على ضفتى الأطلنطى .. علاقات جديدة بين أوربا وأمريكا

16/11/2016 - 1:00:53

تقرير: عزة صبحى

الغموض هو عنوان المرحلة الحالية فى العلاقات بين أوربا وواشنطن عقب فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، الأحداث على ضفتى الأطلنطى تؤثر على بعضها البعض، فلا يمكن فصل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربى عن فوز ترامب..


التيار الليبرالى المعتدل الذى يحكم معظم دول أوربا يستعد الآن لموجة صعود ضد التيار اليمينى الشعبوى، والذى يرفع شعار “دع عالمهم يتهاوى ونحن نبنى عالمنا”..


تخلى الزعماء الأوربيون وقادة الاتحاد الأوربى عن دبلوماسيتهم المعهودة واستخدموا ألفاظا أكثر جرأة وصراحة فى تعليقاتهم وردود أفعالهم حول فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.. جاء ذلك كرد فعل طبيعى على أسلوب وألفاظ ترامب وآرائه فى الاتحاد الأوربى وحلف شمال الأطلنطى، ويعبر كل ذلك عن مرحلة جديدة تماما فى العلاقات الأمريكية الأوربية..


أكثر هذه التصريحات جرأة جاء على لسان “جون كلود يونكر” رئيس المفوضية الأوربية وهى من أكثر الشخصيات السياسية نفوذا فى أوربا.. قال يونكر: إن ترامب جاهل بالاتحاد الأوربى وطرق عمله.. وقال أيضا إن أوربا ستنتظر عامين لحين انتهاء السيد ترامب من التجول فى العالم الذى لا يعرفه.. وكانت أهم تصريحاته حين أكد أن ترامب خطر يزعزع العلاقات بين القارتين فى أساسها وفى هيكلها.


وجاءت تصريحات هولاند، رئيس فرنسا، وأنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، لتؤكد أيضًا خوفهما على مصير العلاقة عبر الأطلنطى وعن التذكير بالقيم الأوربية مثل الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان بغض النظر عن لون بشرته أو عرقه أو جنسيته أو ميوله الجنسية أو قناعته السياسية وهى القيم العريقة لليبرالية.


وتتركز المخاوف الأوربية من عهد ترامب فى قضيتين أساسيتين وهما الاقتصاد والدفاع والأمن والسياسة الخارجية.


على المستوى الاقتصادى من المعروف أنه كانت هناك مفاوضات أوربية أمريكية تدور منذ ثلاث سنوات حول الشراكة فى التجارة والاستثمار عبر الأطلنطى، وكان من المقرر توقيعها فى عهد الرئيس الجديد، ويعتقد الآن أنها أصبحت فى حكم الملغاة فى ظل معتقدات ترامب من أن اتفاقيات التجارة الدولية تضر بمصالح العمل الأمريكية وتؤثر سلبًا على قدرة البلاد التنافسية.


يؤكد ترامب دائمًا على ضرورة توجيه الاقتصاد بهدف تحقيق فائض فى ميزان المدفوعات، مما يستدعى منح مزايا للصادرات وفرض حماية جمركية على الواردات وبناء جيوش قوية.. ويفضل ترامب التعامل على المستوى الثنائى مع الدول منفردة عن التعامل مع الكيانات الكبرى على أساس أنه يحقق عبر التفاوض صفقات أفضل.


ويخشى الخبراء الأوربيون من أن مع إعلان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربى وحالة الاضطراب، التى تعيشها بريطانيا والاتحاد على السواء فى كيفية إنجاز هذا الخروج وخسائره على الطرفين مع وجود عامل ضغط اقتصادى جديد ويتمثل فى سياسة ترامب فإن ذلك قد يدفع كل دولة أوربية على حدة لاتخاذ إجراءات أحادية تحت ضغط الرأى العام، مما يعطل العمل الاقتصادى الأوربى المشترك ويسفر فى النهاية عن انهيار الاتحاد الأوربى لأنه فى الأساس اتحاد اقتصادى.


أما على مستوى الدفاع والأمن فتؤكد مراكز الأبحاث الأوربية أنهما القضيتان الأكثر أهمية فى الأجندة الأوربية فى التعاون مع مع واشنطن، دول غرب أوربا تهتم بالتعاون فى قضايا مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية فيما تهتم دول شرق أوربا المنضمة حديثا إلى الاتحاد الأوربىبمسألة حماية حلف الأطلنطى والحماية الأمريكية السياسية ضد أى أخطار روسية محتملة.. ترامب أكد فى تصريحاته على لسان مستشاريه أن الأموال، التى تدفعها الولايات المتحدة لتمويل العمليات والبرامج الدفاعية فى إطار الناتو تؤثر فى الاقتصاد الأمريكى، الذى لم يعد بتلك القوة، التى كان عليها فى الماضى وأن واشنطن ليس بمقدورها دفع كل تكاليف الأمن والدفاع، الإقليمية والأوربية والدولية بعد أن بلغت ديونها عشرين تريليون دولار.. ويعنى ذلك أن ترامب يريد أن تدفع الدول الأوربية تكاليف نفقاتها الدفاعية بأنفسها..


