جهود محمد بن زايد هل تفلح فى مصالحة مصر والسعودية؟ مصر لن تركع سوى لله.. إرادة مصرية رغم الضغوط

17/11/2016 - 1:19:34

  السيسى مع محمد بن زايد.. وساطة إماراتية بين القاهرة والرياض السيسى مع محمد بن زايد.. وساطة إماراتية بين القاهرة والرياض

بقلم : د. حسن أبوطالب

ليس سرا أن هناك أزمة لم تعد مكتومة بين القاهرة والرياض، أزمة بدأت تخرج للعلن بقوة وتستقطب اهتمامات عواصم خليجية، لاسيما أبوظبى والكويت والبحرين من أجل إيجاد مخارج لها تُبقى على حد أدنى من التوافق العربى من خلال تصحيح مسار العلاقات المصرية السعودية.


فى هذا السياق جاءت زيارة الشيخ محمد بن زايد، ولى عهد أبوظبى، ورجلها القوى، إلى القاهرة يوم الخميس الماضى ولقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسى، وبعدها صدر بيان المتحدث الرسمى للرئاسة المصرية يشير إلى بحث كل ما يعيد العلاقات العربية إلى طبيعتها.


وليس سرا أيضا أن حالة الجمود التى أصابت وسائل التشاور وتبادل الآراء بين البلدين منذ عدة أشهر ساهمت فى زيادة حدة الأزمة، الأمر الذى اعتبره البعض بمثابة تفويض غير مباشر لتوجيه اللوم والانتقاد لمصر فى سابقة لم تحدث من قبل إلا فى زمن الصراع المصرى السعودى فى مطلع الستينيات من القرن الماضى بشأن الدور المصرى فى اليمن لحماية ثورة سبتمبر ١٩٦٢. مثل هذا الجمود من شأنه أن يزيد تفاقم الأزمة، وأن يضع العراقيل أمام أى محاولات للمصالحة، رغم إدراك الجميع بأن لا مصلحة لأحد فى تفاقم التوتر المصرى السعودى.


مظاهر الأزمة وتجلياتها


الأزمة المصرية السعودية لها مظاهرها وتجلياتها، التى ضربت فى الصميم أسس العلاقات بين البلدين، وأبرزها انتقادات المندوب السعودى فى الأمم المتحدة غير المعتادة لموقف مصر بشأن التصويت لصالح قرارين أممين بشأن الأزمة فى حلب أحدهما فرنسى والآخر روسى، فرغم خلافات بسيطة بينهما فقد اتفقا على وقف القتال والسماح بدخول مواد الإغاثة لأهالى حلب مع تميز المشروع القرار الروسى بالدعوة إلى التفرقة بين المنظمات والجماعات المسلحة، التى اتفق على تسميتها بالمعارضة المسلحة المعتدلة، وتلك المتفق على كونها جماعات إرهابية مطلوبا القضاء عليها وليس حمايتها ودعمها كما تفعل عواصم عربية وإقليمية بالمال والسلاح والدعاية.


وقد كانت انتقادات المندوب السعودى غريبة ولم تحدث من قبل، وتحمل تطاولا غير مقبول وفيها تلميح سخيف بأن مصر باتت خارجة على التوافق العربى بشأن سوريا، وهو التوافق المزعوم، الذى لا وجود له أصلا فى الواقع.


ثم جاء ثانيا موقف الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامى أياد مدنى السعودى الجنسية فى اجتماع رسمى للمنظمة فى تونس وأمام ممثلى الدول الإسلامية ساخرا من رئيس مصر فى تصرف وقح وغير أخلاقى لا يليق بمسئول يدير منظمة إقليمية مصر إحدى مؤسسيها وفاعليها الأساسيين، مما أثار غضب القاهرة رسميا وشعبيا، فكان إصرارها بقوة على إنهاء مسيرة هذا الرجل المتطاول وإلا جمدت مصر عضويتها، فكان قرار الإقالة وذهب الرجل إلى الظل غير مأسوف عليه.


