بعد ترامب.. السعودية تحتاج أكثر لمصر

16/11/2016 - 1:42:11

  الرئيس السيسى وخادم الحرمين الشريفين.. السعودية سوف تكون فى حاجة أكثر لمصر فى الفترة القادمة الرئيس السيسى وخادم الحرمين الشريفين.. السعودية سوف تكون فى حاجة أكثر لمصر فى الفترة القادمة

بقلم - عبدالقادر شهيب

بدون مقدمات وبصراحة شديدة.. المملكة العربية السعودية سوف تكون فى حاجة أكثر، بان بعد فوز ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية ودخوله البيت الأبيض.. وإذا كان بعض الإخوة فى السعودية يحاولون الآن طمأنة أنفسهم بأن ترامب الرئيس سوف يختلف عن ترامب المرشح، فإنهم يرتكبون ذات الخطأ الذى سبق أن ارتكبوه من قبل حينما راهنوا على فوز هيلارى كلينتون فى السباق الرئاسى.. نعم ترامب الرئيس سوف يختلف عن ترامب المرشح..


أى أنه لن ينفذ كل ما قاله خلال حملته الانتخابية، ليس فقط لأنه ليس مطلق اليد لوجود مؤسسات تشاركه الحكم وتشاطره مسئولية اتخاذ القرارات، وأنا أيضًا، لأن بعض ما قال به كان لأغراض انتخابية، أى لجذب أكبر عدد من أصوات الناخبين، وهذا ما نتبينه من تراجعه سريعًا عن إلغاء نظام التأمين الصحى لأوباما والإعلان عن مجرد تعديلات له فقط.. لكن ترامب فى ذات الوقت لن يلفظ كل ما قاله ووعد به الناخبين خلال حملته الانتخابية، وها هو بعد أن تم حذف كلامه العدائى ضد المسلمين على موقعه يعيده مجددًا، وها هو أيضًا يؤكد أنه سوف يطرد نحو ثلاثة ملايين من المهاجرين غير الشرعيين.. ولذلك فإن علاقة السعودية بأمريكا فى ظل حكم ترامب سوف تختلف عن تلك العلاقة فى ظل حكم أوباما.. بل إن الأساس الذى قامت عليه هذه العلاقة منذ قيام المملكة معرض للتغيير، فى ظل قناعات لدى الرئيس الأمريكى الجديد.. ولذلك ستجد المملكة العربية السعودية نفسها فى حاجة أكبر لمصر وهى تصوغ علاقة جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على أسس مختلفة، غير الحماية التى قدمها الأمريكيون للسعودية على مدار تاريخ بلدهم.. ثمة أسباب مختلفة سوف تجعل السعودية أكثر حاجة لمصر، أو أكثر حاجة لعلاقة طيبة وقوية معها خالية من الشوائب والهواجس والتوترات.


وأول هذه الأسباب تلك القناعة شبه الثابتة لدى ترامب وعبر عنها فى أحاديثه الصحفية والجماهيرية خلال الحملة الانتخابية، وفيها يحمل السعودية قدرًا من مسئولية الإرهاب الذى تعانى منه منطقتنا، بل والعالم كله سواء برعاية الفكر الدينى المتطرف، أو بدعم عدد من المنظمات المتورطة فى ممارسة العنف فى عدد من دول المنطقة يأتى على رأسها سوريا بالطبع.. وصحيح أن ترامب يجاهر بما كان يتحدث عنه مواربة أمريكان آخرون لكن ليس معنى ذلك أن قناعته هذه قد تقوده إلى أن يتعامل هو وإدارته مع السعودية بطريقة مختلفة أقل سلاسة وأكثر خشونة مما كانت ستفعل هيلارى كلينتون إذا ما فازت فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية وصارت أول رئيسة امرأة للولايات المتحدة.. فهى رغم انتقاداتها غير المباشرة للسعودية والعديد من الدول الخليجية فى كتابها، إلا أنها كانت ومازالت تعتبرها حليفة أساسية لأمريكا يجب الحفاظ على علاقة مستقرة معها.


