اليمين البديل يصدم أمريكا والعالم

16/11/2016 - 12:52:37

بقلم: د. حسن أبوطالب

فاز المرشح دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، ضاربا بذلك فى مقتل كل الدعايات الموجهة والحملات التى قادتها مؤسسات إعلامية كبيرة من أجل إنجاح هيلارى كلينتون. جاء قرار الناخبين الأمريكيين ليحسم الأمر، فاستطلاعات الرأى المزورة التى بشرت بفوز هيلارى لا أساس لها، وحملات التشويه الأخلاقية والمعرفية لترامب لم تجد الصدى المناسب عند الناخبين. ومن ثم جاء الفوز نتيجة الحصول على إجمالى أصوات ٢٨٩من المجمع الانتخابى البالغ عددها ٥٣٨ صوتا ليدشن مرحلة جديدة فى الحياة السياسية الأمريكية والدولية فى آن واحد.


هناك الكثير مما كتب حول فوز ترامب، وهو ما يمكن أن نلخصه فى أن الرجل عكس عن حق المزاج الأمريكى، وأفصح عن التوجهات السلبية الكامنة فى المجتمع الأمريكى بكل فجاجة ووضوح لامست مشاعر فئات عريضة اعتبرت نفسها مقهورة ومستبعدة من اهتمامات النخبة الأمريكية التقليدية التى تسيطر على المشهد السياسى منذ أكثر من أربعة عقود متتالية، وتعمل لحماية مصالح الأغنياء والشركات الكبرى لاسيما صانعة السلاح والبترول، ولا تراعى التغيرات الاجتماعية والإنسانية الكبرى التى فرضت نفسها على قطاعات كبيرة من الأمريكيين من طبقة العمال والموظفين نتيجة انحسار فرص العمل ونتائج العولمة وحرية التجارة وتشابك الأسواق وصعود قوى دولية أخرى اقتصاديا وعسكريا بما يهدد المكانة الأمريكية ويهدد معها فرص الأمريكيين فى وظيفة وعمل فى الداخل.


لغة خشنة وأفكار صادمة


وبغض النظر عن اللغة الخشنة والصادمة والاتهامات الفظيعة التى ميزت تصريحات دونالد ترامب تجاه منافسته الرئاسية هيلارى كلينتون، وتجاه آخرين رآهم ترامب نماذج للفساد وأسبابا لتراجع المكانة، فضلا عن مضمون الكثير من هذه التصريحات المُحمل بتوجهات عنصرية صريحة، ونزعة انعزالية، وتمجيد للقوة، وقناعة تامة بأساليب السوق لاسيما أن كل ما يُباع لابد له من ثمن، وعدم الالتزام بالمبادئ لأنها أسلوب الفاشلين حسب قوله، فمن الثابت أن الرجل أطلق العديد من التصريحات تجاه قضايا عديدة ومهمة تخص الداخل الأمريكى من جانب مثل قانون أوباما للرعاية الصحية وقانون رعاية الأمومة والقرارات الرئاسية الخاصة بتسهيلات للمهاجرين غير الشرعيين مثل التصريح بالعمل المؤقت، ووضع المسلمين فى الولايات المتحدة وقرارات رئاسية لتنظيم حمل السلاح فى أماكن ذات طبيعة خاصة مثل المدارس،وبرنامج لخفض الضرائب وبناء المصانع، وخطة لإعادة بناء وتحسين البنية الأساسية فى كل أمريكا، وتغيير نظام التعليم ليكون مرهونا بالأوضاع المحلية لكل ولاية وليس لعموم الولايات الأمريكية.. فضلا عن تصريحاته إزاء قضايا دولية كبرى مثل اتفاقات الحريات التجارية فى الشمال الأمريكى مع كل من كندا والمكسيك، واتفاقات التجارة عبر الأطلنطى مع الدول الأوربية وكلاهما يعتبرهما ترامب ضارتين بالمصالح الأمريكية وسببا مباشرا فى تحول الاستثمارات الأمريكية إلى الخارج ومن ثم إغلاق المصانع فى الداخل، واتفاقية باريس للمناخ والتى تعهد بالخروج منها، وحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة بشكل عام أو من دول محددة لم يذكرها قط، وإعادة تشكيل العلاقة مع روسيا فى ظل قيادة بوتين، واحتواء التهديد الاقتصادى الصينى المتزايد، ومراجعة الاتفاق الدولى مع إيران بشأن برنامجها النووى وإعادة دمج إيران فى المجتمع الدولى، وسياسة تغيير النظم المرفوضة التى ميزت ولايتى أوباما فى الشرق الأوسط، وكيفية دحر الإرهاب الدولى مثل داعش والقاعدة وفروعهما فى العراق وسوريا وليبيا وغيرهم، والتعامل مع قضية اللاجئين الهاربين من مناطق النزاع لاسيما السوريين، وكيفية جلب السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وفى كل هذه القضايا رغم حيويتها لم يكن لدى ترامب خطة واضحة تتعامل مع تعقيداتها وتشابكاتها القانونية والدولية والإنسانية، ولم يكن لديه أيضا برنامج عمل واضح بشأن ما أكد عليه وهو استعادة عظمة الولايات المتحدة مرة أخرى.


