لماذا ظهر المشير طنطاوى فى ميدان التحرير يوم ١١ نوفمبر؟

16/11/2016 - 1:39:52

  المشير طنطاوى فى ميدان التحرير ١١ نوفمبر ويحيى المواطنين المشير طنطاوى فى ميدان التحرير ١١ نوفمبر ويحيى المواطنين

بقلم: أحمد أيوب

فى عام ٢٠١١ وخلال الأيام الأولى للثورة فوجئ الجميع بالمشير حسين طنطاوى وزير الدفاع وقتها يتجول فى منطقة ميدان التحرير وماسبيرو ويتفقد القوات الموجودة ويطمئن على رجال القوات المسلحة المنتشرين فى الميدان لحماية الثورة.


كانت رسالة المشير من تواجده التأكيد أن الجيش يقف بجانب الشعب وليس ضده، كما أراد أن يشد على يد جنوده المرابطين فى الميدان لحماية الثورة.


كان لهذه الزيارة وقعها على كل من فى الميدان وتأكدوا جميعا أن الجيش قد حسم أمره لصالح الشعب وليس ضده.


وبعد أيام من هذه الزيارة أعلن مبارك تنحيه وتولى المشير محمد حسين طنطاوى مسئولية البلاد كرئيس للمجلس العسكرى.


لم تمر سوى شهور قليلة حتى ظهر المشير طنطاوى مرة أخرى لكن بالزى المدني، منطقة قصر النيل القريبة من ميدان التحرير، ظهر المشير طنطاوى مترجلا ودون أى حراسة، فقد كان يومها فى أحد حفلات الزفاف بفندق بوسط القاهرة وفى طريق عودته قرر أن يتخلى عن الرسميات ويتجول فى الميدان وسط المواطنين ويتحاور معهم، وكانت هذه أول مرة يظهر فيها المشير بالزى المدنى وسط الناس.


وقتها تعددت التفسيرات وزادت الاجتهادات حتى وصلت إلى توقع البعض بأن هذه الجولة سياسية وراءها رغبة كامنة داخل المشير لخوض انتخابات الرئاسة، وأنه يريد أن يقدم نفسه للمصريين كرجل مدنى بسيط، وفى الوقت نفسه يختبر شعبيته فى الشارع، ومرت الأيام واكتشف الجميع أن توقعاتهم لا علاقة لها بالواقع وأن الرجل ليس عاشق سلطة ولا طامعا فى المناصب وإنما كان فى جولته بالميدان يريد أن يوجه رسالة للجميع بأن مصر آمنة وأن منطقة وسط البلد التى حاول البعض تصويرها بؤرة ساخنة فى قلب العاصمة هى فى الحقيقة مكان آمن.


بعد شهور قليلة من هذه الجولة التى أثارت تساؤلات على كافة المستويات أنهى المشير مهمته وسلم البلاد لمن انتخبه المصريون وسط اعتراضات وغضب، بل واتهامات له بالتفريط فى المسئولية، لكنه أراد أن يوجه رسالة جديدة للعالم كله بأن القوات المسلحة ليست راغبة فى السيطرة على مقاليد الحكم ولا تريد سلطة، وإنما تريد فقط أمن مصر واستقرارها، وأنها أمينة على مصر تحميها وتحترم دستورها وإرادة شعبها، وطالما اختار الشعب رئيسا، فالقوات المسلحة أول من يحترم ذلك.


فى الوقت نفسه كان الخيار الوطنى لهذا القائد العسكرى أن يسلم الأمانة فى قيادة جيش مصر لمن يراه مؤتمنًا على المسئولية ويثق فى أنه لن يبيع الوطن لجماعة حمقاء خائنة للوطن.


فقد ترك المشير المسئولية بعد أن اطمأن لوجود واحد من أبناء المؤسسة العسكرية المخلصين لمصر، وهو اللواء عبدالفتاح السيسى، الذى رقى إلى رتبة الفريق أول وعين قائدًا عامًا وزيرًا للدفاع والإنتاج الحربى.


وكأى قائد عسكرى يحترم نفسه وتاريخه أخذ المشير طنطاوى خطوة للخلف تاركًا الساحة لمن يعلم تمامًا قدراتهم وتفانيهم فى سبيل الوطن. كان تراجعًا دافعه الحرص على مصر التى رآها المشير تتعرض لمؤامرة يتطلب مواجهتها كثير من الذكاء العسكرى والحنكة السياسية.


