الأصل أنها لتسهيل الوظيفة وليس للتميز .. الأمن يَجُب الحصانة الدبلوماسية

16/11/2016 - 1:22:24

بقلم - السفيرد.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

عادة ما ترتبط بعض الوظائف والمهام بنوعيات معينة من الحصانات، مثل الحصانات الدبلوماسية، أو الحصانات البرلمانية، أو الحصانات القضائية، وعادة ما تختلف حدود هذه الحصانات ضيقا واتساعا، وعادة ما تتنوع مجالاتها باختلاف المهام الموكولة لوظيفة المشمول بهذه الحصانات، لأن الأصل هنا ليس ترتيبات الحصانة نفسها ولكن طبيعة مهام المشمول بالحصانة.


ومن هذه الفئات المشمولة بالحصانة الدبلوماسيون، وعادة ما يوجد نوعان من الدبلوماسيين يتمتعون بنوعين من الحصانات يطلق عليها الحصانات الدبلوماسية،هما الدبلوماسيون الذين يمثلون الدولة فى الخارج مثل أعضاء السفارات المصرية المقيمين فى الخارج مثل أعضاء السفارة المصرية العاملين فى سفارتنا فى باريس أو روما، أو غانا مثلا .


كما أن هناك دبلوماسيى المنظمات الدولية المقيمة فى دولة ما مثل الدبلوماسيين المصريين العاملين بالجامعة العربية، ومثل الدبلوماسيين الأفارقة العاملين فى جميع مؤسسات الاتحاد الإفريقى فى أديس أبابا، حيث مقر الاتحاد الإفريقي، وهؤلاء عادة ما يتمتعون بحصانات دبلوماسية أقل من الدبلوماسيين المقيمين بالعواصم المختلفة.


هذه الحصانات الدبلوماسية المرتبطة بالدبلوماسيين المقيمين ذات نظام دولى بمعنى أنها مقننة عالميا فى العديد من الاتفاقيات الدولية التى تعكس تطور الوظيفة الدبلوماسية منذ قديم الأزل مثل لائحة فيينا لترتيب المبعوثين الدبلوماسيين الموقعة فى إطار مؤتمر فيينا فى ١٥ مارس ١٨١٥، وبروتوكول اكس لا شابيل الموقع فى ٢١ نوفمبر ١٨١٨ وفى اتفاقية هافانا عام ١٩٢٨ التى وقعتها الدول الأمريكية اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام ١٩٦، وفى اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، وكلتاهما وقعتا تحت إشراف الأمم المتحدة عام ١٩٦٢.


فالحصانات هنا واضح أنها لم يكن مقصودا بها الدبلوماسيون أو المبعوثون كأشخاص، ولكن المقصود بها تسهيل مهمة المبعوث أو الدبلوماسي، وكان هذا واضحا فى المستندات التمهيدية التى قدمت إلى الدول لتقنين أى كتابة القانون الدبلوماسى والقواعد الحاكمة له.


ويؤكد ذلك الوثائق التاريخية الأولى التى كشفت عنها بعض البرديات والحفريات لمصر القديمة، فالعمل الدبلوماسى عمل عريق حيث كشفت الدراسات التاريخية عن وجود علاقات دولية بين الإمبراطوريات والدول القديمة منذ قرابة حوالى ٣٥٠٠ عام قبل الميلاد، فقد شهدت تلك الفترة علاقات سلمية مستقرة بين الدول وبعضها، وكان يتم تنظيمها بين الحين والآخر من خلال اتفاقات تبرم عن طريق شخصيات مفوضة كانوا بمثابة مبعوثين دبلوماسيين فى ذلك الحين.


ومصر تحديدا كواحدة من دول العالم القديم، وكصاحبة حضارة من أقدم الحضارات فى التاريخ، كانت دولة رائدة فى هذا المجال، فقد اهتم الأدباء والمؤرخون بالمراسلات الدبلوماسية التى تبادلتها مصر مع جيرانها والقوى الدولية المحيطة بها فى ذلك الحين، حيث تشير الأحداث إلى توقيع مصر لميثاق أبرم بينها وبين بابل عام ١٤٥٠ قبل الميلاد، كما عثر فى تل العمارنة بين عامى ١٨٨٧ و١٨٨٨على مجموعة من المراسلات الدبلوماسية التى يرجع تاريخها إلى ما بين القرن الرابع عشر والقرن الثالث عشر مدونة على عدد من اللوحات الصلصالية بحروف مسمارية.


