شـــــرف الجنــديـــة

16/11/2016 - 1:20:16

  نقاط تفتيش عسكرية نقاط تفتيش عسكرية

بقلم: لواء. نصر سالم

الضابط فارس .. والفروسية خلق .. وخلق الفارس هو الصدق والوفاء .. والتضحية والفداء .


ولأن الضابط قائد من بداية خدمته حتى نهايتها، ولأن مكانته فى وحدته التى يقودها ، هى مكانة الرأس من الجسد، فإن اختياره وإعداده يخضع لمعايير غاية فى الدقة .


والجيش (أى جيش فى العالم) يتكون من ثلاثة عناصر .


١ - القائد


٢ - الجندي


٣ - السلاح


وقد اتفقت كل الاستراتيجيات فى العالم على أن تدبير السلاح قد لايحتاج إلا أياماً وربما شهوراً، واعداد الجندى لايستغرق أكثر من أسابيع أو عدة شهور، أما إعداد القائد فإنه يحتاج إلى عمر جيل .


ولأن حياته صدق ووفاء ومماته تضحية وفداء، فإن اختياره من البداية يخضع لمعايير أخلاقية لايمكن التفريط فيها مثل السمعة الطيبة والخلق الحسن حتى الدرجة الرابعة من الأقارب - هذا إلى جانب اللباقة الذهنية والصحية والبدنية - وما أن يلتحق بالقوات المسلحة، طالبا فى إحدى كلياتها أو معاهدها. حتى يتم إعداده لاكتساب وتنمية متطلبات الجندية والقيادة وأولها إنكار الذات. وثانيها .. أن الصدق قوة، والكذب ضعف، فالقوى لايكذب ، وثالثها.. شرف الجندية، الذى يجمع كل هذه الصفات وبقدر اكتمالها فيه يكتمل، كما أن نقصان أى منها ينقص من شرف الجندية أو يذهب به.. والقسم به هو أغلظ الإيمان بعد القسم بالله عز وجل - فعندما يقسم رجل عسكرى بشرفه العسكرى فإنه يعنى أن كل خلق الجندية بريئة منه إن كان كاذباً، وهذه إهانة لايقرد على احتمالها رجل ذو شرف. هذا الشرف هو الذى يأبى على الضابط أن يكون أداؤه مجرد تخلص من الالتزام، ويفرض عليه أن يكون أداؤه بذلا وعطاء، وإلا لما حمل أحمد عرابى رأسه على كفه فى عام ١٨٨١ وجمال عبدالناصر وصحبه فى يوليو ١٩٥٢ وعبدالفتاح السيسى فى يوليو ٢٠١٣ من أجل وطنه وشعبه وحريته وكرامته .


هذا الشرف هو الذى جعل ضابط صغير السن والرتبة - قائد سرية ، دافع عن المدخل الشرقى لممر متلا فى ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ يتصدى بقوته التى لا تتعدى المائة مقاتل، للعقيد/ إريل شارون، بقوته المكونة من لواء مشاة ميكانيكى ومعه كتيبة دبابات بالإضافة إلى كتيبة مظلات، وينزل به خسائر بلغت ٣٨ جندى إسرائيلى (طبقاً لمذكرات شارون) قبل أن يصدر إليه الأمر بالانسحاب يوم ٣١ أكتوبر بعد أن بدأ الهجوم الانجلوفرنسى على مصر. وهذا الشرف أيضاً هو الذى جعل قائد اللواء ١٤ مدرع المتواجد فى سيناء فى يونيه ١٩٦٧ والذى جاءه الأمر بالانسحاب يوم ٥ يونيه، يتصرف بقرار منفرد عندما أبلغته عناصر عناصر استطلاع اللواء أن هناك لواء مدرع إسرائيليا يتحرك فى اتجاهه . فيعدل أوضاعه على الأرض وينصب كميناً للواء الإسرائيلى ، ويدمر نصفه ويفر باقى اللواء منسحباً أمامه .


هذا الشرف أيضاً هو الذى كان سيفاً مسلطاً على كل ضابط وجندى مصري، ليثأر له فى أكتوبر ١٩٧٣ ويلقن أعداءه درساً لن ينسوه. وهذا الشرف هو الذى يجعل أبناءنا الذين يتصدون للإرهاب فى سيناء يواجهون أشد المخاطر ويواجهون الموت كل لحظة فى صبر وعناد، وهم ينتزعون الإرهابيين من بين أحضان الأبرياء العزل من أبناء سيناء الذين يتخذونهم دروعاً بشرية، يحتمون بهم من نيران جنودنا فيأبى شرف الجندى أن تصيب نيرانه المواطنين الأبرياء، وفى المقابل يواجهون بنيران الإرهابيين وغدرهم.. ويدفعون حياتهم ثمناً لفداء مواطنيهم، دون أن يفكروا لحظة واحدة فى أخذ العاطل بالباطل دفاعاً عن حياتهم .


ولأن الأخلاق لا تتجزأ ، ولا تتغير بتغير الظروف، كانت أياديهم البيضاء هى القدوة والمثل فى إدارة المشاريع القومية الكبرى ، ليس لثقة القيادة فيهم فحسب بل لثقة جموع الشركات التى تتقدم للعمل فى المشاريع التى تشرف عليها القوات المسلحة ، حيث حقهم مضمون ومحفوظ طالما كانوا ملتزمين بواجبهم، بالصدق والعدل.


