موسكو وواشنطن والشرق الأوسط ٢٠١٧ عهد جديد من الوفاق أم تجديد للحرب الباردة الساخنة؟

16/11/2016 - 12:51:08

  حلب بعد أن صارت مدينة مدمرة حلب بعد أن صارت مدينة مدمرة

سفير د. رضا شحاتة

إذا كانت جمهرة المحللين والخبراء للعلاقات الدولية عامة، والعلاقات الروسية الأمريكية بصفة خاصة قد أجمعت على أن فوز الرئيس المنتخب دونالد ترامب فى انتخابات الرئاسة الأمريكية فى الثامن من نوفمبر ٢٠١٦ فوزًا تحدى معظم التوقعات واستطلاعات الرأى وخيب آمال دوائر سياسية مختلفة الاتجاهات والولاءات فى العالم كله، فإن المفاجأة الأكبر التى يمكن أن تحدث تحولًا دراميًا حقيقيًا فى المسارات الدولية والإقليمية، سوف تكون ـ كما كان يأمل ويتطلع خبراء موسكو، أو بالأحرى الخبراء المتخصصون فى شئون الكرملين وسياسات إدارة الرئيس فلاديمير بوتين هى فى علاقاته مع واشنطن فى السنوات الأربع القادمة (٢٠١٧ ـ ٢٠٢١) وهى السنوات التى سوف تشهد أيضًا، كما هو مخطط لها فى الإدارة الروسية، الولاية الثالثة للرئيس بوتين (٢٠١٨ – ٢٠٢٣).


أما تقديرات أو مخططات الرئيس المنتخب «ترامب» بالنسبة للرئيس بوتين، فهى لم تكن بالأمر الخفى أو المستتر، وبالمثل وبنفس القدر من الوضوح، كانت تقديرات أو توقعات الرئيس بوتين نفسه إزاء المرشح الرئاسى (ترامب) إذا قدر له الفوز فى الانتخابات الرئاسية، كما تحقق فعلًا.


تجلى ذلك فى التاسع من نوفمبر عندما كان بوتين من أوائل رؤساء الدول الذين بادروا بتهنئة الرئيس المنتخب (دونالد ترامب) لكن مجرد (لفتة واحدة) لإبداء النوايا الطيبة لاتكفى فى سياق العلاقات الدولية لكى تؤدى إلى تغيير حقيقى فى مستوى العلاقات والشراكة بين دولتين عظميين مثل الولايات المتحدة الأكبر عسكريًا اقتصاديًا وتكنولوجيا وعلميًا فى العالم المعاصر وبين روسيا القوة العالمية الصاعدة، فتطوير أى شراكة روسية أمريكية عبر إدارة جمهورية جديدة على رأسها الرئيس المنتخب الجديد (دونالد ترامب) دونها احتمالات بالغة التعقيد مثقلة بالمعضلات والإشكاليات الدولية والإقليمية.


أول تلك الإشكاليات أمام خلق مناخ جديد فى العلاقات بين موسكو وواشنطن يتصدر التخطيط لإلغاء منظومة العقوبات الاقتصادية، التى فرضها الرئيس الأمريكى الحالى (أوباما) على روسيا ردًا على ما اعتبره (التورط) الروسى فى أوكرانيا عام ٢٠١٤، وتكفى الإشارة هنا بأن الخبراء الروس أنفسهم قدروا تكلفة هذه العقوبات، التى تحملتها روسيا بمائة بليون دولار عام ٢٠١٥، ومن الطبيعى أن تكون هذه التكلفة، قد ارتفعت عام ٢٠١٦، بل وزاد وطأة هذه التكلفة الباهظة انخفاض أسعار النفظ لتزداد الضغوط على الميزانية الروسية ومعاناة قطاعات واسعة من الشعب الروسى.