كذلك هناك المعاهدة الشهيرة التى وقعها عن مصر الفرعونية عام ١٢٨٠ قبل الميلاد الملك الشهير “رمسيس الثاني” مع ملك الحيثيين “خاتيسار”، وكانت بمثابة ميثاق صلح وتحالف دائم عقد بعد حرب قد نشبت بين الدولتين، وتقرر بموجب هذا الميثاق إعادة السلام بين الدولتين، وقد صيغ الميثاق بأسلوب يليق بدولتين كبيرتين، فقد جاء بهذا الميثاق: “فى اليوم الحادى والعشرين من شهر طوبة سنة إحدى وعشرين من حكم مصر العليا والسفلى رمسيس ابن الشمس وسيد العدالة المفوض من الإله رع ......الخ، حضر رسول ملكى من قبل الأمير العظيم خاتيسار أمير حيثا، ومثل بين يدى فرعون مصر العظيم وقدم إليه لوحا من الفضة منقوشا عليه المعاهدة التالية......الخ، وتلا ذلك بنود المعاهدة فى فقرات متتابعة، وكانت هذه المعاهدة فى أصلها المصرى باللغة الهيروغليفية بالكامل على الحائط الجنوبى لقاعة الأعمدة الرئيسية بمعبد آمون بالكرنك، ولذا أطلق عليها بعض المؤرخين اسم ميثاق الكرنك.


كذلك عرف الإسلام فيما بعد نظام التمثيل الدبلوماسى بين الدول فقد أوفد الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – المبعوثين إلى رؤساء القبائل والملوك فى الجزيرة العربية وإلى الملوك فى البلاد المجاورة يبلغهم الرسالة الخالدة ويدعوهم إلى سبيل الله بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وكان يستقبل الوفود بما يجب أن يكون عليه الاستقبال من الحفاوة والتكريم، ويستمع إليهم ويؤمن لهم حصانة كاملة، حتى إنه قال – صلى الله عليه وسلم – لرسولى مسيلمة الكذاب، حينما صدر عنهما قول يخالف العقيدة الإسلامية: “أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقكما” .


وقد ظلت الدبلوماسية فى عهد الخلفاء الراشدين وفى ظل الدولة الأموية والدولة العباسية أداة هامة لتوثيق صلات الدولة الإسلامية بغيرها من الدول ووسيلة هامة من وسائل تسوية الخلافات وفض المنازعات، وظل المبعوث الدبلوماسى متمتعا بالحصانة ولم يكن يتعرض لما يتنافى مع هذه الحصانة.


والخلاصة فى هذا الشأن أن فكرة الحصانات الدبلوماسية قديمة قدم التاريخ نفسه، وأنها تقررت منذ الآن السنين لتسهيل أداء المبعوثين لمهامهم سواء لدعم العلاقات الدبلوماسية الودية بين الدول أم لحل الخلافات أو تسوية المنازعات وعقد اتفاقيات الصلح والتحالف.


وظل الأمر على ذلك عبر التاريخ فكل حقبة تاريخية تضيف لمساتها، وتضيف مزيدا من التسهيل للعمل الدبلوماسي، فيلاحظ مثلا أن ميثاق الكرنك تضمن فقرات تشيد بأمير الحيثيين، وهى فقرات تدمج حاليا فى أوراق اعتماد السفراء، فرئيس الجمهورية أو الملك عادة ما يعرب فى أوراق الاعتماد عن ثقته فى السفير وما ينقله من رسائل، كما يشيد بكفاءته وحسن أدائه لوظيفته ونشاطه.


