عن طه حسين.. هذا الممنوع دائماً!

16/11/2016 - 2:04:18

بقلم: أحمد النجمى

جيلنا - الذى تجاوز الأربعين ولم يبلغ الخمسين بعد - درس فى الصف الأول الثانوى رواية تحمل اسم «أحلام شهر زاد» لطه حسين.. وحين وصلنا إلى الثانوية العامة «ثالثة ثانوى حينئذ»، درسنا كتاب «الشيخان» لطه حسين أيضًا «فى الدفعات التى سبقتنا إلى هذه السنوات الدراسية، كانوا يدرسون رواية «الأيام» فقط لطه حسين.. ارتبك معلمو اللغة العربية حين تم تكليفهم بتدريس «أحلام شهر زاد» لأول مرة فى المدارس، حدث ذلك قبل ٢٧ عامًا من الآن، وعادوا ليرتبكوا حين قاموا بتدريس «الشيخان» بعدها بعامين.. كانوا يدرسونها بعد غياب طويل عن تدريسها فى المدارس !


هكذا كان د. طه حسين بكل إنتاجه الفكرى غائبًا عن التعليم المصرى، والنشء المصرى، والفضاء المعرفى المصرى، أو كان بتعبير أدق.. «مغيبًا» عن كل هذا.. غير مسموح بحضوره إلا من خلال “الأيام”، فكأن د. طه حسين كان مغيبًا «بقرار سياسى» إلا من خلال “الأيام”، والتى كان الطلاب يدرسون جزءًا واحدًا منها، كان هذا الجزء أيضًا مختارًا بعناية.. بحيث لا يفهم القارئ من خلاله المشروع الفكرى لطه حسين!


كانت الدولة المصرية - إذن - تتحسس رأسها كلما ذكر طه حسين.. صحيح أن اسمه كان يحتفى به فى وسائل الإعلام الرسمية، لكنه لم يكن مسموحًا بتسريب المزيد عنه إلى النشء - فى المدارس- وكأن الأمر مقصود! إلى أن أتى رجل اسمه «د. حسين كامل بهاء الدين» لوزارة التربية والتعليم، فقررت الوزارة فى عهده «أحلام شهر زاد» لأولى ثانوى.. و»الشيخان» للثانوية العامة!


لم نكن ونحن طلاب صغار نعرف بهاء الدين، كل ما عرفناه عنه أنه رجل لطيف بشوش زارنا فى “الإبراهيمية الثانوية” صباح أول يوم دراسى فى الثانوية العامة، دخل فصلنا “٣ أدبى رابع».. كنت فى هذه اللحظة واقفًا أقرأ - من على السبورة - ما كتبه أستاذ اللغة الفرنسية «مسيو إسماعيل رحمة الله عليه».. دخل الوزير وقال لى: كمل يا حبيبى.. أكملت، استحسن د. بهاء الدين قراءتى وقال لى: شاطر يا حبيبى! و»طبطب» على كتفى بأبوة حنون لا أنساها إلى اليوم.. هذا هو وزير التعليم الذى استعاد لطلاب المدارس الثانوية أعمال العميد العظيم د. طه حسين، ومضى هذا الوزير ينهض بالتعليم المصرى، كما عرف الجميع بعد ذلك.. !


وهكذا، اكتشفنا بعد أن كبرنا قليلًا - وبعد مرور هذا الموقف بسنوات قليلة - أن من يعجب بطه حسين ويبشر بأفكاره، لابد أن يكون مستنيرًا مثل حسين كامل بهاء الدين، وأن من يعمل على نشر أفكاره هذه.. لابد أن يكون مؤمنًا بمشروع نهوض لهذا الوطن.. وأن من يقف ضد مشروع طه حسين - الذى تركز بقوة فى كتابه الشهير “مستقبل الثقافة فى مصر “- لابد أن يكون معاديًا للتقدم بصورة أو بأخرى.. متعصبا أو منغلقًا، أو قد يكون متطرفًا دينيًا.. فكل فرق الإسلام السياسى بلا استثناء تناصلت د. طه حسين العداء.. أما «نظام مبارك» فكانت له حسابات سياسية يمالئ فيها «المحظورة» وفرقًا سياسية إسلامية أخرى، فكان- بالتالى- يذكر طه حسين فى أضيق الحدود.. !


نحن إذن أمام ظاهرة فريدة.. أن يكون فى مجتمع ما قطاع يرفض المشروع الفكرى لرجل، وفى الوقت ذاته.. فإنه هذا الرجل يمثل ركيزة كبيرة فى ثقافة هذا المجتمع.. فأى تناقض هذا؟ وأى خسارة فادحة تتحقق لمصر - يوميًا - بخروج «طه حسين» من رصيدنا؟.. نعم، يحترمه المثقفون، ويلقبه الإعلام الرسمى والخاص بـ «عميد الأدب العربى»، لكن طه حسين «ممنوع» من عقولنا.. لا ندرس أفكاره، “غير مسموح بالتداول”.. شعار يتم تنفيذه كل صباح مع أفكار طه حسين، إلا فى جلسات المثقفين، أو الندوات، أو الحلقات النقاشية.. !


لا أقول إن أفكار طه حسين هى «المنقذ من الضلال»، ولا أزعم أنها المخرج الوحيد من كل أزماتنا، بل أقول بأنها تستحق الدراسة، والمناقشة، والتفكير، يؤخذ منها.. ويترك منها، فهى مشروع مهم للغاية، يمثل أحد أهم التطورات فى الفكر المصرى المعاصر، سبقته مشاريع أخرى وتلته مشاريع أخرى.. لا يجوز أن نتناول كل المشاريع الفكرية ونترك واحدًا، أيها السادة.. مشروع د. طه حسين الفكرى لا يسكنه شيطان، ولا يتخلله الكفر، أنه مشروع شامل للنهضة التعليمية والثقافية، من المستحيل أن يجتزئ البعض من هذا المشروع الضخم المتجسد فى كتب الرجل وأوراقه وندواته وحواراته كتابًا واحدًا فقط «الشعر الجاهلى» ليصور طه حسين على أنه «الشيطان الرجيم»!


ما دمنا بعيدين عن الانفتاح على أفكار طه حسين، فسنبقى بعيدين عن أى مشروع للنهضة الحقيقية فى التعليم والثقافة، ومادام طه حسين «ممنوعًا»، فسنظل ممنوعين من قفزة كبيرة إلى الأمام.. نتمناها!