على المستوى الاستراتيجى وفى سياق الأمن الأوربى، وارتباطاته بالأمن القومى الروسى أو لنقل الاستراتيجية الأوربية والدفاعية (فى إطار الناتو) وعلاقاتها أو تأثيرها فى الأمن والعقيدة العسكرية والدفاعية الروسية، فثمة بعض الخيارات المطروحة أمام الرئيس المنتخب (ترامب)، والتى كان قد أعلن عنها صراحة خلال حملته الانتخابية، وإن كانت سياساته بعد أن يتولى الرئاسة فى يناير ٢٠١٧ هى التى سوف تحدد ما إذا كان سوف يلتزم بما كان قد صرح به أم سيعدل عنه.


ومن بين هذه الخيارات الاستراتيجية المعقدة، التى أثارت ردود فعل سلبية ومخاوف عميقة لدى قادة الناتو سياسيين وعسكريين مطالبة (دونالد ترامب) لأعضاء حلف الناتو بأن يتحملوا جزءًا أكبر من التكاليف، التى تتحملها منظمة حلف الناتو ويقع معظمها على الميزانية الأمريكية، ويكفى فى هذا السياق أنه لم تكد تمضى ساعات محدودة على فوز (ترامب) فى الرئاسة حتى بادر سكرتير عام حلف الناتو بتذكيره بألا ينسى العلاقة القديمة الدائمة، التى تربط دول الحلف بالولايات المتحدة فى إطار المهام الموكولة للحلف بالحفاظ على السلام، وهو ما يعكس المخاوف الكامنة من المنظور الأوربى، وربما الآمال المعلقة فى موسكو على تطورات محتملة فى نوعية أو نمط العلاقات الأمريكية الأوربية أو اليورو أطلنطية بما يخدم المصالح الاستراتيجية الروسية هذا إذا كان فى تخطيط دونالد ترامب فعلًا الحدّ من الدور الذى يضطلع به حلف الناتو على الساحة الأوربية، وهذا بدوره سوف يعكس أول ما ينعكس بالضرورة على موازين القوة فى علاقات الدولتين روسيا والولايات المتحدة بدول أوربا الغربية الرئيسية ـ أعضاء الناتو خاصة، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأسبانيا ثم دول البلقان ووسط أوربا ذات الأولوية الخاصة للسياسة الروسية، بالإضافة إلى دول أوربا الشرقية (بولندا والتشيك وبلغاريا(دول التوسع الشرقى للناتو الملاصق للحدود الروسية)، فضلًا عن تركيا ذات العلاقات التاريخية المعقدة سلبًا وإيجابًا مع روسيا، ثم وهى عضو الناتو فى الوقت نفسه وتأثيراتها فى الفضاء الإقليمى تنافسًا أو تعاونًا.


وفى الإطار الثنائى والإقليمى، فإن المجال الأخطر والأكثر سخونة وتعقيدًا والأبعد آثارًا على المستوى الثنائى والإقليمى سوف يكون هو التعامل مع الأزمة والحرب الأهلية الدائرة فى سوريا ـ ضمن النسق المعقد والمركب للأزمات الإقليمية فى الشرق الأوسط (إيران ـ الخليج ـ الصراع العربى الإسرائيلى وسوريا وتوابعها بطبيعة الحال فى لبنان، والأراضى الفلسطينية المحتلة (وإسرائيل ذاتها).


بداية يميل الخبراء الروس إلى القول أن (ترامب) فى تعامله مع روسيا سوف يحتاج إلى فريق من الخبراء المتمرسين لتجنب أى سلوكيات غير متوقعة فى علاقاته مع روسيا أو مع غيرها من القوى الكبرى (الصين)، ويظل السؤال المطروح، هل سوف تكون سياساته مع موسكو مرحلة جديدة «من الوفاق»، الذى شهدته الدولتان فى عهد نيكسون ـ كسينجر فى السبعينات، حيث شهدا عهدًا من التعاون بعيدًا عن التصعيد والانزلاق إلى صراع نووى، وقد يفرط بعض الخبراء الروس فى التبسيط فى أحكامهم الجاهزة عن مستقبل علاقات موسكو وواشنطن مع الإدارة الأمريكية المتتالية على أساس أن الجمهوريين هم الأقدر والأكثر خبرة فى التعامل مع سياسات الكرملين لواقعيتهم وحساباتهم العملية، أما الديمقراطيون فهم عمومًا من أتباع المدرسة (المثالية)، التى تصطدم فيها المصالح بالقيم والمبادئ.. هذا الإفراط فى التبسيط فى التقديرات أو فى التفاؤل فى مستقبل العلاقات الثنائية إذا كان سائدًا فى قطاعات أو تيارات خاصة من الرأى العام، فإنه يتعين توخى أقصى درجات الحذر فى تقديرات المستقبل، التى تستعيد ذكريات الرئيس الأسبق نيكسون ١٩٦٩ ـ ١٩٧٤، ومستشاره كسينجر حين تحقق مناخ من الوفاق والحوار عند التوصل إلى درجة من التكافؤ العسكرى والاستراتيجى ثم التدهور، الذى أصاب العلاقات فى عهد كارتر.