بعض الحاسدين فقط وربما البعض الآخر بغير قصد ، قد يرى ثقة المقاتل - خاصة الضباط - واعتزازه بنفسه ، نوعاً من المغرور أو التكبر والتعالى .. ولو علموا أن هذه الثقة والاعتزاز بالنفس - أبعد ما تكون عن الغرور والكبر - هى سلاح المقاتل التى تجعله لا يهتز فى مواجهة العدو، بل تهز روح العدو المعنوية وتؤثر عليها بالسلب. إن هذه الروح وهذا الإحساس بالتفوق هى سلاحه ضد الجبن وهى التى تجعل حياته أهون عليه من شرفه وكبريائه الذى هو شرف وطنه وكبريائه وعزته .


هل يقبل عاقل أن يجرد الجندى الذى يدافع عنه من سلاحه.


إن هذا الكبرياء - وليس الكبر - جعل ضباطاً بأعلى الرتب يخوضون فى الماء والطين وهم يقدمون الدعم والمعونة لأبناء وطنهم فى مواجهة السيول الجارفة وما نتج عنها من خسائر .


لقد تعلم هؤلاء الضباط أن الأشد من الخطأ أن يراك من هو أحدث - أى أقل رتبة - منك وأنت على هذا الخطأ، لأنك سوف تخجل من نفسك وأنت تحاسبه إن أخطأ نفس الخطأ - وأن أحترام مرؤسيك لك يجب أن ينبع من قناعاتهم بك وليس خوفك منك .


ما أحوجنا جميعاً إلى القدوة والمثل فى وقت غابت فيه المُثل .


أذكر فى إحدى السفريات ونحن عائدون من لندن، بعد أن، انتهينا من كل الإجراءات التنظيمية والأمنية فى مطار (هثرو) وأثناء صعود سلم طائرة (مصر للطيران) وقف فرد الأمن الخاص بالطائرة وأخذ يفتش حقائب اليد التى يحملها الركاب قبل دخول الطائرة، إلا أن أحد الركاب (وكان يبدو عليه أنه نجل أحد كبار المسئولين) نهره بشدة ورفض أن تفتش حقيبته، واندفع صاعداً إلى الطائرة وبكل الهدوء تركه فرد الأمن دون مقاومة، واستمر فى استكمال تفتيش باقى الركاب.. فصحت فى فرد الأمن ، أنى لن أركب الطائرة إلا إذا تم تفتيش هذا الراكب، فأشار لى فرد الأمن أن أركب دون تفتيش مثله - ظناً منهع أن هذا يرضينى !


فسألته فى هدوء .. لماذا تقوم بتفتيش هذه الحقائب ؟


- هذه هى التعليمات ، حفاظاً على حياة الركاب .


هل أنت بهذا تحافظ على حياتهم؟


- لا .. ولكن لا أريد أن أسبب المشاكل .


- بل أنت الذى لاتحافظ على حياة الركاب ولا تؤدى واجبك


أيدنى كل الركاب من خلفى وأصر الجميع على تفتيش هذا الراكب.. الذى امتثل بعد ذلك.. واعتذر بعدما قلت له : إن كنت تضمن نفسك، فهل تضمن الراكب الذى خلفك عندما يصر أن يعامل مثلك؟ ويدخل بدون تفتيش .


كل ذلك تذكرته وأنا أقرأ فى إحدى الصحف خبراً عن القبض على عضو من جهاز رفيع المستوى متلبساً وهو يحمل فى سيارته كمية كبيرة من المخدرات. ولولا اكتشاف الكلاب البوليسية لها بصورة لاتقبل التهوين ولا التفريط لأرهب ذلك العضو رجال الشرطة بحصانته الوظيفية ولتركوه دون معارضة .


- ولكن؟! كم مرة أفلت هذا الرجل بجريمته من قبل.. محال أن تكون هذه أول مرة. كما قال الفاروق عمر بن الخطاب للسارق الذى أمسك به الناس وأتو به إليه - فسأله كم مرة سرقت قبلها؟ فقال السارق هذه أؤل مرة، فضربه عمر (بالدرة) فقال السارق إنها الثانية، فضربه عمر، فقال السارق بل الثالثة كيف عرفت ذلك ؟


فقال عمر : لأن الله يستر فى الأولى ويصبر فى الثانية .. ثم يفضح فى الثالثة .


هذا ندائى لكل الشرفاء ممن يحملون على رؤوسهم تاج العزة والكبرياء من كل وظيفة ومن كل جهاز .. جيش - شرطة - قضاة - نواب ومن على شاكلتهم .


كم راكب خلفك قد تكون فى حقيبته قنبلة تنسف طائرة الوطن؟ تساعده دون أن تدرى على ارتكاب جريمته؟ وقد تكون أنت الهدف؟


> كن المثل والقدوة وبادر بمساعدة رجال الأمن فى نقاط التفتيش على تأدية واجبهم.. حتى لاتكون أنت السبب فى إفلات مجرم بجريمته.