وهذا ينقلنا إلى السبب الثانى ويتمثل فى قناعة ترامب بأنه على أمريكا أن تحصل على ثمن كل ما تقدمه لأية دول أخرى، سواء كانت عربية أو أوربية.. فقد أعلن أنه لن يوفر حماية أمريكية مجانًا لأحد.. وقد أدرك ذلك الأوربيون وأحسوا بالانزعاج بسببه.. أما المراهنة على أن ترامب الرئيس سوف يختلف عن ترامب المرشح فهى مراهنة غير مضمونة، لأن ترامب الذى جاء من صفوف رجال الأعمال ويتباهى بنجاحه فى شئون البزنيس واعتبر التهرب من دفع الضرائب شطارة سوف يقود أمريكا كصاحب شركة وليس كرجل دولة.. وصاحب الشركة يهمه دومًا تخفيض نفقاتها وزيادة إيراداتها، وبالتالى مضاعفة أرباحها ومكاسبها، خاصة أنه مؤمن بفكرة أن أمريكا قبل الجميع.. لذلك سوف يراجع العلاقة مع العديد من الدول ومنها السعودية.. وإزاء ذلك سوف تجبر السعودية نفسها لحشد مصادر القوة لديها إقليميًا وعربيًا على الأقل لتقليل ما ستضطر لدفعه من ثمن لأمريكا مقابل استمرار حمايتها أو بعض من هذه الحماية، فى ظل إحساسها بخطر التمدد والتوسع للنفوذ الإيرانى فى المنطقة، والذى وصل إلى حدودها من خلال الحرب التى تقودها مع الحوثيين ليس فى اليمن فقط وإنما أيضًا على الحدود السعودية اليمنية.. وأيضًا فى ظل الصعوبات المالية التى بدأت تواجهها مع انخفاض أسعار النفط العالمية.


ويرتبط بذلك السبب الثالث والذى يتمثل فى تلك الرؤى الانغرالية التى يتبناها الرئيس الأمريكى الجديد ترامب والتى تقوم على عدم التورط فى النزاعات الإقليمية العديدة وتركيز جل اهتمامه على إعادة ما أسماه قوة أمريكا والنهوض بها اقتصاديًا.. وهذا سوف يترتب عليه زيادة فى وزن القوى الإقليمية فى العالم، وتحديدًا فى منطقتنا وتحديدًا زيادة الدور الذى ستلعبه دول فى المنطقة مثل إيران وتركيا وأيضًا مصر.. وإذا كانت السعودية تخشى إيران وسياستها العدائية لها وللعرب، فإنها ستجد نفسها فى حاجة أكبر لمصر، خاصة فى إيجاد حل للأزمة السورية والأزمة اليمنية، خاصة أن التقارب السعودى التركى لم يحقق لها شيئًا يذكر فى تلك الأزمتين.. وبالنسبة لسوريا فإن العلاقات الطيبة التى تربط مصر بروسيا سوف تحتاج إليها السعودية فى ظل التزايد المتوقع فى الدور الروسى فى سوريا بعد أن أعلن ترامب أنه لا يعارض هذا الدور وفى ذات الوقت لا ينوى دعم المعارضة السورية المسلحة.. أما بالنسبة لليمن فإن السعودية التى أدركت أن الحل العسكرى مستحيل فى اليمن، وأن استمرار الحرب فيها لن يحقق فى نهاية المطاف شيئًا لا بالنسبة لاستقرار اليمن أو لاستقرار الحدود اليمنية السعودية فإنها سوف تحتاج لمصر التى قد يكون دورها مقبولًا من بقية أطراف الأزمة، خاصة أنها تتبنى - رغم مشاركتها فى تأمين حرية المرور فى مضيق باب المندب - منذ وقت مبكر الحل السياسى لهذه الأزمة.