تركها بعد أن وجد البيت الأبيض يقود بنفسه المخطط التمكينى للإخوان وجاءت هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها للقاهرة لتقول للمشير إنه لايجوز أن يكون فى مصر رئيسان وعليه أن يترك السلطة ويغادر موقعه ليترك الساحة لمرسى وجماعته يفعلون بالبلاد ما يشاءون.


كان يملك المشير أن يصر على البقاء ويواجه الأطماع الإخوانية المحمية بالأمريكان، وكان قادرًا على هذا لأن وراءه جيشا وطنيا يعلم حرصه على مصلحة مصر ولن يخذله، لكنه فضل ألا يدخل البلاد فى نفق مظلم وألا يمهد الطريق بيده لمؤامرة يراها واضحة كالشمس.


فقد رأى وقتها أن الحفاظ على الوطن له طريق آخر أفضل، وكان الخيار الذى كشف عن بصيرة هذا الرجل وقدراته كقائد يعرف كيف يكسب جيشه المعركة بأقل قدر من الخسائر.


كانت الجملة التى ترددت وقتها “لم نترك مصر للإخوان.. وإنما سلمنا الإخوان للشعب”.


كان مفهوم الجملة أن الشعب هو الذى سيكشف حقيقة هذه الجماعة وادعاءها. وقد حدث ما توقعه القائد ورجاله. وكشف الشعب إجرام وخيانة الجماعة التى تحكم فثار عليها فى ٣٠ يونيه وقبل أن يمر عام كامل على حكمهم كما توقع المشير، ليسقط الشعب شرعيته من الجماعة ويسلم البلاد أمانة لواحد من أبناء المشير الذين لا يقلون عنه إخلاصا للوطن وهو الفريق أول عبدالفتاح السيسى.


لم يزايد المشير طنطاوى ولم يتاجر بموقفه، بل ظل محافظًا على صمته متحملًا كل سهام النقد التى وجهت إليه عن جهل من البعض أو لرغبة فى الانتقام منه.


قليلون هم من كانوا يعرفون حقيقة دور المشير طنطاوى فى حماية الوطن من الانهيار وكيف كانت حكمته منقذًا من كوارث ومؤامرات عدة.


كان واحدًا من العارفين بهذا الدور هو المشير عبدالفتاح السيسى، الذى كان حريصًا، بل مصرا على أن يعيد للمشير طنطاوى اعتباره شعبيًا وأن يكرمه بكل الصور سواء إطلاق اسمه على طرق جديدة أو مسجد هو الأشهر الآن فى القاهرة.


وفى كل المشاهد التى ظهر فيها المشيران، طنطاوى والسيسى، كان الاحترام ظاهرًا، والتقدير واضحًا، وحفظ الجميل حاكما فى العلاقة.


حتى عندما أصبح السيسى رئيسًا للجمهورية لم تتغير نظرته للمشير طنطاوى ولا تعامله معه، بل واصل تكريمه ليؤكد للجميع أن طنطاوى رجل وطنى حمى مصر من مخاطر جمة. وربما يعرف قيمة هذا الاحترام من يحضرون المناسبات التى تجمع الرئيس والمشير.. فيرون كيف يتعامل معه الرئيس السيسى وكيف يقدمه فى كل شىء.


وهنا مازال حاضرا أمامى مشهد كتاب الله الذى أراد مدير معهد ضباط الصف تقديمه للرئيس السيسى فى حفل تخريج دفعة جديدة، لكنه وقف بالخطأ أمام المشير فحاول الاعتذار. . لكن الرئيس السيسى رد بعفوية.. أنت عملت الصح.. وأخذ كتاب الله وقبله ثم قدمه بنفسه للمشير طنطاوى فى مشهد عكس أخلاقيات المؤسسة التى ينتمى إليها وتقدير الرئيس للأستاذية.


وكيف يحترم المقاتل قائده.. وتأكد هذا التقدير والاحترام لتاريخ المشير العسكرى فى الندوة التثقيفية، التى عقدت بمناسبة السادس من أكتوبر عندما عرض فيلمًا تسجيليًا عن معركة الحديقة الصينية وبطلها المقدم محمد حسين طنطاوى ليقدم لكل الأجيال درسا جديدا، وهو أن المشير ليس فقط رئيسا للمجلس العسكرى فى مرحلة عصيبة من عمر الوطن، وإنما واحد من أبطال نصر أكتوبر المجيد.


الأسبوع الماضى وتحديدا الجمعة ١١ نوفمبر، يوم المظاهرات الإخوانية المزعومة ظهر المشير من جديد فى ميدان التحرير، لكنه هذه المرة كان فى سيارته فاستوقفه المواطنون والتفوا حوله ليؤكدوا من جديد تقديرهم له ولدوره.


البعض اعترضوا على هذا الظهور للمشير واجتهدوا فى تفسيره وحساب نتائجه وسلبياته، والبعض الآخر اعتبره مصادفة بحتة، وفريق ثالث رحبوا به ورأوه صورة مهمة فى هذا التوقيت.


فريق رابع قريب من المشير رأوا أن هذه الجولة لا تحمل أى دلالات سياسية وإنما هى طبيعة المشير، الذى تعود كل المقربين منه على تحركاته المتكررة بعيدا عن الحراسات وتجوله بين الناس من وقت لآخر، فهو يحب هذا الأمر، ويوم الجمعة كان فى طريقه لقضاء زيارة خاصة فطلب من سائقه أن يتوجه إلى التحرير الذى يرى فيه رمزية مهمة للدولة المصرية ليسلم على من يتواجدون به من المصريين ويوصيهم على بلدهم.


وأيا كان التفسير أو السبب فى ظهور المشير فى ميدان التحرير فلن أتوقف عنده.


وإنما سأتوقف أمام عدة ملاحظات أو رسائل حملها هذا الظهور المفاجئ،


أولها أن ظهور المشير فى هذا اليوم تحديدا، أيا كان صدفة أم متعمدا، لكنه يحمل رسالة بأن مصر آمنة وأن دعوات الإخوان لا سند لها ولا تأثير.


الثانية أن وجوده بالميدان والتفاف المواطنين حوله يعكس كيف يحترم المصريون المؤسسة العسكرية، وكل قياداتها حتى من حاول البعض تشويه دورهم أو الافتراء عليهم وتحميلهم ما لا دخل لهم به.


الثالث أن نزوله إلى الشارع ووسط المواطنين فى اليوم التالى للسقوط المدوى لهيلارى كلينتون، التى كانت تقود مخطط تمكين الجماعة الإرهابية من أجل تحقيق المؤامرة الأمريكية فى المنطقة هو تأكيد جديد أن هذا الشعب لن يهزم أبدا، ومهما تعرض لمؤامرات ومهما حاولت القوى العالمية أن تفرض عليه إملاءات فسوف يبقى المصريون ويزول من يتآمر عليهم.


الرابع أن حديثه مع المواطنين فى الميدان عن مساندة دولتهم رسالة يجب أن يعيها الجميع لأنه بخبرته يرى المؤامرة مستمرة وستزيد وتيرتها الفترة القادمة، ولن يواجه هذه المؤامرة سوى تلاحم الشعب وتماسكه ومساندته لقيادته وربما يعرف كل من تعاملوا مع المشير أنه لا يفوت فرصة أو لقاء إلا ويوصى كل من يقابله بمساندة البلد والوقوف بجانب الرئيس السيسى من أجل مصر.


المؤكد أن المشير طنطاوى سيظل نموذجًا عسكريًا فريدًا يستحق التقدير والتكريم ليس على المستوى الرسمى فحسب، وإنما شعبيًا أيضًا، وإذا كانت قصة عام ونصف تقريبًا من حكم مصر لم يفرج حتى الآن عن كل تفاصيلها وكيف كان المشير ومن معه من المجلس العسكرى يمسكون جمر النار من أجل الوطن، فإن الأيام كفيلة بأن تكشف ما ترفع هؤلاء الوطنيون من الحديث عنه. وسيتبين للجميع أنهم يستحقون أن يذكرهم التاريخ المصرى بكل فخر، لأنهم لم يتاجروا بظرف الوطن ولم يخادعوا الشعب، ولم يعملوا لصالح أنفسهم، وإنما عملوا وتفانوا وضحوا من أجل مصر وفى مقدمتهم المشير طنطاوى، الذى لا يكرهه سوى من خانوا مصر ومن أفسد عليهم مؤامراتهم..