اليمين البديل وشعبوية الأبيض


ومع ذلك فإن الرجل ومن خلال تصريحاته الصاخبة ومن خلال إدراك التغير العام فى المجتمع الأمريكى يمكن الاستنتاج بأن ترامب كمرشح شعبوى وكرئيس منتخب هو تعبير عما تصفه مصادر أمريكية بـ «اليمين البديل»، بمعنى التيار الجمهورى المحافظ والذى يؤمن بقيمة وأولوية مصالح الرجل الأبيض فى مواجهة المواطنين الأمريكيين من ذوى الأصول الأسيوية والإفريقية واللاتينية، والذين يُنظر إليهم باعتبارهم قد أخذوا حقوقهم وزيادة، وأنه آن الأوان أن يحصل المواطن الأبيض على الحقوق نفسها بعد فترة من التهميش والاستبعاد. وامتدادا لهذه الفكرة الجوهرية، وما فيها من عنصرية كامنة، وعلى الصعيد الخارجى تتبلور هذه الفكرة فى أولوية المصلحة الأمريكية عما عداها من مصالح الآخرين سواء الدول والمؤسسات والأحلاف العسكرية كالناتو، وأنه فى حال العمل المشترك مع أى طرف فلابد من مراعاة المشاركة فى التكلفة التى تحددها الولايات المتحدة بنفسها وعلى الآخرين أن يقبلوا طواعية دفعها.


وفى كلا الأمرين ثمة حالة استعلاء كامنة ولا يمكن تجاهلها. ووفقا لإدراك مرشح هذا «اليمين البديل» القادم من خارج المؤسسة السياسية والنخبة التقليدية فإن عنصر الأفضلية المطلقة هو الحاكم، يرافقه عنصر القوة والحسم. وكل من يثبت قوته وحسمه فهو مُرحب به للمشاركة مع الولايات المتحدة فى ظل رئاسة ترامب. غير أن إثبات القوة والحسم مرهون بدوره بالتوافق مع توجهات المصالح الأمريكية، وهو ما يفسر إعجاب ترامب بقيادة بوتين الذى مارس الحسم بكفاءة فى سوريا ضد المنظمات الإرهابية والتى هى محل استهداف مباشر من قبل ترامب باعتبارها مسئولة عن حالة الفوضى فى الشرق الأوسط ولا مجال سوى مواجهتها بكل قسوة وإنهاء وجودها تماما، الأمر الذى يفتح أبوابا واسعة لتعاون البلدين لاحقا لمواجهتها بكل قوة والتعاون الواسع وبلا قيود مع الدول التى تواجه هذه المنظمات الإرهابية وتعمل على حماية نفسها من شرورها كما تفعل مصر.


مفوضية الإسلام الراديكالى


ووفقا لقناعات الرئيس المنتخب ترامب فليس هناك فارق بين جماعة إرهابية وأخرى، أو جماعة ترفع السلاح لمواجهة حكومة بلدها وجماعة إرهابية صريحة سواء وصُفت بالمعتدلة أو الإسلامية المعارضة كما هو الحال القائم فى سوريا حيث تفرق إدارة أوباما بين إرهابيين مرفوضين وإرهابيين معتدلين، وكلاهما يعتمد على مرتزقة وتمويلات من الخارج لقصم ظهر سوريا شعبا ودولة، ولدى ترامب فالكل آت من مصدر فكرى متطرف واحد، ولا يوجد أى عذر للتعامل مع أى نوعية من هذه الجماعات ومواجهة أخرى، فالكل فى الإرهاب المكروه سواء.


