طه حسين.. محبة المعرفة لا تفترق عن الإيمان

16/11/2016 - 2:06:24

بقلم: محمد حبيب

“التعليم كالماء والهواء ..حق للجميع» عبارة صكها وفُعلها عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين طوال حياته، وليس فقط عندما كان وزيرا للمعارف العمومية (التعليم) عام ١٩٥١، فطوال عمره الذى امتد لنحو ٨٤ عاما تميز الدكتور طه حسين بشغفه للمعرفة ونهمه لتحصيلها ، وامتلك طموحا وصبرا إلى اقتحام المصاعب العديدة فى سبيل تحصيل العلم والاستزادة منه من دون شبع أو جزع؛ فالمنهموم بالعلم لا يشبع منه أبدًا.


كان يرى أن طلب العلم وتحصيله وتخطى صعوباته هى السعادة الحقيقية والمتعة التى لا تدانيها متعة أخرى ، وربما كان هذا سر معاناته ، فهو يريد أن يعرف الحقيقة ويسعى اليها بالمنطق والعقل ، ويجهر بما يصل إليه ، حتى لو كان هذا الذي يجهر به يصطدم مع ما يعتنقه الاخرين من أراء وأفكار .


منذ صباه دأب طه حسين على اكتساب العلم وكلما حصل نصيبا من المعرفة ازداد شعوره بالحاجة إلى أن يحصل شيء آخر أبعد منه، عندما دخل كتاب القرية فى “عزبة الكيلو” بالمنيا تعلم طه حسين اللغة العربية والحساب وتلاوة القرآن الكريم وحفظه فى مدة قصيرة أذهلت أستاذه وأترابه ووالده، الذى كان يصحبه أحيانًا لحضور حلقات الذكر، ثم بعدما التحق بالأزهر الشريف حصل فيه ما تيسر من الثقافة، ونال شهادته التى تخوله التخصص فى الجامعة، لكنه ضاق ذرعًا فيها، فكانت الأعوام الأربعة، التى قضاها فيها- وهذا ما ذكره هو نفسه- وكأنها أربعون عامًا، وذلك بالنظر إلى رتابة الدراسة، وعقم المنهج، وعدم تطور الأساتذة والشيوخ وطرق وأساليب التدريس.


فطه حسين لم يكن يسعى للحصول على شهادة فقط بل كان يهتم بجودة التعليم وفائدة ما يتعلمه وقيمته وكان يرى أن من أهم شروط التقدم هو العقلانية، باعتبارها حركة للفكر، الذى يضع كل شىء موضع الشك، والتزاما بالعلم، والسعى نحو المعرفة المتغيرة دون وصاية دينية أو قوة تسلطية بما فى ذلك حق الاجتهاد، الذى يحتمل الخطأ والصواب.


ولما فتحت الجامعة المصرية أبوابها سنة ١٩٠٨ كان طه حسين أول المنتسبين إليها، فدرس العلوم العصرية، والحضارة الإسلامية، والتاريخ والجغرافيا، وعددًا من اللغات الشرقية كالحبشية والعبرية والسريانية، وظل يتردد خلال تلك الحقبة على حضور دروس الأزهر والمشاركة فى ندواته اللغوية والدينية والإسلامية.. ودأب على هذا العمل حتى سنة ١٩١٤، وهى السنة، التى نال فيها شهادة الدكتوراه عن أستاذه «أبى العلاء المعرى» ما أثار ضجة فى الأوساط الدينية وقتها، وفى ندوة البرلمان إذ اتهمه أحد أعضاء البرلمان بالمروق والزندقة والخروج على مبادئ الدين الحنيف!


