قراءة فى فوز ترامب

16/11/2016 - 12:48:39

  فريدة الشوباشى فريدة الشوباشى

بقلم: فريدة الشوباشى

حبس العالم أنفاسه لمتابعة نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية، خاصة وقد أكد الإعلام ومراكز استطلاعات الرأى فى هذا البلد الذى يضع نفسه ويضعه الجميع على قمة التقدم التكنولوجي، فوز هيلارى كلينتون فوزا أكيدا  لا شك فيه..كانت النتيجة إذن شبه محسومة وروّج الإعلام كل ما يمكن أن يخصم من رصيد المرشح الجمهورى دونالد ترامب..غير أن رياح الانتخابات أتت بما لا تشتهى سفن أنصار إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما والتى كانت ستمتد فى شخص هيلارى كلينتون بكل ما بها من سلبيات قاتلة.


والمعروف أن العالم العربي، الذى كان قد رحب بأوباما لأسباب عديدة ليس أقلها ما بدا وكأنه قطع الحبال مع آفة العنصرية ضد أصحاب البشرة السمراء، وطالت أو انطلت هذه الحيلة الماكرة علينا غير أننا نستطيع اليوم أن نقول إن أوباما قد خدعنا فعلا بعبارته الساحرة فى جامعة القاهرة وهو يتوجه إلى الحضور مبتسما ومشرق الوجه قائلا «السلام عليكم»..لقد كنت ممن خُدعوا فى الرجل وتوهمت أن واشنطن فتحت صفحة جديدة فى علاقاتها بالعالم ونحن منه..غير أن ما كشفت عنه التصرفات قبل الوثائق المسربة أوضح بما لا يقبل الشك أن هذه الإدارة كانت من أسوأ الإدارات الأمريكية بل ربما كان وجود أوباما فى موقع الرئاسة هو فى حد ذاته مؤامرة أمريكية بالغة الخبث والدهاء..فقد أتاح وجود رئيس من أصول إفريقية افتراض حسن النية، بينما كان القصد توفير الغطاء للتمادى فى أشرس مخطط لتفتيت الوطن العربى ولأول مرة ورغم الدعم الأمريكى الدائم والداعم تماما لإسرائيل ولكل مخططاتها الاستيطانية الاستعمارية وانتهاكاتها الفاضحة للحقوق الفلسطينية، وقف أوباما فى الكنيست الإسرائيلي، متشنجاً، منتفخ الأوداج، وهو يصرخ بهيستيريا «إن القدس الموحدة هى العاصمة الأبدية للدولة اليهودية !!».. هل هناك عنصرية مقيتة أكثر من ذلك ؟..وهل  يوجد ازدراء للقانون الدولى وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى أشد من ازدراء أوباما هذا لكل القوانين والأعراف الدولية؟..وهل يمكن أن نغفر لمن خدعنا بعبارته «السلام عليكم» تجاهل حقنا فى المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس حيث المسجد الأقصي، أولى القبلتين وثالث الحرمين، وكنيسة القيامة التى تُعد من أعلى الرموز المسيحية؟..هل يعقل أن تسقطنا دولة من حساباتها، وكأننا مجرد صفر فى المعادلة الدولية، بكل هذه الصفاقة؟، وأتصور أن أحدا من المواطنين العرب لم يعد لديه أدنى شك فى استخدام أمريكا لكافة التنظيمات التى تدعى أنها إسلامية، وتسليحها لحركة داعش الإرهابية، تنفيدا للمخطط الشرير بتفتيت الوطن العربى إلى دُويلات عرقية وطائفية..فنحن المنطقة الوحيدة فى العالم التى يتقاتل أبناؤها من المحيط إلى الخليج، ليس لاختلاف العقيدة فحسب، بل حتى لاختلاف المذهب، وكأننا اكتشفنا فجأة فى السنوات القليلة الماضية، ومنذ تصريح وزيرة الخارجية فى إدارة جورج بوش الابن كوندوليسا رايس عن الفوضى الخلاقة أن الخلاف على لمن تؤول الخلافة لسيدنا على أم لمعاوية تزامن مع اندلاع الاقتتال بين العرب لا سيما فى العقد الأخير.. بحيث أعطينا صورة مفزعة عن «العرب والمسلمين» بتعصبهم وانغلاقهم، وكأنهم لا ينتمون إلى دين «وجادلهم بالتى هى أحسن» وليس بالذبح والتفجير ..