وبذلك ستجد أوربا دول حلف الأطلنطى نفسها أمام وضع جديد وتحديات غير مسبوقة، تشهدها منذ الحرب الباردة، مما قد يدفعها إلى إنشاء جيش أوربى خاص بها.


تخشى أوربا أيضًا من التفاوض الأمريكى الروسى المحتمل فى ظل مواقف ترامب مع بوتين (ميله إلى التهدئة مع روسيا، لأن ذلك يعنى اختفاء الغطاء الأمنى والسياسى الأمريكى من القضايا السياسية الخلافية الأوربية الروسية وأهمها أوكرانيا وجورجيا..


وتخشى أوربا قيام ترامب بتوقيع معاهدة- يالطا ٢- مع روسيا بما يعنى عودتها كقوة عظمى بالتوازى مع أمريكا بعد أن كانت فقدت هذه الصفة عقب تفكك الاتحاد السوفيتى.


ومن ناحية أخرى حذر الكثير من مراكز الأبحاث الأوربية مع استمرار ترامب فى مواقفه المعادية للمسلمين واحتمال ارتكابه أخطاء استراتيجية فى هذا المجال.. لأن ذلك يعنى اشتعال حرب بين الغرب والإسلام، وإذا كان هذا لن يضر الولايات المتحدة مباشرة فإنه يمكن أن يكون له أثار خطيرة على كل أوربا القريبة جدًا من الشرق الأوسط، فضلا عن أن المسلمين فى أوربا يشكلون جزءًا مهما من المجتمعات هناك.


قلق القيادات الليبرالية الأوربية ومخاوفها من توابع زلزال فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية يعززه التهديد الداخلى بسبب ارتفاع شعبية القوى اليمينية القومية المتطرفة فى معظم البلدان الأوربية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا وهى القوة التى قد تحصل على الدعم وتأييد من سيد البيت الأبيض الجديد.


فى فرنسا كان موقف حزب الجبهة الوطنية، المتطرف مؤيدًا قويًا لترامب منذ أعلن عزمه على الترشح وكانت زعميته مارين لوبن أول سياسية فرنسية تبادر بالتهنئة بعد الفوز.. وتشير معظم التوقعات إلى ارتفاع شعبية مارين لوين ووصولها إلى الجولة الثانية فى انتخابات الرئاسة الفرنسية القادمة فى مايو ٢٠١٧، ويتوقع أيضًا أن تستمتع مارين لوين نفس المنهج ونفس الشعارات الشعبوية، التى استخدمها ترامب لجذب المؤيدين.


أما فى ألمانيا فرحب حزب البديل من أجل ألمانيا وهو من اليمين المتطرف بفوز ترامب، وأكد أن هذا النجاح يبعث، الأمل لدى ألمانيا وأوربا لتنفيذ انقلاب سياسى تاريخى.. والمعروف أن حزب البديل حقق فى الانتخابات المحلية الأخيرة تقدما ملحوظا مستفيدًا من مشكلة المهاجرين وموقف ميركل منها يعتقد أنه إذا سار على نفس المنهج سيحقق نتائج مذهلة فى الانتخابات العامة فى خريف العام القادم.. رحبت أيضًا أحزاب اليمين المتطرف فى هولندا والنمسا وفى دول أوربا الشرقية يفوز ترامب واعتبرته بداية جديدة لسيطرة اليمين المتطرف على أوربا.


وفى محاولة من واشنطن لتهدئه قلق حلفائها فى أوربا أعلن عن جولة أوربية يقوم بها أوباما لشرح الموقف الأمريكى وتقديم التأمينات اللازمة.. كما دعا قادة حلف شمال الأطلنطى والاتحاد الأوربى إلى عقد اجتماعات فى أقرب وقت ممكن مع دونالد ترامب للوقوف على مواقفه وأفكاره الحقيقية.. لكن يبقى ذلك مجرد اجتهادات وتوقعات وعلى الجميع الانتظار حتى يتولى ترامب الرئاسة فعليا فى بداية العام القادم ويدخل البيت الأبيض لتعرف فعلا ما هى حقيقة مواقفه.. هل سيستمر فى الحفاظ على وعوده الانتخابية أمر أن معرفة الواقع السياسى والانغماس فى المسئولية وتأثير الدولة العميقة سيدفعه إلى اتخاذ مواقف أكثر اعتدالا؟!