وليس بعيدًا عن ذلك السبب الرابع والذى يتمثل فى أن ترامب ستكون له علاقة مختلفة مع بوتين.. علاقة تخلو من العداء، بل على العكس الإعجاب والتقدير، والأهم القبول بدور روسى فى العالم، وخاصة فى منطقتنا، فى ظل النهج الانسحابى الذى يتبناه ترامب حتى لا يبدد جهوده التى يبغى تركيزها على إعادة بناء الاقتصاد الأمريكى الذى يرى أنه يعانى من مشاكل جمة.. وهذا سوف لا يطلق فقط يد الرئيس بوتين فى منطقتنا وإنما سيجعله لاعبًا رئيسيًا فى الكثير من مشاكلنا وأزماتنا التى تسعى السعودية إلى إيجاد حل لها، خاصة أنه تربطه الآن علاقات طيبة مع معظم القوى الإقليمية منها «إيران وتركيا» وأيضًا مصر.. وستكون مصر مفيدة للسعودية فى مد جسور سوف تجد نفسها فى حاجة إليها مع روسيا، وسبق أن حاولت أن تصنعها وإن كانت لم تستمر فى محاولاتها هذه بعد اتساع الدور الروسى العسكرى فى سوريا.


وأخيرًا فإن السبب الخامس الذى سيجعل السعودية فى حاجة أكبر إلى مصر بعد انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة يتمثل فى تلك المعرفة المبكرة التى حدثت بين الرئيس السيسى والرئيس الأمريكى الجديد، والتى تمت من خلال اللقاء الذى تم بينهما فى نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وبناء على طلب ترامب.. وهى معرفة تمهد لإقامة علاقة طيبة بين الرئيسين تختلف عن تلك العلاقة الفاترة التى كانت موجودة بين الرئيس السيسى والرئيس أوباما، ويشى بذلك تصريحات ترامب التى أدلى بها بعد هذا اللقاء والتى تتضمن إشادة بالرئيس السيسى ودوره هو وبلاده فى محاربة الإرهاب، وتتضمن أيضًا تعهدا بعلاقة قوية بين مصر وأمريكا.. كما يشى بذلك مبادرة الرئيس السيسى مبكرًا بتهنئة ترامب بالفوز فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حتى أنه كان أول رئيس فى العالم يقوم بتهنئته ويوجه له دعوة لزيارة مصر، والتى يتوقع ألا تتأخر كثيرًا بعد تولى ترامب مهام منصبه فى شهر يناير المقبل.


وهذه العلاقة بين الرئيس السيسى والرئيس ترامب والمرشحة لأن تكون طيبة سوف يجد السعوديون أنفسهم فى حاجة لاستثمارها لتوصيل آرائهم ورؤاهم إلى البيت الأبيض.. ففى مقدورهم أن يجدوا فى الرئيس السيسى قناة آمنة وأمينة وسالكة لهم مع البيت الأبيض الأمريكى، خاصة أن علاقتهم بالرئيس الأمريكى الجديد لن تكون فى ذات مستوى علاقتهم مع رؤساء أمريكيين سابقين بمن فيهم أوباما.. فهم متهمون من قبل الحملة الانتخابية لترامب بأنهم كانوا داعمين ومؤيدين ومساندين لحملة منافسته هيلارى كلينتون، وهذا سوف يلقى بالطبع بظلاله على العلاقات المستقبلية بين السعودية وأمريكا.


وهكذا.. ثمة أسباب عديدة ومتنوعة تصوغ حاجة المملكة العربية السعودية لمصر بعد فوز ترامب فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية.. وأية قراءة هادئة وموضوعية لعالمنا ولمنطقتنا بعد ترامب سوف تفضى بالسعودية إلى هذه الحقيقة.. فإن تولى ترامب رئاسة أمريكا وفى ظل أغلبية جمهورية سوف تسانده سوف يترتب عليها تغيرات ليست بالقليلة سوف يكون لمنطقتنا نصيب ليس قليلًا منها.. وهذه التغيرات ستكون إيجابية فى الأغلب بالنسبة لمصر، ولن تكون هكذا بالنسبة للسعودية، فى ظل قناعات سلبية تجاه السعودية يتبناها ترامب ولا يعارضه فيها الجمهوريون الذين يسيطرون على الكونجرس، والأهم فى ظل الطريقة التى سوف يدير بها ترامب الولايات المتحدة كشركة وليس كدولة يبغى من تحقيق أكبر الأرباح والمكاسب ويتجنب دفع النفقات.