وبرغم هذا التحفظ فإن تقديرات الخبراء الروس فى ضوء الفوز الكبير الذى أحرزه الجمهوريون فى الكونجرس وفى ضوء الفوز الدرامى للمرشح الجمهورى (ترامب) بالرئاسة، تميل إلى القول أنه (ترامب) مستعد لفتح قنوات الحوار مع روسيا وإن لم يصل الجمهوريون بعد إلى درجة محدودة من التوافق أو الإجماع فى الآراء والاتجاهات لأسلوب التعامل مع روسيا من منطلق هام وحيوى وهى أن روسيا وإن كانت تمثل عاملًا محددًا ومؤثرًا فعالًا فى السياسة الخارجية الأمريكية فهى ليست المؤثر الأقوى أو الأوحد إذا ما قورنت بالصين (مثلًا) أو بالمحور الآسيوى بشكل عام أو حتى بالعلاقات اليورو أطلنطية أى الأوربية الأمريكية.


الوفاق الممكن المشروط:


ويرى كثيرٌ من الخبراء الأمريكيين والروس على حدٍ سواء أن تحسين المناخ فى العلاقات الثنائية وتدشين عهد جديد من الوفاق على نسق السبعينيات فى القرن الماضى ـ ودون الانزلاق إلى الحرب الباردة والساخنة فى فترة ثمانينيات القرن الماضى ـ أمرٌ مرهون فى المقام الأول بتغيير الكرملين ـ فى عهد بوتين الحالى والقادم لمسار سياسته الخارجية (فى شرق أوربا ـ أوكرانيا ـ وفى (شرق الأوسط، سوريا)، وذلك من منطلق الامتناع عن تلك الخطوات والتدابير الروسية فى رأى عدد من الخبراء الأمريكيين، والتى تمثل خروجًا على النظام الدولى الراهن، الذى أرست (واشنطن) قواعده منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية استخدام القوة المفرطة فرض القوة الروسية على الساحة الدولية.


وفى المقابل أيضًا فليس هناك فى دوائر صنع السياسة الخارجية الأمريكية حتى اليوم، حتى بعد فوز (ترامب) من يرى أن السياسة الخارجية الروسية سوف يطرأ عليها أى تغيير فى المسار أو التوجه فى ظل الرئيس (بوتين) وأقصى ما يمكن أن يقال فى توقعات الخبراء الروس أنفسهم أن العلاقات الثنائية سوف تبقى بشكل عام دون تغيير اللهم إلا إذا تغيرت وتبدلت السياسات الداخلية (الاقتصادية والاجتماعية وعلاقات القوى السياسية) فى روسيا وفى الولايات المتحدة أيضًا.


أما على المستوى الإقليمى الشرق أوسطى فلاشك أن أجندة السياسة الخارجية التى سوف تفرض نفسها على (ترامب) فور توليه مقاليد الإدارة فى مطلع العام القادم سوف ترغمه على التعامل بواقعية وبراجماتية مع السياسة الروسية ما بعد الحرب الباردة فى ظل رئاسة الرئيس بوتين ولعله من أعقد قضايا تلك الأجندة سيطرة أوضاع الفوضى والاضطراب من حروب أهلية وقلاقل سياسية وفراغ أمنى وإرهاب دموى فى الشرق الأوسط، فى سوريا وليبيا والعراق واليمن وكثير من بلدان المشرق العربى وشمال إفريقيا.