وفى العام نفسه،١٩١٤ سافر إلى مونبيليه بفرنسا، لمتابعة التخصص والاستزادة من فروع المعرفة والعلوم العصرية، وكان هذا تحديا كبيرا له فكيف له، وهو فى تلك الظروف أن يسافر إلى تلك البلد البعيدة، التى لا يعرف عنها شيئا ولا يجيد لغتها ولم تكن أسرته ثرية حتى تعطيه أموالا لهذه المغامرة، التى لم تخطر على بل أحد لا من أسرته ولا بيئته ولا للذين يعرفونه، لكنه قرر خوض التجربة فجينات العلم في دم طه حسين وبالفعل درس فى جامعة مونبيليه الفرنسية وآدابها، وعلم النفس والتاريخ الحديث.. بقى هناك حتى سنة ١٩١٥، ثم عاد إلى مصر، فأقام فيها حوالى ثلاثة أشهر أثار خلالها معارك وخصومات متعددة، محورها الكبير بين تدريس الأزهر وتدريس الجامعات الغربية ما حدا بالمسؤولين إلى اتخاذ قرار بحرمانه من المنحة المعطاة له لتغطية نفقات دراسته فى الخارج، لكن تدخل السلطان حسين كامل وحال دون تطبيق هذا القرار، فعاد إلى فرنسا من جديد لمتابعة التحصيل العلمي، ولكن فى العاصمة باريس فدرس فى جامعتها مختلف الاتجاهات العلمية فى علم الاجتماع والتاريخ اليونانى والرومانى والتاريخ الحديث وأعد خلالها أطروحة الدكتوراه الثانية وعنوانها: الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون.


كان ذلك سنة ١٩١٨ إضافة إلى إنجازه دبلوم الدراسات العليا فى القانون الروماني، والنجاح فيه بدرجة الإمتياز، وفى غضون تلك الأعوام كان قد تزوج من سوزان بريسو الفرنسية السويسرية، التى ساعدته على الاطلاع أكثر فأكثر بالفرنسية واللاتينية، فتمكن من الثقافة الغربية إلى حد بعيد.


وصل طه حسين لأرفع المناصب العلمية فلما عاد إلى مصر سنة ١٩١٩ عُين أستاذا للتاريخ اليونانى والرومانى فى الجامعة المصرية، وكانت جامعة أهلية، فلما ألحقت بالدولة سنة ١٩٢٥ عينته وزارة المعارف أستاذًا فيها للأدب العربي، فعميدًا لكلية الآداب فى الجامعة نفسها، وذلك سنة ١٩٢٨، لكنه لم يلبث فى العمادة سوى يوم واحد، إذ قدم استقالته من هذا المنصب تحت تأثير الضغط المعنوى والأدبى، الذى مارسه عليه الوفديون، خصوم الأحرار الدستوريين، الذى كان منهم طه حسين.


وفى سنة ١٩٣٠ أعيد طه حسين إلى عمادة الآداب، لكن وبسبب منح الجامعة الدكتوراه الفخرية لعدد من الشخصيات السياسية مثل عبد العزيز فهمي، وتوفيق رفعت، وعلى ماهر باشا، ورفض طه حسين لهذا العمل، أصدر وزير المعارف مرسوما يقضى بنقله إلى وزارة المعارف، لكن رفض العميد تسلم منصبه الجديد اضطر الحكومة إلى إحالته إلى التقاعد سنة ١٩٣٢.


وفى العام ١٩٣٤ أعيد طه حسين إلى الجامعة المصرية كأستاذ للأدب، ثم بصفة عميد لكلية الآداب ابتداء من سنة ١٩٣٦. وبسبب خلافه مع حكومة محمد محمود استقال من العمادة لينصرف إلى التدريس فى الكلية نفسها حتى سنة ١٩٤٢، سنة تعيينه مديرًا لجامعة الإسكندرية، إضافة إلى عمله الآخر كمستشار فنى لوزارة المعارف، ومراقب للثقافة فى الوزارة عينها.. وفى عام ١٩٤٤ ترك الجامعة بعد أن أُحيل إلى التقاعد.


وفى سنة ١٩٥٠، صدر مرسوم تعيينه وزيرًا للمعارف، وبقى فى هذا المنصب حتى سنة ١٩٥٢، تاريخ إقالة الحكومة الوفدية بعد حريق القاهرة في ٢٥ يناير.


وخلال فترة استوزاره عمد طه حسين إلى نشر التعليم والاهتمام به والتوسع فى مجانية التعليم وتقديم محتوى تعليمى متميزوليس شكليا كما يحدث الأن في مدارسنا .. طبق طه حسين مقولته «التعليم كالماء والهواء حق للجميع» فعلا وقولا، وكانت جهوده أساسا للبناء عليه بعد ثورة ٢٣ يوليو.


من هنا فطوال عمره، وهب الدكتور طه حسين نفسه للعلم ، متعلما وعالما ، صابرا على المكاره والصعوبات، التى واجهها فى سبيل ذلك، ودائما ما كان يجهر بما يرى أنه الحق مهما عرضه ذلك لصعوبات ومشكلات كان أشدها أزمة « في الشعر الجاهلى».