ومما طرحه ترامب لمواجهة هذه الجماعات الإسلامية الراديكالية المتطرفة ما أسماه إنشاء مفوضية للإسلام الراديكالى يشارك فيها ممثلون من الحزبين الجمهورى والديمقراطى ومن مسلمين موثوقين لم يحدد جنسياتهم، لمتابعة جماعات الإسلام المتطرف واقتراح سبل التعامل معهم سياسيا ودعائيا وعسكريا سواء فى داخل الولايات المتحدة أو خارجها. وفى ضوء التوجه اليمينى العام والموقف الصارم المناهض لما يصفه بالتطرف الإسلامى، فمن المرجح أن تكون هذه المفوضية بمثابة آلية عمل تساعد إدارة ترامب فى وضع سياسات مواجهة شاملة لظاهرة التطرف الفكرى بين فئات من المسلمين، وربما الاستفادة من تجارب دول مسلمة تواجه الظاهرة نفسها.


من المرشح الى الرئيس


من المعروف أن المرشحين إبان الحملات الانتخابية عادة ما يطلقون التصريحات والوعود لغرض جذب الناخبين واستقطاب أصواتهم، وحين تأتى لحظة تسلم السلطة ومعرفة الكثير من الأسرار والمعلومات والتداول مع الجهات المعنية يتم التعامل مع الوعود الانتخابية بشكل مختلف، مع السعى قدر الإمكان للحفاظ على جوهر الفكرة العامة التى حكمت الوعود الانتخابية، وفى بعض الأحيان تتغير الفكرة تماما ويحدث التعديل الذى يتناسب مع الواقع العملى أو ما يطلق عليه البراجماتية. ولن يكون ترامب الرئيس استثناء لهذا التيار العام. وقد أثبت بالفعل أنه ملتزم بما قاله من حيث إيمانه بالمرونة وإمكانية تغيير الموقف وفقا للواقع الجديد. فبعد لقائه الأول مع الرئيس أوباما للتعرف على آليات عمل البيت الأبيض وتسلم السلطة، شرح الرئيس أوباما قانون الرعاية الصحية المعروف بـ « أوباما كير» والذى يستفيد منه أكثر من ٥٠ مليون أمريكى، وهو القانون الذى وعد ترامب أن يلغيه فورا وأن تقدم الخدمة الصحية وفقا للأسس المعمول بها فى السوق، وكان من شرح الرئيس أوباما أن تعرف الرئيس المنتخب على أبعاد القانون وأهميته مما دفع الأخير إلى القول أن بعض القانون سيبقى وبعضه الآخر سيطرح على الكونجرس تعديلات له. ولا يعنى ذلك أنه سيغير كل قناعاته، بل غالبا بعضها التى لم تكن مكتملة فى عناصرها ستكون محلا للتعديل وربما التجاهل. ولكنه أيضا سيلتزم بما هو مؤمن به إيمانا جازما، ومن بين ذلك طرد ما يقرب من ٣ ملايين مهاجر غير شرعى وصفهم ترامب بأنهم من العصابات والمجرمين ومغتصبى الأطفال ولا يليق بهم العيش على الأراضى الأمريكية، وهو الأمر الذى أكد ترامب بعد أقل من أسبوع على فوزه انتخابيا أنه بدأ فيه بالفعل وأن قوائم للمهاجرين غير الشرعيين محل مراجعة وتدقيق لتحديد من سيتم طرده مع أول عمل لإدارته. ومما أكد عليه أيضا بناء الجدار الحدودى مع الجارة الجنوبية المكسيك للحد من الهجرة غير الشرعية القادمة منها ومنع عمليات تهريب البشر والمخدرات إلى الداخل الأمريكى، أما التعديل الجزئى الذى أعلنه فتعلق بأن التكلفة سوف تتحملها أمريكا وليست المكسيك.