خريطة الشرق الأوسط، كما هى مطروحة فى المنظورين الأمريكى والروسى تجتاز حتى اليوم أطوارًا متعاقبة من الثورات وتفكك كيانات الدول والانهيارات المؤسسية والصراعات الدينية والمذهبية والقبلية، كما تشهدها ساحات العراق واليمن وليبيا، وصراعات الإرهاب والثوار (والتهديدات الأمنية، كما تشهدها دولة مركزية مثل مصر) ونظم الحكم بما لها وما عليها (فى سوريا خاصة) سواءً بهدف تغيير نظام الحكم أم بهدف الحفاظ على كيان الدولة ووحدة الأرض، ودحر الإرهاب فى دوامته، التى تكاد تبتلع الجميع، ما لم يوقف زحف الإرهاب وسيطرة اليمين الفاشى والفكر المتطرف.


فى هذا الشرق الأوسط تنتظر الرئيس المنتخب الجديد سلسلة من الإخفاقات الداخلية الصارخة فى محاولات التجديد والتطوير والتحديث وسد فجوات الديمقراطية والمعرفة وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية الحريات المدنية وفجوات التنمية بين الوفرة والندرة، كما سجلتها تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية سنوات وراء سنوات، وهى تحديات لم تقتصر على زعزعة الاستقرار والأمن والسلام فى الشرق الأوسط فحسب، بل وأطلقت موجات اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين بل والمتسللين من الإرهابيين و(المقاتلين الأجانب) إلى داخل العواصم الأوربية وعبر الأطلنطى والى وسط آسيا والقوقاز، بما يهدد الأمن القومى الروسى، فضلًا عن الأمن الأوربى والأمن القومى الأمريكى نفسه، وطرحت من جديد إشكالية الصراع غير المبرر بين الحضارات الغربية والإسلام والمسلمين القادمين من الشرق وديار الإسلام عامة وما يسمونه (بالخطر الأخضر).


ـ هذه القضايا الأمنية الإقليمية، التى تحملها الأجندة السياسية للرئيس الأمريكى المنتخب هى نفسها التى تمثل الروافد المغذية لتيارات الإرهاب المسمى (بالجهادى)، الذى يهدد أوربا والولايات المتحدة وروسيا أيضًا فى آن واحد، فهل تكون تلك الأجندة الإقليمية الشرق أوسطية هى نفسها (الأجندة)، التى يلتقى عليها (ترامب) و(بوتين) فى وفاق استراتيجى دولى جديد يتجاوز خلافاتها الحالية؟.


ـ الاستراتيجية الروسية فى سنوات بوتين، أعادت توجيه بوصلة التحرك السياسى الروسى تجاه الشرق عامة وتجاه آسيا، الصين تحديدًا وآسيا الوسطى (لتلتقى فى نقطة وسط مع طريق الحرير)، وبالتوازى فإن السياسة الأمريكية أيضًا ومنذ عهد (أوباما) وإدارته الديمقراطية كانت قد أعادت توجيه الاستراتيجية الأمريكية وترتيب أولوياتها بعيدًا عن مسرح الشرق الأوسط باتجاه آسيا بعد تحقيق درجة عالية من الاستقلالية فى مجال الطاقة، لكن ذلك لا يعنى أن الولايات المتحدة سوف تخلى ساحة الشرق الأوسط إخلاءً كاملًا بحكم مصالحها الحيوية مع إسرائيل، من منظور استراتيجى، ومن منظور «العلاقات الخاصة»، ما يسمى بالشراكة فى القيم والتراث اليهودى المسيحى، كما جاء من قبل فى فكر المحافظين الجدد، ومن منظور الانتشار النووى، ثم من منظور الحرب السورية، التى لا تمثل للولايات المتحدة مجرد مأساة إنسانية (مهاجرين ولاجئين) فحسب، بل عنصر من أخطر عناصر عدم الاستقرار والفوضى (حزب الله ـ النظام السورى ـ حماس) بل وتمدد النفوذ الإيرانى الإقليمى، وانتقال خلايا الإرهاب والمتطرفين (والمقاتلين الأجانب الموالين لفكر داعش والقاعدة) إلى قلب العالم الغربى.


