المصرى»، (التى صدر عددها الأول فى أكتوبر عام ١٩٤٥)، فتح المجال أمام عدد من رموز التحرر والتنوير، فضلاً عن أعلام الفكر الاشتراكى المصرى آنذاك، ومنهم «محمد عبد الله عنان»، و»سلامة موسى»، وغيرهما، للكتابة المستفيضة فى صفحاتها، عارضين أفكارهم بها، وليس هذا وحسب، بل قلَّ أن صدر عدد منها، دون أن يحتوى دراسة أو دراسات تمس مناحى الحياة والفكر فى «الاتحاد السوفيتى»، رافع لواء الاشتراكية فى ذاك الوقت، فهذا مقال مترجم، يحمل عنوان «أدب القصة فى الاتحاد السوفيتى أثناء الحرب»، (المجلد الأول، العدد الأول، أكتوبر ١٩٤٥، ص: ١٠٥)، وآخر لـ» محمد عبد الله عنان»، بعنوان: «دولة إسلامية شيوعية فى القرن الرابع الهجرى»، (المجلد الأول، العدد الثانى، نوفمبر ١٩٤٥، ص:٢٢٢)، وثالث لـ «محمود عزمى» يُعَرِّبُ فيه، ويُميّز بين مصطلحات، كانت جديدة آنذاك، مثل «التأميم»(Nationalisation)، و»التدويل»، (Etatisation)، و»التشريك»، (Socialisation)، و»التشييع، (من الشيوع أو الشيوعية)، (Communisation)، و»التجميع»، (من الجمع)، (Collectivisation) ، (المجلد الأول، العدد الثالث، ديسمبر ١٩٤٥، ص:٣٠٨)، وهذه دراسة عن «نقل ملكية بنك إنجلترا إلى يد الدولة»، بقلم متخصص بريطانى فى الاقتصاد، (المصدر نفسه، ص: ٢٥٦)، وأخرى عن «الصلة بين الأدب والسياسة والاجتماع»، خص بها الفيلسوف الفرنسى «جان بول سارتر» مجلة «الكاتب المصرى»، تحت عنوان «تأميم الأدب !»، تبحث فى دور الأدب الاجتماعى... إلخ، (المصدر ذاته، ص: ٣٣٩).


ثلاث مراحل:


ويلفت النظر، لدى التمعن فى مسيرة «طــه حسين» الشاقة الطويلة، وحتى اكتمال ملامح وعيه الاجتماعى، وبروز حسّه (الطبقى)، ومجاهرته بميوله تجاه اليسار، على نحو ما أوردنا، ثلاث مراحل متداخلة، تصب كل منها فى الأخرى، حتى تشكّل وعيه الناقد، وتكونت ملامح انحيازاته الاجتماعية المحددة:


أولها: مولده ونشأته فى بيئة متواضعة، فى صعيد مصر «الجوانى»، الأكثر بؤساً وتخلفاً، مما ولّدَ لديه شعوراً فطرياً بالغبن، وجعله على احتكاك مباشر بأثر التردى الاجتماعى العميق على حياة الناس وأسباب سعادتهم !.


وكان لظروف تكوينه، ومعاناته الطبيعية الناجمة عن معطيات بيئته الفقيرة، والمكابدة اليومية لنتائج فقدانه لبصره، وعذابات فترة طلب العلم الأولى، منذ عام ١٩١٢، فى كُتّاب القرية، ثم فى أروقة الأزهر، الغارق فى محيط من الجمود الفكرى، وأساليب الحفظ والتقرير والتلقين، تأثيرٌ وأى تأثير، على إدراكه لوطأة الفقر على أمثاله من الناس، وزرعت فى أعماقه شعوراً فطرياً بالتعاطف مع المهمشين، وفهم حاجة المعوزين، والمعرفة – الناتجة عن الممارسة العملية – بوطأة الظروف الاجتماعية، وتأثيراتها العميقة فى وعى البشر وعلى اختياراتهم الحياتية، كما فجّرت هذه الظروف، داخله، ينابيع التمرد، ومنحته قوةً كبيرة على الرفض والتحدى، ظلت تصاحبه فى كل مراحل حياته.


وقد اندفع فى نهايات هذه الفترة إلى مواقف حافلة بالنقد المجتمعى، مُحملاً المصريين أسباب بؤسهم، وخمول هِمّتهم، ناقداً لممارساتهم الأخلاقية الرذيلة، وتصرفاتهم فى مأكلهم وملبسهم، وحركتهم فى الشوارع والبيوت، وعاداتهم فى الموالد والمحافل، وداعياً حاداً إلى تغيير هذه المسلكيات، والإعراض عن هذه العادات !.


أما المؤثر الثانى: فقد كان سفره لطلب العلم فى فرنسا، ( ١٩١٤ – ١٩١٨).


ففرنسا كانت، فى الفترة التى ارتحل إليها لطلب العلم، ٍإحدى دول العالم الرئيسية، التى تمور بالإبداع والفكر والثقافة، وتضج بالتناقضات الاجتماعية، والتنافسات السياسية، والصراعات الطبقية، وكانت أصداء الثورة الفرنسية بشعاراتها الثلاثة الشهيرة: «الحرية والإخاء والمساواة»، ( ١٧٨٩–١٧٩٩ )، وترجيعات كومونة باريس (عام ١٨٧١)، وأفكار الاشتراكية الطوبوية، والسان سيمونية، والماركسية بأطيافها المتعددة، وجدالات مختلف المدارس الفكرية والفلسفية، وتداعيات وتأثيرات الثورة البلشفية التى اجتاحت روسيا (عام١٩١٧)، تفتح أبواباً لانهائية للاغتراف من جداولها، والتأثر العميق بإطروحاتها، ووضعته على تماس مباشر مع الأفكار الحداثية ومذاهبها فى الفن والفكر والسياسة وعلوم الاجتماع والعمران.


ويبرز فى هذا السياق، الدور البارز لأستاذه «إميل دوركايم»، أستاذ الاجتماع الأشهر، وتلميذه «»سلستان بوجليه»، فى توجيهه إلى إدراك أثر العوامل الاجتماعية فى التكوين الفكرى والنفسى للإنسان، ومن تأثير هذا الاتجاه، اتخذ موضوع «علم الاجتماع كما يتصوره أوجست كونت» محلاً للدراسة، وتأثر بـ «سان سيمون»، الذى أنفق عاماً كاملاً فى دراسته، ودرس كذلك أعمال «مونتسكيو»، و»أرنست رينان»، وهيبولت تين»، وأفكار غيرهم ممن «غلب على فكرهم الإصلاح الاجتماعى المميز»، وهو ما دفعه لأن يتبنى خطاً ينتهج الدعوة إلى الإصلاح الواسع، «يمس جذور المشاكل التى تواجهها الدولة»، وسنلمس فى هذه الفترة تطور مضمون نقد «طــه حُسين»، وتحوله قُدماً إلى الأمام، وَتَبَدُّله من «النقد المجتمعى»، إلى «النقد الاجتماعى»، أى من هجو الممارسات الأخلاقية للناس، إلى نقد العلاقات الاجتماعية التى تجمع بينهم، ومن تحميل الأفراد مسئولية خراب واقعهم، إلى تشريح الظروف والعلاقات والمصالح، التى تكمن خلف هذا الحال، وتتسبب فيها، وبدون تغييرهذه الظروف، والثورة على هذه العلاقات، لا مجال للتقدم، أو طموح لكسر القيود التى تربطنا بأغلال الماضى!.


أما المؤثر الثالث والمهم، فيعود إلى طبيعة الأوضاع السياسية والفكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، المضطربة، التى كانت أمواجها تتلاطم فى مصر، فى فترة مابعد العودة من فرنسا، والتى ألقى «طــه حُسين» نفسه، أو لقيها، غارقةً فى غمارها، وجزءًا عضوياً من تداعياتها: الثورة على الاحتلال، والسعى للحقوق الدستورية، والدعوة لنبذ التخلف، وطلب التجديد فى الأدب والحياة، والصراعات السياسية والطبقية، والتلاطمات الفكرية العاصفة، فترة كتاب «فى الشعر الجاهلى»، «والمعذبون فى الأرض»، و»شجرة البؤس»، و»الإسلاميات»، وغيرها: وهو هنا يدافع عن العمال ضد واقعهم المزرى، ويُساند الفلاحين فى مواجهة أحوالهم البائسة، والمتسببين فيها، والذى: «أقل مايوصف به، انه إثمٌ يُنكره القانون، وخزىٌ يوصم به البلد الذى يقع فيه هذا الفقير الذى لايملك من الأرض إلا قيراطين، والذى يفرض عليه القانون ضريبة عقارية، وتظلمه الحكومة ظلماً فاحشاً حين تكلفه أن يدفع ضريبة للخفر، ...»، (مجلة «كوكب الشرق»، ١٦ أكتوبر ١٩٣٣)، أما السبب فيعود إلى طبيعة الحكم وانحيازاته الاجتماعية للأغنياء ومصالحهم، والتفاوت الطبقى الحاد فى المجتمع، فقد «رأت الحكومة فقيراً فأبت إلا أن تكون غنيةً، ورأته مُعسراً فأبت إلا أن تكون موسرةً، ورأته مُضطراً إلى الجوع والحرمان، فأبت أن يغيب من الشرف مايُباح ومالايُباح !»، ( مجلة «كوكب الشرق»، ٢٣ أبريل ١٩٣٣). (أنظرد.مصطفى عبد الغنى، ).