وتقدم الأمثلة السابقة صورة أكثر وضوحا لكيفية عمل ترامب كرئيس للولايات المتحدة، فهناك أمور لا رجعة فيها، وهناك أمور قابلة للنقاش والتعديل ومن بين ذلك موضوع حظر شامل على المسلمين، والمرجح أن تكون هناك قيود أكثر فى منح سمات الدخول إلى الولايات المتحدة من دول بعينها تُعتبر مصدرا للتطرف الإسلامى وفق مقاييس «اليمين البديل»، وقس على ذلك اتفاقات التجارة الحرة والعلاقة بين أمريكا ودول حلف الناتو واتفاقية باريس للمناخ، إذ أن هذه الاتفاقات الدولية العامة تحقق بشكل أو بآخر مصالح أمريكية كبرى لا يمكن الاستهانة بها، وغالبا ما سيتم إعادة التفاوض على بنود بعينها سيراها فريق ترامب ضارة بالمصالح الأمريكية ويجب تعديلها. والموقف نفسه سيكون من نصيب الاتفاق الخاص ببرنامج إيران النووى.أما ما هو غير قابل للتعديل فهو ما يتعلق بمواجهة تنظيمات الإرهاب فى سوريا والعراق وغيرهما، وحماية إسرائيل وضمان تفوقها العسكرى. أما السلام مع الفلسطينيين فسيظل مرهونا بشروط إسرائيل نفسها كما أكد عليها ترامب فى خطابه أمام اللوبى الصهيونى اليهودى فى أمريكا المعروف باسم أيباك، وهى أن يتوقف الفلسطينيون عن ثقافة الكراهية والموت حسب وصفه لإسرائيل باعتبارها دولة لليهود، وأن يقبلوا بالتفاوض معها دون شروط مسبقة ودون تدخلات خارجية. وهى نفسها شروط نتنياهو بلا أى تجميل.


إسقاط ترامب والمجهول المقبل


لقد شكل فوز ترامب تحديا كبيرا للمجتمع الأمريكى فى شقه الليبرالى المتحرر بلا قيود، فضلا عن الهزيمة الساحقة لمؤسسات أمريكية سعت بكل قوة وراء فوز هيلارى كلينتون ومنع فوز القادم من خارج أسوار المؤسسة السياسية النخبوية. وتدل المظاهرات التى اندلعت فى أكثر من ولاية أمريكية عُرف عنها تأييدها التلقائى للمرشح الديمقراطى على أن هناك حالة رفض للهزيمة ولنتائج صندوق الانتخاب، وقد بدأت أصوات تتحدث عن أن نتائج الصندوق ليست وحدها المعيار الوحيد لقبول العيش فى ظل رئيس غير مؤهل للحكم وسوف يثير إشكاليات سياسية وقانونية كبرى للمصالح الأمريكية ولنظام القيم الأمريكية. ومع أن هذه المظاهرات طغى عليها عنصر شباب الجامعات والمدارس الثانوية وفئات المثليين وتحولت إلى مظاهرات من أجل الشغب والتمرد على الإجراءات المعمول بها فى تنظيم المظاهرات، وهو ما تم مواجهته بالقوة والعنف من قبل البوليس والأمن المحلى.


غير أن الجديد فى الأمر هو سعى الديمقراطيين إلى إسقاط الرئيس المنتخب ترامب من خلال توقيع عرائض ترفض انتخاب ترامب، والضغط على مندوبى الولايات فى المجمع الانتخابى لكى يغيروا تصويتهم لصالح هيلارى كلينتون، يوم اجتماع المجمع الانتخابى فى شهر ديسمبر المقبل، وذلك بدلا من الالتزام بالتقاليد المعمول بها وهى تصويت المندوبين مجتمعين لصالح المرشح الحاصل على الأصوات الأكثر فى الولاية، وقد أبدى الحزب الديمقراطى استعداده لدفع الغرامات التى سيدفعها المندوبون غير الملتزمين والذين سيبدلون أصواتهم لصالح كلينتون.


ورغم أن هذا التصرف الذى يخطط له الحزب الديمقراطى ويجد دعما من فئاته المناصرين له ومن مؤسسات رسمية فضلا عن مؤسسات دولية ودول أوربية عديدة، يُعد تصرفا غير ديمقراطى وغير أخلاقى، لكن هناك من يبرره بأنه قبول ترامب ليس فى صالح أمريكا كما أنه ليس فى صالح العالم. ونظرا لضراوة المحاولة فعلينا أن ننتظر قليلا فقد تتغير الموازين فعلا، ويختفى ترامب قبل الصعود الى المسرح لتسلم مهامه رسميا يوم العشرين من يناير مطلع العام الجديد. وعندها لا نعرف كيف سيكون رد فعل أنصاره وهم كُثر، ولكن غالبا سيكون العنف هو سيد الموقف.