المظهر الثالث وتجلى فى وقف شركة أرامكو السعودية تنفيذ التزاماتها بشأن توريد منتجات نفطية شهريا إلى مصر، بداية من شهر أكتوبر بدون تبرير، ثم تلى ذلك قرارها بتعليق العمل بالاتفاق إلى أجل غير مسمى، وقد تكون هناك أسباب فنية أو تقنية عابرة، ولكن اللحظة التاريخية التى اتُخذ فيها هذا القرار لا يخلو من ظلال سياسية متعمدة.. والغريب هنا أن نجد موقفا مماثلا من الكويت التى ربطت هيئة البترول لديها أى إمدادات نفطية لمصر بالدفع مقدما ودون أى تسهيلات كما هو معتاد فى مثل هذه الصفقات الكبيرة.. والأكثر إثارة أن يرى سعوديون فى مسعى مصر لتوفير احتياجاتها النفطية من دول عربية شقيقة كالعراق والجزائر وليبيا وكأنه عمل عدائى ضد المملكة.. وكأن المطلوب هو أن تبقى مصر رهينة لشركة أرامكو ومواقفها المتضاربة، ويبقى شعبها واقتصادها بدون احتياجاته الضرورية من الوقود والطاقة.


تغريدات سوداء ومواقف متناقضة


هذه المظاهر الرسمية صاحبها مقالات وتغريدات لكتاب سعوديين معروف صلاتهم بأمراء نافذين حملت ما هو أكثر من السخرية وانتقاد المواقف المصرية بشأن سوريا وقضايا إقليمية أخرى، وجاء فى بعضها ما لا يمكن تصوره مثل الدعوة إلى معاقبة مصر لأنها لا تسير فى ركاب السياسة السعودية نظير الدعم الذى قدمته الرياض لمصر فى السنوات السابقة.. ومعايرة المصريين بفقرهم ونمط معيشتهم وظروفهم الاقتصادية الصعبة، التى يمرون بها الآن فى سابقة لا يمكن قبولها لما تثيره من حساسيات ونعرات سلبية بين الشعوب.. الأكثر من ذلك جاء فى بعض المقالات السعودية تحليلات اتسمت بالغرابة وسوء التأويل منها أن مصر بموقفها الداعى إلى حل سلمى للأزمة السورية والساعى إلى حماية الدولة السورية فإنها بذلك تقف فى محور إيران وروسيا، ومن ثم تعادى السعودية صراحة حسب تفسيرهم القاصر، وبالتالى فهى فى موقف معادِ للأمن السعودى، بل تطرف أحدهم بالنصيحة البائسة بأن على القيادة السعودية أن تنظر إلى مصر باعتبارها مصدر تهديد من الجهة الغربية للمملكة وأنها – أى مصر – سوف تتحالف مع إيران للإجهاز على المملكة ولتقاسم ثرواتها هكذا مرة واحدة حسب هذا المُتخيل المريض.


كما نصح آخر قيادة مصر بأن تعيد حساباتها وأن تقبل الرؤية السعودية بشأن سوريا وإيران واليمن، كما هى ودون زيادة أو نقصان وبعدها سيعود الدعم السعودى من وجهة نظره البالية، وكأن مصر دولة موز وليست قوة عربية يجب أن يُحسب لها حساب ولها الحق فى أن تتخذ مواقفها، كما تريد وكما تشاء.


ولهؤلاء واجب المعرفة بأن مصر أدرى بمصالحها وأدرى باللحظة المناسبة والطريقة الأنسب، التى تتعامل بها مع إيران أو غيرها من الدول، وهى ليست بحاجة إلى نصائح بائسة أو تهديدات عقيمة.


دعوة بائسة لعقاب مصر


الغريب فى تحليلات ظهرت فى الصحف السعودية النظر إلى مصر باعتبارها قابلة للبيع والشراء، والتناقض المثير للشفقة يجمع بين التباهى بالتخلى عن مصر والقدرة على معاقبتها، وفى الآن نفسه المطالبة بأن تكون فى صف المملكة من قبيل التابع وليس الشريك.


وقد وصل الحد إلى اعتبار كلمة الرئيس السيسى فى آخر اللقاءات التثقيفية للقوات المسلحة بأن مصر لا تركع إلا لله باعتبارها كلمة عدائية لا يجوز التفوه بها، وكأن هناك من يطالبنا بالركوع لغير الله تعالى. والعياذ بالله مما يطلبون أو يلمحون.