فكرة الثورة عند «طــه حُسين»:


ويبدو انتباه «طــه حُسين» لارتباط عملية رد المظالم الاجتماعية، وإزاحة الاضطهاد الطبقى الواقع على كاهل الفئات المسحوقة، عن طريق «الثورة»، أوضح ما يكون فى مقاله المهم «ثورتان»، حيث يدرس من خلاله استعراض وقائع ثورتى «العبيد» على الإمبراطورية الرومانية، التى قادها «سبارتاكوس» فى القرن الأول قبل المسيح، وثورة «الزنج» فى البصرة، التى رأى أنها لم تكن بدعة فى التاريخ الإسلامى أو الإنسانى، إذ أنه كما أن هناك «شعوبا تسترق شعوباً، فهناك طبقات من الناس تسترق طبقات»، (مجلة «الكاتب المصرى»، مجلد (٢) – عدد (٨)، ص ص: ٥٥٣ – ٥٦٣).


وينتقد «طــه حُسين» فى هذه الدراسة المستفيضة، سعى الناس فى بلادنا إلى استلهام مُثل الثورة من خلال النظر إلى مجريات الأحداث خارج الحدود، ومحاولة استجلاب نظائرها عندنا، بينما «لا ينظرون أو يكادون لا ينظرون، إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعى كما وجدها المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة، وقليلٌ منهم، بل أقل القليل، أولئك الذين يحاولون أن يتابعوا نشأة هذه الفكرة، وتطورها، فى البيئات الإسلامية الثائرة»، (المصدر نفسه، ص: ٥٥٥).


ويلفت «طــه حُسين» النظر، إلى أنه بهذا الحديث عن الثورات ذات البُعد الاجتماعى فى التاريخ الإسلامى، كثورة «الزنج» أو «الخوارج» او «القرامطة»، لا يدعو إلى إحيائها مُجدداً، أو إعادة استنساخ وقائعها، لأنه يدرك أنها بنت بيئة اجتماعية وسياسية، وتاريخ إنسانى مُحدد التفاصيل والسمات، لا يمكن تكرارها، وإنما لجأ إلى الحديث عنها من أجل لفت الانتباه إلى أن « لنا فى المطالبة بالعدل الاجتماعى تاريخاً حافلاً عظيم الغناء يستحق أن نرجع إليه بين حين وحين، فلعلنا إن فعلنا عرفنا أن المتطرفين من قدمائنا قد سبقوا إلى طائفة من الأصول فى تنظيم الحياة الاجتماعية لم تُستكشف فى أوربا إلا أثناء القرن التاسع عشر، أو فى عصر الثورة الفرنسية الكبرى».


ويخلص «طــه حُسين» إلى غايته من بحث هذه القضية المهمة، وسعيه إلى تأصيل جذورها فى تاريخ منطقتنا وشعوبنا، للرد على مزاعم خنوع وسكونية تاريخنا، وافتقاره إلى تقاليد التمرد والثورة: «نحن إذن لسنا عيالاً، ولا يمكن أن نكون عيالاً، على المطالبين بتحقيق العدل والثائرين على الظلم الاجتماعى من الأوربيين، وإنما نحن أبعد منهم عهداً وأشد منهم ممارسةً لهذا النحو من محاولة الإصلاح.


فمن قدمائنا مَن طلب الإصلاح الاجتماعى فى رفقٍ ولينٍ، ومنهم من أثارها حرباً شعواء على النظم القائمة فعرَّضها للخطر، وكاد يمحو سلطانها محواً»، (ثورتان، ص: ٥٥٦).


دور «الفرد» و «الجماعة» عند «طــه حسين»:


وإذ ينطلق «طــه حُسين»، كما أسلفنا، فى رؤيته للواقع من فهم عميق لدور البيئة الاجتماعية، والعناصر الموضوعية المحيطة، فى صياغة وعى الناس، وتحديد مساراتهم، وترسيم مواقفهم، فإنه يتجه، فى إدراكه لدور الفرد فى المجتمع، مع الاعتراف بأهميته، إلى تقرير أهمية الجماعة البشرية، كذلك، وتأثيرها الموضوعى على فكره وانحيازاته، ذلك أن الفرد، كما يراه، «ظاهرة اجتماعية، وإذن فليس من البحث القيّم، العلمى، فى شئ، أن تجعل الفرد كل شئ وتمحو الجماعة التى أنشأته وكونته، وأن تجتهد مااستطعت فى تحديد الصلة بينهما، وفى تعيين ماتطلبهما من أثر فى الآداب والآراء الفلسفية والنظم الاجتماعية والسياسية المختلفة»، (طــه حُسين، قادة الفكر، ١٩٢٥، مذكورة فى كامل زهيرى، طــه حُسين: رجل ومنهج، مجلة «الهلال»، عدد خاص عن « طــه حُسين»، القاهرة، فبراير ١٩٦٦، ص:١١٤.(


ولهذا فهو لا يُعَوِّلُ على شئ فى إحداث طفرة التغيير، قدرما يُعَوِّلُ على اكتساب الناس لسلاح الوعى والمعرفة. على علمهم وإدراكهم. فالحرية لا تستقيم مع الجهل، والتعليم لابد وأن يكون مُتاحاً للبشر، لضرورته لهم ضرورة «الماء والهواء»، وهو مايُحتِّم على الشعب «أن يتعلم إلى أقصى حدود التعليم، ففى ذلك وحده الوسيلة إلى أن يعرف الشعب مواضع الظلم، وإلى ان يُحاسب الشعب هؤلاء الذين يظلمونه ويذلونه وسيستأثرون بثمار عمله»، (مستقبل الثقافة فى مصر).


«العدل» و «الحرية» .. أمل الإنسانية:


ولأن «طـَه حُسين»، فى النهاية، أديبٌ مطبوع، وإنسانٌ حسّاس، وليس «حيواناً سياسياً» بالمعنى المبتذل للكلمة، فهو يدرك بعمق أزمة الوجود الإنسانى، وتمزقه مابين طموحه إلى «الحرية» من جهة ونشدانه «العدل» من جهة أخرى، وهو ذات الصراع الوجودى المحتدم بقوة فى النفس الإنسانية، الذى عبّر عنه الكاتب اليونانى العظيم «نيكوس كازانتزاكيس»، فى روائعه «المسيح يصلب من جديد»، و»الحرية والموت»، و»الأخوة الأعداء»، وغيرها.


فالنظم السياسية انقسمت بعد الحرب العالمية الثانية، إلى «يسار» يُعلى من قيمة «العدل الاجتماعى»، حتى وإن قبل بتراجع قيمة «الحرية» خطوة إلى الخلف، و»يمين» يسحق قيمة «العدل» بسنابكه، بينما يرفع لواء «الحرية» التى بلا حدود، و»طـَه حُسين» فى هذا الصراع، ينحاز للقيمتين معاً، ويحلم بفيلسوفٍ مُنتظر، يجمع فى وجدانه، ويعكس فى رؤاه، المساحة المشتركة بين هذين المطلبين الإنسانيين المشروعين، ونقطة الالتقاء المأمول بين هاتين الغايتين الخالدتين: فـ «لعل يوماً من الأيام، قريباً أو بعيداً، يُرى ذلك الفيلسوف، الذى يبتكر للإنسانية مِزاجاً معتدلاً من الحياة، يتحقق فيها العدل من غير عنف، وتتحقق فيها الحرية من غير ظلم، ويذوق الناس فيها سعادة لا يشوبها بؤس ولا شقاء»، (طه حُسين، بين العدل والحرية، مجلة الكاتب المصرى، مجلد ٣، العدد ١٠، ص: ٣٠٤).