ابن بلد حقيقي!

07/10/2014 - 11:34:11

خالد صالح خالد صالح

كتب - سليمان عبدالعظيم

طوال مشواري الصحفي لم أكتب مقالاً عن رحيل فنان.. الفكرة لم تراودني من قبل رغم أن هناك فنانين كباراً، قيمة وقامة، رحلوا خلال هذه السنوات الطويلة. 


هذه المرة استثناء.. ضغط قلمي بشدة علي قلبي وعلي عقلي.. فكانت هذه السطور عن إنسانية فنان قدير لا يعرف الكثيرون عنه إلا نذراً يسيراً 


49 سنة عاشها الرائع خالد صالح.. نصفها تقريباً في الفن وثلثها بعد عملية قلب مفتوح خضع لها عندما كان في الخامسة والثلاثين.. في الحياة كان الـ خالد.. الـ صالح إنساناً كبيراً بكل معني الكلمة.. مشاعره وأحاسيسه مع الفقراء وبسطاء الناس.. المقطم حيث أسكن ويسكن كان مسرحاً كبيراً لا يمثل الراحل علي خشبته.. خالد صالح كان رجولة.. كان إنساناً كبيراً. 


صباح الخميس الماضي ظهر الخبر الصادم علي شاشة C.B.C.. كان الخبر مفاجأة وصدمة شديدة علَّي.. ابني الأكبر مازال نائماً.. خشيت إيقاظه وإخباره فلن يسمع مرة أخري «واد يا بودي».. اتصلت بالزميلة العزيزة أمينة الشريف للتأكد من صحة الخبر الذي كان وقعه علي كوقع زلزال قوته 5 ريختر علي الأقل.. قالت رئيس تحرير الكواكب بحزن شديد: الخبر صحيح وأنا الآن في المجلة أعمل تغييراً حتي تغطي الكواكب هذا الحدث الحزين. 


الغريب أنه عندما صحا ابني وعرف الخبر دمعت عيناه لكن عيناي كشفت أنه لم يفاجئه الخبر.. بعد هذه اللحظة اكتشفت أنه كان يعرف قصة مرضه منذ قرابة ثلاثة أشهر من صديقه الحميم أحمد خالد صالح.. عرفت منه أن فناننا الإنسان كانت حالته الصحية «في النازل» قلت مستغربا: بس أنت ماقلتش قبل كده.. قال: أحمد طلب مني ذلك بناء علي رغبة والده الله يرحمه ويدخله الجنة إنشاء الله. 


يا الله.. يا الله.. لم يشأ هذا الإنسان الجميل أن يعرف الناس قصة مرضه وتطورات حالته الصحية الخطيرة.. أراد أن يكتم آلامه ويحبسها عن ناس أحبهم ويعلم بالضرورة أنهم أحبوه.. لم يشأ أن يجعلهم حزاني.. كتم آلامه علي نفسه وحبسها في إطار أسرته الصغيرة.. قلبي معاك يا دكتورة هالة.. قلبي معاك يا أحمد.. شدي حيلك يا عاليا.. يا غالية. 


لم يرد خالد صالح ابن مصر القديمة أن ينشغل الناس والإعلام والصحافة بأحواله الصحية.. كفاية اللي هي فيه.. من حبه للناس كانت أوامره وتعليماته لمن حوله «اوعوا حد يعرف ها أزعل منكم لو قلتم»!.. كان خالد صالح لايريد أن يشغل الناس بأخباره وآلامه.. وكأن لسان حاله كان يقول: «الناس عندها ما يكفي من هموم.. بلاش أرمي عليهم همومي»!. 


أحمد الابن الوحيد كان مرافقاً دائماً لوالده في مركز الدكتور مجدي يعقوب لجراحات القلب بأسوان.. ظل معه كظله في أسوان.. الدكتورة هالة وعاليا وآخرون كانوا أيضاً معه.. لم يفارقه أحمد إلا لأمر مهم في الجامعة الأمريكية حيث هو طالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. حدث ذلك مرتين.. في كل مرة ينزل فيها القاهرة كان يقول لأصدقائه: ادعوا لوالدي.. خلي طنط تدعي له وهي بتصلي يا بودي. 


لم يعش خالد صالح عيشة الفنانين الكبار، ربي أولاده علي قيمة التواضع.. كره أن ينفصل عن الناس.. لم يعش الدور وربي أولاده علي هذا الأمر.. كان يتباسط مع كل الناس الطيبين.. أحلي أوقاته عندما ينزل إلي الشارع.. في بنزينة المقطم صرخ أحدهم وبكي عندما سمع الخبر: مين اللي مات.. خالد مين.. يا ريته كان «خالد الجتة» اللي ما بيعرفش الذوق.. يقول مش أسمعه تاني وهو بيقولي: خد يا واد.. تعالي.. أيوه أنت.. ويلفحني الـ 50 جنيهاً! 


مساء السبت عادت زوجتي بعد أداء واجب العزاء.. عاليا ربنا يحرسها ويحميها جمعت كل سجاجيد الصلاة اللي في الشقة.. وجمعت صديقاتها وراحوا يصلوا صلاة العشاء. 


أحمد لم يبك منذ أن مات أبوه الجميل.. علشان خاطر أمه وأخته.. صلب نفسه طلع راجل.. آمال.. أحمد ابن أبوه.. راجل من ضهر راجل.. أبوه الله يرحمه كان راجل. 


خالد صالح كان له دور إنساني فريد في الحياة كان هو مخرجه وبطله.. وفي سيناريو مشوار حياة خالد صالح كان مكتوب بالبنط العريض: رجل ابن بلد حقيقي!.