والأكثر غرابة أن هؤلاء الذين ينتقدون مصر ويسخرون من مواقفها وأوضاعها الضاغطة فى الوقت الراهن يضعون تركيا فى مصاف القوة الصادقة فى مساندة مصالح المملكة ورؤاها رغم أن أنقرة وأردوغان شخصيا أخذ الكثير من الرياض ولم يمنحها سوى الكلمات الرنانة الجوفاء، ولم يعط الرياض سوى كلمات بلا معنى بشأن عاصفة الحزم ولم يقدم واحد فى الألف مما قدمته مصر، وهو يمارس سياسته فى سوريا لمصالحه الخاصة، التى تتعارض مع المصالح السعودية نفسها، ويتوافق مع إيران على الكثير من المواقف المناهضة للأمن السعودى دون أدنى اعتراض من أى صحفى أو مسئول، بل على العكس يتوافد كبار المسئولين والمستثمرين السعوديين إلى تركيا وكأنها الحليف الموثوق، وبعضهم يسمع بل يكرر ويطرب للانتقادات التركية الأردوغانية الجوفاء لمصر ورئيسها وثورة شعبها، التى سحقت أحلام الإخوان الإرهابيين وداعميهم فى أنقرة والدوحة وغيرهما من العواصم.


الأكثر من هذا هناك من الإعلاميين السعوديين من يكرر الأباطيل التركية بعودة جماعة الإخوان الإرهابية للمشهد السياسى المصرى والإفراج عن قياداتهم المدانة بأحكام قضائية باعتبارها شروطا مسبقة لمساندة مصر.


حوار استراتيجى شفاف مدخل للمصالحة


ولا شك أن علاقات البلدين لها جوانب أخرى مضيئة وعديدة، ولكنها باتت معرضة للصدمة والتراجع. وللحفاظ عليها هناك من يطالب عن حق بضرورة حوار استراتيجى حقيقى يقوم على الصراحة وطرح القضايا بكل شفافية ووضوح، من أجل فهم كل طرف لمقتضيات الطرف الآخر دون إدانة أو انتقاد أو سخرية كما هو الحال فى العلاقات الطبيعية بين الدول.. علما هنا بأن مصر لم يصدر عنها رسميا أى انتقادات للمواقف السعودية الخاصة بسوريا، لاسيما الإصرار على تنحى الأسد فورا وإنهاء الأزمة عسكريا. وحين طرح وزير الخارجية السعودى فكرة إرسال قوات برية عربية إلى سوريا لدعم المعارضة المسلحة ضد الحكومة فى إبريل الماضى اكتفتى مصر بالقول على لسان وزير الخارجية سامح شكرى بأنه قرار سيادى سعودى لا شأن له بفكرة إنشاء قوات مسلحة إسلامية.. ولم يكن هناك أى تجريح أو تجاوز.. وهكذا هو التصرف المصرى رفيع الخلق.


وإذا كانت الرياض ترى بأن الأولوية هى للصراع مع إيران والحكومة الشيعية فى العراق وحزب الله فى لبنان، وتقسيم المنطقة على أسس طائفية ومذهبية بين سنة وشيعة، فإن مصر ورغم إدانتها الشديدة والمتكررة للسياسة الإيرانية الهجومية فى عموم المنطقة العربية، لاسيما فى اليمن والبحرين ولبنان، إلا أنها ترى أن الانغماس فى تقسيم المنطقة على أسس طائفية، ما يؤدى إلى مزيد من الانفجارات والحروب غير المطلوب التورط فيها، والتى تهلك الحرث والضرع ولا تحقق مصالح الشعوب.. فصراعات الدول بالأساس صراعات سياسية وتضارب فى المصالح وإدماج العناصر الدينية فيها بكل ما تحمله من قداسة من شأنه أن يدمر فرص التعايش السلمى وينهى إمكانية إدارة الخلافات بوعى وحكمة.


أكثر من العتاب


ولا شك أن مصر لديها ما هو أكثر من العتاب بشأن مواقف أخذتها المملكة بدون تشاور مع أى أحد وفوجئت به مصر كغيرها، فى حين طُلب من مصر وغيرها أن تدعم تلك المواقف دون نقاش، كما هو الحال فى إعلان عاصفة الحزم فى اليمن فى ٢٦ مارس ٢٠١٥، أى قبل عقد القمة العربية، التى عقدت فى شرم الشيخ بيومين فقط، كما أن هناك تساؤلات كبرى حول رفض الرياض لمشروع إنشاء قوة عربية موحدة تسهم فى ضبط الأمن العربى ككل، والذى تمت الموافقة عليه فى قمة شرم الشيخ بالإجماع، ولكنه تعثر نتيجة التحفظات السعودية والخليجية، وإذا بنا نشهد طرحا سعوديا كبديل لهذه القوة العربية، ولكن فى إطار إسلامى يعرف الجميع أنه يستحيل تحقيقه.


وقد يرى البعض من السعوديين أن ممارسة الضغوط على مصر وشعبها كفيل بأن يعجل باستعادة السيادة على جزيرتى تيران وصنافير.. وهو تصور أقل ما يوصف به أنه بعيد عن الواقع وبعيد عن إدراك طبيعة اتخاذ القرار فى بلد كمصر يسودها حكم المؤسسات، ويلعب المجتمع المدنى فيها دورا بارزا، كما أن القضاء المصرى مستقل ويحكم بما لديه من قرائن وأدلة غير مشكوك فيها وليس بأوامر أو أهواء.


وكما هو ثابت فإن الحكومة المصرية لا تملك سوى توقيع الاتفاقات كما حدث بالفعل مع المملكة، ولكن القرار فى النهاية هو قرار بيد القضاء والبرلمان، وأخيرا الشعب استنادا إلى أحكام دستورية لا يمكن لأى طرف أن يتجاوزها مهما كانت الضغوط.. ولا شك أن تفهم صنع القرار فى مصر كما هو كفيل بأن يعيد الكثير من الأمور إلى نصابها السليم.


صحيح هناك قيادة سعودية ممثلة فى العاهل سلمان بن عبد العزيز، وولى عهده محمد بن نايف وولى وولى العهد محمد بن سلمان، ولكل منهم كامل الاحترام والتقدير، ترى الأمور من منظور مختلف عما كان عليه الوضع فى زمن العاهل عبد الله ـ رحمه الله ـ وهو ما تعتبره القاهرة شأنا داخليا لا يجوز التحدث بشأنه إعمالا للمبدأ الأصيل بعدم التدخل فى الشئون الداخلية للغير. ومع ذلك يسود الاعتقاد لدى المصريين أن هناك حاجة لفهم هذا التغير فى الأداء وفى بعض أسس الحركة السعودية منعا لأى سوء فهم قد يؤدى إلى نتائج غير محمودة.


كما يسود الاعتقاد المصرى بأنه أيضا لا يجوز التدخل فى الشأن المصرى أو تصور إمكانية فرض أمور تتعلق بقرارات مصيرية لا يملك أحد البت فيها إلا الشعب المصرى ومؤسساته الدستورية، وفى مقدمة تلك الأمور ما يُقال هنا وهناك عن ضرورة مصالحة القاهرة مع جماعة الإخوان الإرهابية تدعمها الرياض إرضاء لأنقرة.


وأخيرا علينا أن نعترف بأن هناك أزمة مكتومة تتطلب الصراحة التامة والحوار الناضج والبعد عن سياسة إخفاء الرؤوس فى الرمال.. إننا بحاجة إلى إعادة تأسيس العلاقات المصرية السعودية وفق أسس جديدة تراعى المتغيرات وترتقى بها إلى مصاف العلاقات والتفاعلات السياسية الطبيعية، التى ترفع من شأن المصالح المشتركة وتتحاور بشأن المختلف عليه وصولا إلى ما يمكن حله بالحكمة والرشادة، مع الابتعاد الكامل عن أوهام أن يقود طرف طرفا آخر أو يفرض عليه ما يتعارض مع مصالحه نظير حفنة من المال، فكرامة الشعوب أكبر من تلك التصورات البالية.