ما يسمى الرأسمالية المصرية.. وحمرة الخجل

16/11/2016 - 12:53:56

بقلم: أحمد الجمال

فى فواصل الردح التى تخللت الانتخابات الأمريكية، حتى كادت تلك الانتخابات أن تتحول كلها إلى فاصل ردح، فشر حوارى حوش بردق، كشف المرشح الذى صار رئيسا، دونالد ترامب، عن الدور الذى لعبته الإدارة الأمريكية بقيادة أوباما وهيلارى كلينتون فى خلق الإرهاب وتشجيعه، وفى تفكيك وهدم دول بأكملها وقتل مئات الألوف وتشريد الملايين، عدا عن الدمار الهائل الذى سيستنزف كل الموارد لإعادة إعماره..


وفيما كنت أشاهد ترامب وهو يتحدث فى هذا الأمر، سألت من معى وكنا على الهواء فى برنامج تلفزيوني: «أين هؤلاء الذين كانوا يجلدوننا ويتهموننا بالجهل وفقر المعلومات والمرض الذى تبدو أعراضه علينا عندما نتكلم أو نكتب عن دور أمريكى فى تحطيم وطننا ومنطقتنا؟! أين هم الآن وهل ستعرف وجوههم حمرة الخجل، أم أنهم سيواصلون العجرفة ويتهمون ترامب بالجهل وفقر المعلومات وأنه مصاب بمرض الانفصام الذى يوحى لصاحبه بوجود مؤامرة عليه؟!.. ولو أن ترامب امتلك القدرة على تقديم هيلارى للمحاكمة بالتهم التى وجهها إليها، فإننى أظن أن كتاب المارينز وخبراء الاستراتيجيا إياهم سيستمرون فى تصوير الأمر على أنه أوهام غير حقيقية تعلق كل المشاكل على عاتق الإدارة الأمريكية.


سبب هذا المدخل لهذه السطور هو أن السادة الخبراء إياهم، هم فى الوقت نفسه المدافعون الشرسون عن مصالح ومناهج ومواقف وأموال ما يسمى بالرأسمالية المصرية، وسأشرح لماذا أقول: «ما يسمى» وكأن المسمى هو غير ذلك!


ما يسمى بالرأسمالية المصرية وخدمها من بعض الكتبة و»خبراء الاستراتيجيا»، كانوا يراهنون على استمرار منهج الإدارة الأمريكية مع فوز هيلارى بالرئاسة، ومن ثم كانوا مطمئنين إلى أنهم لن يفقدوا الظهير والسند والموجه الذى يجعلهم فوق القانون، ويقدم لهم الحماية للدرجة التى أعادت لأذهاننا ما كان يحدث فى مصر إبان الاحتلال البريطاني، عندما كان مصريون أو أجانب يدوسون القانون فإذا اقترب منهم أحد صاحوا «حماية»!


تلك الرأسمالية وخدمها إياهم كانوا يحجمون عن أية مساعدة أو تفاهم جدى مع نظام ٣٠ يونيو بقيادة الرئيس السيسي، لأن الإدارة الأمريكية كانت غاضبة عليه، ولأنها كانت تريد استمرار الإخوان والأصوليات الإسلامية فى الحكم، وتريد تفتيت وتفكيك مصر على غرار ما نجحت فيه فى العراق وسوريا وليبيا واليمن ومن قبل السودان، وأظنهم كانوا يراهنون على عودة الإخوان، إن عاجلا أو آجلا، ويساهمون بتعمد خنق النظام اقتصاديا وإعلاميا على التعجيل برد الاعتبار للسياسة الأمريكية وبعودة الإخوان!


والآن، وبعد فشل هيلارى وظهور آفاق جديدة مغايرة فى السياسة الأمريكية، وفق تصريحات ترامب، هل تفيء ما يسمى بالرأسمالية المصرية إلى الرشد، وتبدأ فى رد اعتبار نفسها لتصبح رأسمالية حقيقية، مثلما هى رأسماليات العالم الحر؟!


لقد بادر النظام فى مصر بالبدء فى خطة الإصلاح الاقتصادى طويل المدى، وظهر أنه لا يبالى بما قد يصادف مصيره إذا تم تنفيذ تحرير سعر صرف الدولار وتعويم الجنيه ورفع أسعار بعض السلع، واستند فى عدم مبالاته إلى ثقته فى أن الشعب المصرى يقبل دفع ثمن السعى لحياة محترمة، حتى لو تجرع مرارة الدواء، وسمعت بأذنى حكمة شعبية جبارة تقول: «إن من اشترانا بروحه ودمه لن نبيعه بكيلو سكر وزيت».. يقصدون الجيش المصرى والشرطة والسيسي!، وهنا نسأل عن حمرة الخجل فى وجوه ما يسمى بالرأسمالية وخدمها، لأنهم يظهرون وكأنهم ليس عندهم نقطة دم تسرى فى عروقهم، وإنما يسرى فيها الجشع والتملك والاستحواذ وفاحش الربح الذى هو من صميم الربح الحرام!


عندئذ يكون علاج من لا «دم» عنده، بالشروع فى سن قوانين واتخاذ إجراءات لتتحمل تلك الفئة نصيبها من خطة الإصلاح وذلك بالضرائب التصاعدية، وبوقف أى دعم لها سواء كان مباشرا أو غير مباشر، ثم بمحاسبتها عن حق الدولة فى السنين الطويلة الفائتة التى كانوا يحصلون فيها على كل ما يريدون بأبخس الأسعار أو مجانا يعنى «بلوشي»!


لقد أصبح الحكم فى مصر وبكل مستوياته مدينا دينا مضاعفا لشعب مصر الذى لم يتردد عن إنجاز ٣٠ يونيو، وعن تمويل مشروع قناة السويس، عندما أحجمت تلك الرأسمالية الجشعة المنحطة، وعن التصدى للإرهاب وبذل أرواح أبنائه من المدنيين جنبا إلى جنب رجال الجيش والشرطة، وعن تقبل مرارة جرعات الإصلاح الاقتصادي، وعن إفشال التحريض الإخوانى على الفوضى فى ١١ نوفمبر!، ولذلك فإن الكرة الآن فى ملعب الحكم ليكون منصفا وعادلا فى توزيع أعباء الإصلاح.. وليت الجهات الرسمية الموثوقة تعلن للناس ما لديها من حجم ثروات ما يسمى بالرأسمالية المصرية، وما لديها عن مخازى سلوكياتهم فى الاحتكار والتهريب والتهرب.. لأنه إذا كانت الشفافية مطلوبة من الحكم وينفذها الرئيس فى كل لحظة فالشفافية مطلوبة أيضا فيما يتعلق بحقوق الوطن المهدرة بيد وإرادة بعض من يحملون جنسيته.


إنها ما يسمى بالرأسمالية، لأنها لا تمارس أية ممارسات مماثلة لرأسماليات العالم التى تدرك حتمية التوازن الاجتماعى وحتمية المساهمة فى تحمل الأعباء بنسب تتناسب طرديا مع حجم الثروة، وحتمية بناء صروح للحضارة والثقافة من حر مال أصحاب الأموال.