ـ وهذه ليست بالأخطار التى يمكن لإدارة جمهورية جديدة يرأسها (ترامب) أن تتجاهلها إلا إذا قرر إعادة توجيه السياسات الخارجية الأمريكية من استراتيجية عدم (التورط) وعدم التدخل والانخراط (أوباما) إلى استراتيجية أكثر ديناميكية وفاعلية فى التعامل مع مصادر عدم الاستقرار والفوضى (الإرهاب وتدفقات المهاجرين، وهو ما يوصف أحيانًا فى رأى خبراء الاستراتيجية الأمريكية المخضرمين بأنها (سياسة لاحتواء الجديد) من خلال التأثير على النتائج وتبديل الأهداف وتعديل الأولويات بدعم (الحلفاء) القدامى أو التقليديين دون اللجوء لسياسة التدخل العسكرى المباشر وربما إعادة (تأكيد) الدور الأمريكى القيادى فى السياسات العالمية.


ـ إسرائيل والوفاق الجديد:


فى إطار التحركات المتوقعة على صعيد الشرق الأوسط، يترقب كثير من خبراء الاستراتيجية الأمريكية فى الدوائر الإسرائيلية أن تتيح إدارة (ترامب) لإسرائيل فرصة ثمينة لاستعادة قنوات التفاهم مع واشنطن بعد فترة (برود) وأحيانًا توتر واضح بين (نتانياهو) وأوباما، كما أن إدارة (ترامب) فى التقديريات الاستراتيجية الإسرائيلية سوف تعمق من أسس العلاقة الراسخة الخاصة بين الإدارتين تجمعها، كما تطرح التقديرات الإسرائيلية مجالات للتعاون والتنسيق فى أزمات سوريا، وإيران، والصراع العربى الإسرائيلى (يشار إلى استعداد موسكو أيضًا للوساطة بمبادرة لاستئناف المباحثات الإسرائيلية الفلسطينية فى مؤتمر تدعو إليه موسكو).


ـ لكن هذه التقديرات الإسرائيلية ترد عليها عديد من القيود أو الموانع ذلك أن نفس تلك المجالات (سوريا، ايران، والصراع العربى الإسرائيلى) تمثل مجالات تنافس، إن لم يكن مجالات احتكاك أو اختلاف بين روسيا والولايات المتحدة تتصارع فيها الرؤى والمصالح والأولويات الاستراتيجية.


ـ خيارات السنوات القادمة أمام موسكو وواشنطن:


وتبقى أمام واشنطن وموسكو فى السنوات الأربع القادمة ثلاثة خيارات لا بد من الاستقرار على واحد منها أولها إما استمرار صراع المصالح أو تضارب المصالح، والثانى تلاقى أو تطابق المصالح، (وذلك أمرٌ يتصف بالإفراط فى التفاؤل) أما الثالث فهو توازن المصالح، وهو الأقرب إلى الواقعية (وهو النهج المتوقع لإدارة ترامب) وأقرب إلى البراجماتية أيضًا (وهو النهج الحالى لإدارة بوتين فى السياسة الخارجية).


ـ وسوف يكون أمام (ترامب) الفرصة لتصحيح إخفاقيين رئيسيين فى سياسة أوباما تجاه سوريا، ذلك بالتركيز على دعم القوى المتحالفة مع الولايات المتحدة إقليميًا للدفاع عن المدنيين السوريين والمعارضة المعتدلة، وبالتوازى مع ذلك الاستمرار فى نهج واضح وصارم لدحر «نموذج» الدولة الإسلامية» فى أى جزء من سوريا، ورفض خيار المفاضلة بين نظام الأسد أو نظام الدولة الإسلامية الإرهابية، وضرورة طرح البديل الواقعى المقبول إقليميًا وسوريًا ودوليًا وقد يكون فى الاستقرار على مثل هذا البديل ما يوفر الضمانات للقوى الإقليمية الرافضة للدولة الإسلامية أو التى تدين الفظائع، التى ترتكب فى حق المدنيين السوريين، وذلك بالتوازى أيضًا مع احتواء التوسع فى النفوذ الإيرانى.