ولا ينال من هذه التوقعات رهانًا على أن ترامب الرئيس سوف يختلف عن ترامب المرشح.. فحتى لو حدث ذلك، وهو سوف يحدث بقدر بالطبع وفى إطار محدود، إلا أن جوهر مواقف وقناعات وسياسات ترامب خاصة بالنسبة لموضوع الإرهاب ومواجهته وتجاه دول الخليج لن يصيبه تغيير فى ظل أيضًا أغلبية الجمهوريين فى الكونجرس التى تمكنهم من فرض مواقفهم التى سبق أن جاهروا بها والتى كانت تتعارض مع سياسات أوباما فى مواجهة داعش والإرهاب، وكانت تتضمن مؤاخذات على العلاقات الأمريكية مع الشقيقة السعودية.. وقد ظهر ذلك واضحًا فى إقرار قانون جاستا، رغم معارضة أوباما ونقضه له، وهو القانون المعروف أمريكيا بأنه يستهدف المملكة العربية السعودية أساسًا.


لذلك.. السعودية سوف تحتاج لمصر أكثر من ذى قبل بعد تولى ترامب الحكم فى أمريكا.. وهذا يفرض تنقية العلاقات المصرية السعودية مما لحق بها من شوائب أثرت بالسلب عليها مؤخرًا، حينما أعربت السعودية على لسان مندوبها فى مجلس الأمن عن غضبها من تصويت مصر لصالح المشروع الروسى الخاص بسوريا، وهو ما اقترن أيضًا بتصرف غير مفهوم وليس مقبولًا بوقف تنفيذ اتفاق تجارى بين مصر وشركة أرامكو السعودية لتوريد منتجات بترولية إلى مصر شهريًا فى وقت تعرف السعودية أن ذلك يمثل ضغطًا على احتياطيات النقد الأجنبى الذى تحتفظ به مصر.


وتنقية العلاقات بين مصر والسعودية من الشوائب قد يحتاج لتدخل وسطاء عرب أشقاء مثل الإمارات والكويت والبحرين، ولكنه يحتاج أكثر لحوار مباشر مصرى سعودى.. حوار صريح مفتوح يتضمن كل جوانب هذه العلاقات السياسية والاقتصادية والإعلامية حتى لا تترك أمور حدثت عالقة فى النفوس تعوق إصلاح هذه العلاقات وتحسينها وحمايتها من التوتر.. وحتى يتفهم كل طرف مواقف الطرف الآخر ويتجنب ما قد يثير غضبه أو ضيقه، فى ظل قناعة يجب أن تكون مشتركة تمثل فى أنه من حق كل دولة عربية أن تنتهج ما تراه من سياسات وتتخذ ما تشاء من مواقف ما دام ذلك لا يضر الأمن القومى العربى، ولا يعد تدخلًا فى شئون دولة أو دول أخرى.. وأن الوصاية من طرف على بقية الأطراف العربية غير مقبولة.. وأن تقديم الدعم والمساندة للأشقاء العرب هو واجب لا يجب أن يكون ثمنه استقلال قراره.. وقبل ذلك كله –قناعة بأن مصر ليست هى التى تحتاج وحدها للسعودية.. وإنما السعودية أيضًا تحتاج لمصر.. وهذه الحاجة زادت أكثر مؤخرًا بعد أن صار ترامب رئيسًا للولايات المتحدة.. لأن مصر وحدها التى ستكون عونًا للسعودية فى مواجهة أية تصرفات أمريكية تضربها وليست تركيا.