وطبقت أمريكا «الفوضي» فى العراق وليبيا وسوريا واليمن، فكانت مدمرة فقط وأبعد ما تكون عن «الخلاقة»..الولايات المتحدة وقفت ضد مصر بمساندة حكم جماعة الإخوان «المسلمين» واتخذت مواقف معادية وهدامة من ثورة الثلاثين من يونيه التى مزقت مشروع تفتيت مصر والوطن العربي..ويكفى أن إعلامها وصلت به المغالطة والبجاحة الى حد وصف خروج ما بين ٣٥ و٤٠ مليون مواطن فى الميادين، «بالانقلاب !!».وليدلنى أحد من دراويش أمريكا والتغنى بقيمها الديمقراطية، على تصرف واحد يدلل على كلامهم، فقد احتلوا العراق بدعوى إقامة الديمقراطية وحال العراق الآن يدعو إلى الحسرة، حيث كان أول قرار للحاكم الأمريكى «بول بريمر»، هو تسريح الجيش العراقي، وفرض دستور تمت صياغته فى واشنطن هو دستور تقسيم العراق إلى شيعة وسنة وأكراد،  والمشهد الليبى بعد تدخل حلف الناتو دليل آخر على «حسن نوايا» أمريكا، إضافة إلى الإصرار على تفتيت سوريا واستمرار معتقل جوانتنامو، «المشرف والعنوان الساطع لديمقراطية أمريكا واحترامها لحقوق الإنسان، كما تتغنى دائما» و..و..القائمة طويلة ومفزعة..وأظن، وأتمنى أن يكون ظنى هذه المرة فى محله، إن الولايات المتحدة قد بدأت تدرك عمق ومدى كراهية شعوب العالم لها، ولتدليسها بإعلام كاذب ومغرض كما اتضح مؤخرا، ومن هنا، ورغم كل محاولات التجميل، فعلى واشنطن أن تغيِّر سياساتها التى تقوم على مبدأ، أنا ومن بعدى الطوفان، أى المصلحة والمكاسب على حساب كرامة الشعوب وخداعها واستغلالها، بل وإشعالها بالقتال والدمار، لضمان انفرادها بالسيطرة على العالم واستغلال ثرواته وموارده لصالح الاحتكارات الأمريكية الرهيبة..لقد أدان ترامب التدخل الأمريكى فى شئون الدول الأخري، كما أعرب عن كراهيته «للمسلمين !؟»،وهذا موضوع يحتاج إلى قدر من مصارحة النفس والنقد الذاتى بأن نسأل أنفسنا، ألا نشارك ترامب النفور من مشاهد العنف البشعة التى تصوِّر تصرفات داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية التى تسلحها واشنطن بتمويل عربى أحيانا للأسف؟..هل نقبل بأن تكون داعش وأخواتها، نموذجا للإسلام؟..إن رحيل إدارة أوباما وسقوط هيلارى كلينتون، غير مأسوف عليها، يتطلب منا فتح ملفات العلاقات المصرية الأمريكية، بأكبر قدر من الأمانة والوضوح، وأن نؤكد مخاوف بعض الأمريكيين من عواقب تفشي  الكراهية وعدم الاحترام وانعدام الثقة فى دولة تناقضت تصرفاتها، حتى لا أقول جرائمها، مع ما تدعيه من قيم ومبادئ، وكما يقال «ياما فى الجراب يا حاوي»، فسوف تكشف الأيام القادمة عن ضلوع الإدارات الأمريكية المتعاقبة فى إشاعة الدمار وإهدار الحقوق فى الوطن العربي، وفى مساندة الحركات الظلامية، بهدف تكبيل العرب فى سياج من التخلف والتعصب الأعمي، إلى حد التقاتل بينهم لصالح إسرائيل وتشجيع عدوانها المتواصل على الفلسطينيين وعلى العرب عموما..علينا أن نقول لأمريكا إنه لا مفر من صفحة جديدة فى العلاقات وأن سقوط هيلارى فى صالح واشنطن قبل غيرها، بعدما اتسعت رقعة العداء للممارسات الأمريكية إلى حد  جعل الشعوب تؤكد حقها فى علاقات ندية وأن عهد السيطرة بالمؤامرات والمخططات المرفوضة لا بد أن يولى إلى غير رجعة، تماما، مثلما أزاحت ثورة يونيه إلى غير رجعة، مقولة إن ٩٩٪ من أوراق الحل بيد أمريكا.