ومن ثم شهد العصر الدبلوماسى الحديث منذ توقيع اتفاقية وستفاليا عام ١٦٤٨ فى أعقاب إنهاء الحروب الدينية فى أوربا مرورا بمؤتمر فيينا ١٨١٥ بعد الحروب النابليونية، وبروتوكول اكس لا شابيل ١٨١٨، واتفاقية هافانا ١٩٢٨ بعد الحرب العالمية الأولي، ثم اتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات الدبلوماسية عام ١٩٦٢، واتفاقية فيينا أيضا للعلاقات القنصلية فى نفس العام، شهد هذا العصر تقنينا دوليا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية، ففى هذا الإطار كانت الحصانات الدبلوماسية ركنا أصيلا من أركان تنظيم العمل الدبلوماسى للدولة ككل.


ومن ثم لم تكن هذه الحصانات للدبلوماسيين، ولكن للوظيفة لضمان حسن أدائها، وبالتالى فقد شملت كل أركان الوظيفة الدبلوماسية التى تستند إلى جمع المعلومات بطرق قانونية، فحدث توسع فى مجال هذه الحصانات عبر التاريخ، مثل منح الحصانة لمقار البعثات الدبلوماسية، فلا يجوز للشرطة المحلية أن تطأ أقدامها هذه البعثات مهما كان السبب دون إذن مسبق من رئيس البعثة بأكثر من مجرد فرض الحراسة الخارجية عليها، وهو ما أدى إلى عدة حوادث نتيجة لجوء أفراد مطلوبين أمنيا لبعض السفارات، وقد اتجه الفقه القانونى الدولى الى عدم الإذن للسلطات المحلية بدخول المبني، مع حق هذه السلطات فى فرض رقابة خارجية على مداخل ومخارج المبنى بما لا يعيق الدخول والخروج من السفارة تحسبا لخروج الشخص المطلوب.


كذلك شملت الحصانات أمن المعلومات، فما دام الدبلوماسى ملتزما بالقانون المحلى فى أساليب جمع المعلومات فلا يجب مساءلته عن أسباب اهتمامه بموضوع معين، ولا يجوز مفاتحته أو سفيره فى أى معلومات يقوم بجمعها.


كما أن الحصانة فى الوقت الراهن تمتد لتشمل وسائل الاتصال كالتليفونات والسيارات والشبكات اللاسلكية الخاصة بالسفارة، وإن كان المعمول به عمليا أن جميع هذه الوسائل عادة ما تكون تحت سمع وبصر أجهزة مخابرات الدولة المستضيفة للبعثة، باعتبار أن السفارة فى أراضيها، ومن ثم فلها اليد العليا فى التعرف على الأقل على مجالات اهتمام البعثة.


وفى هذا الإطار رغم أن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية منحت الدبلوماسى حصانة لمسكنه، إلا أن الواقع يشير إلى أن مساكن الدبلوماسيين فى جميع أنحاء العالم مستباحة لأجهزة مخابرات الدولة مستضيفة البعثة الدبلوماسية بالخارج وغاية ما فى الأمر اختلاف اسلوب الرقابة،وهناك أسلوبان معروفان وبينهما تتدرج سبل الرقابة، الرقابة المفتوحة التى تعنى تأكيد أجهزة المخابرات لدخول غريب الى مسكن الدبلوماسى ويكون الهدف هنا ردعه عن محاولة زيادة نشاطه عن درجة محددة، والرقابة الخفية التى تتم دون ترك أى دلائل على دخول المسكن مثلا.


وكذلك امتدت الحصانة للحقيبة الدبلوماسية الصادرة والواردة من دولة المقر، وذلك فى إطار حماية معلومات السفارة وتسهيل الاتصال بدولة المقر، فلا يجوز للسلطات المحلية فتح الحقيبة إلا فى وجود مندوب من السفارة وآخر من مراسم وزارة خارجية الدولة المستضيفة للبعثة، وفى ظل وجود مؤشرات قوية على وجود اختراق لإجراءات أمن الحقائب كما وردت فى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، أو كما وردت فى اتفاقية المقر الموقعة بين الدولة والمنظمة الدولية أو الإقليمية التى تستضيفها.