ـ وفيما يتصل (بإيران) وهى القضية الخلافية البارزة بين الاستراتيجية الروسية والأمريكية، فليس من المرجح، فى تقدير كثير من الخبراء الإسرائيليين أنفسهم أن (ترامب) سوف يلجأ إلى إلغاء الإنفاق النووى مع إيران لما فى ذلك من تداعيات إقليمية بعيد المدى على سياق التسلح والانتشار النووى الإقليمى وانهيار نظام منع الانتشار النووى العالمى وردود الفعل السلبية لدى كثير من الدول الأوربية الكبرى (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا) ويضاف إلى ذلك أن الدوائر الإسرائيلية تغتنم مثل هذه الإشكالية لتطالب بالمزيد من التنسيق والدعم بين الاستراتيجيين الأمريكية والإسرائيلية فى مواجهة إيران، بل تطرح بديلًا إقليميًا شبه مستبعد وهو طرح نموذج (للتحالف السنى) مع اسرائيل ضد ما تراه خطرًا وجوديًا على إسرائيل سواء استمر الاتفاق النووى أم واجه احتمال الإلغاء والنقض أو المراجعة.


ـ تبقى العلاقات مع مصر، لما يجمعها من علاقات شراكة تسمى بالاستراتيجية مع واشنطن طيلة ثلاثين عاما مضت، وهى فى الوقت الراهن كذلك تعيش الآن أوقاتًا هى أقرب إلى الشراكة الاستراتيجية الوظيفية مع موسكو، بعد إعادة فتح قنوات الاتصال القديمة والمتجددة (منذ الثلاثين من يونيه ٢٠١٣ ) مع القيادة الروسية على مختلف الأصعدة.. لكن علاقات الدولتين والرئيسين، موسكو وواشنطن ترامب والسيسى، وبوتين والسيسى، ليست علاقات قوامها التوافق الشخصى المزاجى أو التوافق فى الشخصية القيادية الكارزمية فقط، بل هى علاقات تحكمها المصالح الاستراتيجية ومتطلبات الأمن القومى والإقليمى فى العواصم الثلاث، القاهرة وموسكو وواشنطن والدوائر التى تتأثر بها.


ـ وقصارى القول بأن موسكو اليوم تمثل وستظل قوة كبرى تستعيد مكانتها الدولية بإيجابية وبإيقاع متسارع خاصة باتجاه الشرق والدول الآسيوية الكبرى الصاعدة وفى آسيا الوسطى وتؤكد مصالحها الحيوية فى شرق أوربا والشرق الأوسط استراتيجيا وتعبويًا تكتيكيًا، خاصة وفى شرق المتوسط وتعميق وتوسيع قنوات الحوار والاتصال معها يخدم مصالح الأمن القومى المصرى داخليًا وإقليميًا فى مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف العنيف.


ـ أما واشنطن سواء فى ظل إدارة جمهورية أم ديمقراطية فعناصر التأثير على صنع القرار خاصة فى السياسة الخارجية كثيرة، من البيت الأبيض إلى البنتاجون إلى الكونجرس والمؤسسة الأمنية ـ إلى الرأى العام والإعلام، إلى جماعات المصالح والضغوط المختلفة، وبرغم ذلك لايمكن إغفال الخصائص والمميزات الشخصية، بل والتركيبة السيكولوجية للرئيس الأمريكى القادم، الذى سوف يجلس على قمة أقوى دول العالم عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وعلميًا، وهو ما يفرض على الجميع، شركاءً أم خصومًا العمل على تطوير «علاقات عمل» استراتيجية ووظيفية تخدم المصالح الوطنية والعليا فى عالم تتعدد فيه المراكز والأقطاب وتتوزع فيه مراكز صنع القرار السياسى والعسكرى والاقتصادى بين الدول الكبرى والمؤسسات الدولية والتكتلات الاقتصادية والمالية العالمية حتى وإن كنا نعيش اليوم فى ظل مناخ ما بعد الحرب الباردة والوفاق الجديد فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين.