رسائل ١١/١١ للجماعة والدولة

16/11/2016 - 1:37:45

  فى ميدان التحرير .. أثبت الشعب المصرى يوم ١١/١١ أنه أكبر من دعاوى التخريب أو الفوضى فى ميدان التحرير .. أثبت الشعب المصرى يوم ١١/١١ أنه أكبر من دعاوى التخريب أو الفوضى

بقلم: أحمد بان

على عادة جماعة الإخوان المسلمين منذ لحظة خروجها من الحكم ،راهنت على خلط الأوراق من جديد وإطلاق ما تحب أن تسميه موجات ثورية متصاعدة ، تكسر أجهزة الدولة خصوصا الجيش والشرطة ،تمهيدا لهدم الدولة بالكامل وإعادة بنائها على مقاس الجماعة، ظلا باهتا وولاية مطمورة فى ثياب الخلافة المزعومة.


لم تتوقف تلك المحاولات التى نهض بها ما تبقى من جماعة الإخوان على مدار ثلاث سنوات ،متوسلة بكل إخفاق تحققه الحكومة ،أو كل أزمة حاولت أن تعالجها بموارد محدودة واقتصاد منهك إلى حد الإعياء


بداية يجب التأكيد أن الجسد الأكبر لجماعة الإخوان ،والذى دعم وصولها لأغلبية برلمانية فى عام ٢٠١٢ فى أعقاب ثورة يناير ثم حيازة مقعد الرئاسة فى واقع ملتبس ،هذه الأغلبية وتحديدا ٨٠ ٪ منها غادرت المشهد بالكلية منذ فض اعتصام رابعة العدوية ،والرسالة التى انطوى عليها مشهد الفض والذى عكس مدى قوة الدولة ،وقدرتها على التصدى لأى اعتصام وإن نظمته أكبر قوة قادرة على الحشد فى مصركانت واضحة ،لكن لم تقرأ قيادات الجماعة مشهد الفض والرسالة التى انطوى عليها ، من أن خوض معركة مع أى نظام يجب أن تكون سلمية وعبر قنوات السياسة التى دعيت لها الجماعة فى ٣ يوليو وكابرت حتى خرجت من المشهد تماما ،لأن معركتها لم تكن معركة الدفاع عن الديمقراطية بل الدفاع عن الوجود فى الحكم ،وقضيتها الخاصة وهو ما انتقده راشد الغنوشى صراحة بالقول « الدرس أن الحركة الإسلامية ينبغى أن تحرص أن لا تكون معاركها حزبية ،لا تهم غير فئة محدودة من الناس وإنما هى معارك الوطن والأمة ،معارك القطاع الأوسع من الناس ،حتى لا تجد الدولة نفسها عندما تواجه الحركة إزاء فئة قليلة معزولة، والحزب دائما فئة محدودة من الناس مهما اتسع وإنما فى مواجهة الشعب ( تأمل هذا المعنى الذى لم تدركه الجماعة ،حين تصورت أن مطالبها هى مطالب الشعب ،حيث اغترت الجماعة بأصوات حازتها فى انتخابات الرئاسة ،متجاهلة حجم عاصرى الليمون الذين رجحوا كفتها ) ولا تقوى دولة مهما عتت أن تواجه شعبا لأمد بعيد ،فإذا كان ولا بد من معركة فلنخضها بقضايا وشعارات تهم القطاع الأوسع من الناس ،فإن لم يكن ذلك ميسورا ففى الانتظار والصبر مندوحة.


يواصل الرجل تقديم نصائحه للجماعة أو بالأحرى ما تبقى منها، خصوصا هذا الجناح المسلح الذى رفع السلاح فى مواجهة الدولة ،متصورا أنه قادر على كسر الدولة عبر استنزاف طويل، تتزامن فيه مظاهرات الشوارع التى يوجهها فريق عزت ،مع عمليات جناح محمد منتصر تكامل فى ثوب الصراع ،جناح يرفع راية السلمية مؤكدا عليها فى المحافل الخارجية ،خصوصا بريطانيا وراجع ردود أسئلة إبراهيم منير على لجنة فى مجلس العموم البريطانى ،لتكتشف حجم المداراة التى يلجأ لها التنظيم فى مواجهة داعميه.


أمكن للغنوشى أن يتفادى مصير الإخوان فى مصر، بإدراكه لحقائق العالم الذى يعيش فيه ،وتأمله الطويل فى سنن العمران البشرى والتدافع بين الدول والحركات ،مؤكدا أنه فى حال إقدام حركة أو جماعة على البدء فى معركة ،يبدأ الدمار الذى يحيق بالحركة أو الجماعة وتبقى الدولة أقوى، يقول « إنه ليس أخطر فى حياة الدول والجماعات والأفراد من قرار إعلان الحرب ،إن إطلاق الرصاصة الأولى لا يعجز عنه أحد ،ولكن المنتصر إنما هو الذى يطلق الرصاصة الأخيرة ،مستشهدا بفقه ابن خلدون فى قيام الدولة وسقوطها ،وأن طبيعتها الراسخة لا تهزها غير المطالبة القوية التى قلما توفرت ،ذلك فى زمنه حيث لم يكن شيئا يمكن أن يطلق عليه نظام دولى، فكيف يكون الحال فى زماننا هذا حيث أصبحت أكثر الأنظمة الإقليمية ،التى نعارضها مجرد محميات لمراكز دولية أجنبية لو أنصف لقال إن الجماعة أليق بهذا الوصف ،حيث تحولت إلى أداة لتحقيق أهداف المستعمر القديم ،وشوكة فى خاصرة الدول يمكن من خلالها إبتزاز قرارها ومحاولة تركيعها، كما حاولت مثلا الإدارة الديمقراطية السابقة فى أمريكا ،والتى رفضت مصر بقوة ضغوطها وضحت بدفء العلاقات الطويل مع أمريكا طوال عقود.


ثم يطرح الرجل نصيحة هامة تصدقها كل الأحداث وتلح عليها رسالة حشد ١١/١١ الوهمى بالأمس ،حيث يقول « إن المواجهات التى خاضتها الحركة الإسلامية فى الوطن العربى ضد الأنظمة كانت فيها الحركة الإسلامية غالبا فى موقع الدفاع ،أى لم تكن مبادرة ولم تكن صورة المواجهة بين شعب ودولة ،بقدر ما كانت مواجهة ذات طابع حزبى أى بين حزب الحركة الإسلامية أوفصيل منها ،وبين الدولة ومثل هذه المعارك نتائجها محسومة سلفا لصالح الدولة ،إذ لا تناسب فى ميزان القوى بين حزب مهما بلغ من القوة وبين دولة مهما بلغت من الضعف ،وما أحسب أن حزبا يمكن أن يبلغ من القوة والتأييد الخارجى والإقليمى ما بلغته منظمة التحرير فى معركتها مع دولة متواضعة القوة والحجم فى المنطقة سنة ١٩٧٠، يقصد لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية ،وكانت النتيجة أن سحقت الدولة الحزب « هذه هى العبرة التى لم تفهمها الجماعة برغم مرات الصدام المتعددة مع الدولة ،على اختلاف عناوينها سواء ناصر أو السادات أو مبارك أو السيسى.


لم ينتفع الإخوان برسائل الغنوشى التى كانت قراءة عميقة لصلتها بالواقع السياسى محليا وإقليميا ودوليا ،كما أنها ترجمة أمينة لسنن الله فى كونه ، التى كان حسن البنا يشير إليها بقوله لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ولكن من يفهم !


خلاصة الرسالة التى أكدتها الشوارع الخالية والحشود الافتراضية على وسائط التواصل الاجتماعى ورسائل التضليل على الجزيرة وأخواتها ،إن الشعب الذى خرج فى ٣٠ يونيو ورغم الواقع الاقتصادى الصعب وموجات الغلاء التى حصلت على خلفية تعويم الدولار، والرفع الجزئى للدعم ،لم تفلح فى تثوير الناس أو دفعهم لأن يكونوا غطاء لفوضى جديدة تحت أى عنوان مضلل ،سواء ثورة الغلابة أو غيرها من العناوين ،الرسالة أن الشعب يملك من الوعى الجمعى واليقظة ما يجعله فى منعة من دعاوى التثوير أو الفوضى، الشعب يريد أن يحافظ على الدولة متماسكة فى نسيجها ومؤسساتها ،ورغم كل ذلك الوعى والنضج فإن عدم استجابة الشعب لدعاوى الخروج فى ١١/١١ ينطوى على رسالة أهم للنظام السياسى وللحكومة ، تقول الشعب يدرك صعوبة الوضع الاقتصادى ،وسيصبر على مرارة الدواء وسيدعم الإجراءات الاقتصادية الصعبة، لكنه يريد أن يرى همة مكافئة فى مكافحة الفساد ومحاسبة المقصر، وأن الرقابة التى تبدو غائبة فى البرلمان الحالى ينبغى أن تنشط حوافز الرقابة فى رأس السلطة التنفيذية ،عبر إجرءات جادة للحوكمة والمحاسبة ،يستطيع الرئيس إنفاذها بما يملكه من ثقة لدى قطاعات واسعة من الشعب ،وقد جرب الرئيس هذا الرصيد من الثقة فى قرارات ومواقف سابقة ،ولا زال الشعب ينتظر إجراءت أكثر حسما فى مواجهة الفساد ومع من يشعلون موجات الغلاء التى تعصف بحياة الأغلبية من أبناء الشعب ،أتمنى أن تصل رسالة الشارع للرئيس ونجد ترجمة سريعة لها وحسما يليق بالرئيس ،أما الجماعة فلا أظنها تتحرر من أوهامها قريبا