وفى هذا الإطار تجدر الإشارة إلى وجود قيدين على الحصانات الدبلوماسية، القيد الأول مكاني، فالحصانة الدبلوماسية لا تفعل إلا فى الدولة التى يعمل بها الدبلوماسى وبها مقر البعثة التى ينتمى إليها، فعلى سبيل المثال إذا كان هناك دبلوماسى يعمل فى واشنطن أو نيويورك، وذهب فى رحلة سياحية إلى المكسيك مثلا فلا حصانة له فى المكسيك، وإن جرى العرف على مراعاة بعض قواعد المجاملة أو اللياقة فإن كسر إشارة مرور مثلا فيلفت نظره بوصفه غريبا لا يعرف القوانين لا أكثر ولا أقل، كما أن الدبلوماسى فى بلده يعامل معاملة موظف خدمة مدنية ولا حصانة له على الإطلاق، بمعنى أن جميع الدبلوماسيين المصريين لا حصانة لهم فى بلدهم، والقيد الآخر قانونى فلابد من التزام الدبلوماسى أيا كانت درجته بالقانون المحلى للدولة المستضيفة، فعليه عدم كسر إشارات المرور بدعوى تمتعه بالحصانة الدبلوماسية، وإذا ما طلب عليه المرور من البوابات الإلكترونية بالمطار فينبغى عليه المرور دون إظهار أى إشارات للامتعاض لأنه أمر يستهدف سلامة الجميع.


وفى هذا الإطار ومع تزايد الهجمات الإرهابية بدأت مؤخرا معظم دول العالم – باستثناء بعض الدول الإفريقية – تطالب الدبلوماسيين فى المطارات بالمرور عبر البوابات الإلكترونية، وخلع أى شىء به معدن كالحزام، بل وعرض أى أجهزة إلكترونية محمولة كالموبايل أو الكومبيوتر المحمول على أجهزة للكشف عن المعادن، أو خلع الأحذية وفقا لإجراءات التفتيش، ونظرا لخطورة الاستثناء من هذه الإجراءات فقد أضحى المعمول به واقعيا أن يخضع الدبلوماسى لهذه الإجراءات حتى وإن كان يعمل فى سفارة بلده بتلك الدولة.


فإجراءات الأمن أصبحت تجب الحصانة، ليست الدبلوماسية فقط وإنما جميع أنواع الحصانة كالحصانة البرلمانية والحصانة القضائية.


إذن الأصل فى الحصانة الدبلوماسية هو تسهيل أداء العمل لا أكثر ولا أقل، ومن ثم ينبغى أن يعاد بصورة دورية النظر فى الحصانة الممنوحة لبعض الفئات فى الدولة، خاصة مع التغير السريع الذى يشوب القوانين الآن لأسباب عملية – كانتشار الإرهاب مثلا – وتقنين هذه الحصانة وفقا للوظيفة وليس وفقا للمكانة الاجتماعية للمتمتع بالحصانة، فهناك شخصيات لديها حصانة من التفتيش فى كمائن الشرطة لأسباب عديدة، وبعضهم يستغل كلمة الحصانة فى منع تفتيش حقائبه فى الجمارك، وبعضهم يستغلها للتشهير بالغير، بل إن البعض يستغلها لتحقيق مآرب شخصية بحتة، فإذا كان من المتفق عليه دولياً الآن مراجعة دورية للحصانات الدبلوماسية وهى قدس أقداس جميع أنواع الحصانات فى العالم، والتى قننت منذ آلاف السنين قبل الميلاد ثم قننت دوليا ومتفق عليها محليا وإقليميا ودوليا وبصورة قانونية، بل إنها تعد أحد موضوعات القانون الدولى العام، وهى جزء من القانون الدولى أوسع وهو الجزء الخاص بتنظيم علاقات الدولة بالغير بما يشمله من تحديد إقليم الدولة، وسيادتها على المجارى المائية التى تمر فى أراضيها، وعلاقات التحالف بل والعداء، فمن باب أولى مراجعة جميع أنواع الحصانات الأخري،ولابد من تقييم هذا الإجراء من وقت لآخر وبحث علاقته بتسهيل عمل المتمتع بالحصانة، وهو غاية المراد من رب العباد، فالحصانات لم تخلق لذاتها ولم تتقرر لأسباب اجتماعية.