الانتخابات الأمريكية والإخوان وخطة why not

16/11/2016 - 12:47:06

بقلم : ثروت الخرباوى

جاءت نتيجة انتخابات الرئاسة الأمريكية مفاجأة لغالبية الناس؛ إلا أنها كانت متوقعة من قلة قليلة من الخبراء، وأذكر أننى قرأت مقالا منذ ثلاثة أشهر للمخرج الأمريكى الشهير «مايكل مور» كتب فيه أنه يتوقع أن ينجح ترامب وأن تسقط هيلارى كلينتون ومعها الحزب الديمقراطي، ووضع بعض المقدمات التى تقود إلى النتيجة التى انتهى إليها، وكانت كل هذه المقدمات مبنية على أمور داخلية فى أمريكا.


بعد أن قرأت هذا المقال استغرقت فى قراءة خريطة العلاقة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وكان أهم ما قرأته هو رؤيتها للعلاقات الأمريكية الشرق أوسطية، وخاصة العربية منها، وكنت قبل ذلك قد قرأت بعضا من هذا الملف، ثم كتبت تحليلا ضمنته رؤيتي، وكان مما كتبته وقتئذ يدل على أننا نرى فى كثير من الأحايين صورة، إلا أنها ليست الصورة الحقيقية، فخلفها وخلف الأضواء صورة حقيقية لا يستطيع أحد أن يراها إلا إذا تجاهل الصورة الوهمية وبحث خلفها، فلعلك لا تستطيع رؤية الحقيقة إذا اعتمدت على النظرة الأولى السطحية، أو إذا شدك الحماس وسيطرت عليك المشاعر، فالمشاعر الجانحة غير المنضبطة لا تترك مجالا للعقل ولا تدع فرصة للبصيرة، المشاعر الجياشة تغطى على كل شيء، ساعتها لن تستطيع أن ترى إلا ما تحب، وستزيح من أمام عقلك ما لا تحب، لذلك أدعوك فى هذا المقال إلى أن تترك مشاعرك قليلا، تلك المشاعر التى زينت لبعضنا أن من يرفع شعارات الدين يبتغى رفع الدين، وأن من يطلق لحيته ويسبل عيناه وهو ينظر لك إنما هو من رجال الله .


لذلك أدعوك يا عزيزى وأنت تقرأ هذا المقال أن تضع فارقا بين الدين والتدين، وبين الدين ومن يدعى التدين، فالدين رسالة سماوية مطلقة لا يرد عليها النقص، أما التدين فهو فهمنا للدين وممارستنا له، وهو أمر بشرى يرد عليه النقص والخطأ والادعاء، فالإيمان يزيد وينقص، ولكن من يطلب الدنيا والحكم من الممكن أن يتورط فى أمور تخالف الدين، وهنا لا نستطيع أن نقول إن هناك نقصا فى دينه أو زيادة فى تدينه، ولكن نستطيع القول إنه لا دين عنده من الأصل .


لماذا هذه المقدمة إذن ؟ لأننى عبر سنوات طويلة وقعت فى خطأ الخلط بين الدين والتدين فلم أرَ الحقيقة، وحينما بدأت فى مراجعاتى قادتنى هذه المراجعات الحرة إلى نتائج لم أستطع أن أتحملها وحدي، فكتبت بعضها ومكثت على دراسة البعض الآخر، ومن البعض الآخر وعبر ثلاث سنوات عكفت على عشرات الكتب، وقرأت مئات الوثائق، كنت أبحث فيها عن تلك الصلة الغريبة التى نشأت بين الإخوان وأمريكا، أو بالأحرى بين الإخوان والمخابرات الأمريكية، فقد كانت هذه الصلة واضحة وضوح الشمس بحيث لا تحتاج إلى تدليل أو توثيق، ولكن للعلم أحكامه، وللفهم أصوله، لذلك بعد سنوات من البحث انتهيت من تأليف كتاب سميته «أئمة الشر»، وقد كشفت فى هذا الكتاب عن أصل الخطة الأمريكية التى من أجلها تقابلت مع الإخوان فى طريق المصالح، تماما كما يقف العصفور على فك التمساح يخلصه من بقايا الطعام، والعصفور آمن على نفسه، فهو يقوم بمهمة ثقيلة لسيده التمساح ولكنه من خلال هذه الخدمة سيقتات من بقايا طعامه .


من ركام آلاف الأوراق التى قرأتها تعرفت على شخصية خطيرة ظلت مختبأة خلف الأوراق، لم أره فى الحقيقة ولكننى تتبعت آثاره، وشاهدت خطواته، وأيقنت أن هذا الشخص هو أخطر شخصية أمريكية فى العصر الحديث، هذا الشخص هو «جون برينان» الرئيس الحالى للمخابرات الأمريكية، هذا الرجل الذى ولد فى منتصف الخمسينات من القرن الماضى شغل مواقع متعددة فى المخابرات الأمريكية، وكان يشغل فى أحد الأوقات فى بداية الثمانينات موقع مدير مكتب المخابرات الأمريكية فى السفارة الأمريكية بالمملكة العربية السعودية، ثم شاع فى الولايات المتحدة الأمريكية فى أروقة البيت الأبيض أن برينان أسلم وحج البيت الحرام عندما كان فى السعودية، ثم زار مصر ومكث بها فترة عام يدرس اللغة العربية وتعرف خلالها على بعض قيادات الإخوان! ليس هذا الكلام من عندياتى ولكن قائل هذا الكلام هو «جون غوادولو» وهو أمريكى خبير بالشئون الإسلامية وعميل سابق فى «إف.بي.آي»، وقد تحدث فى مقابلة إذاعية مصورة عبر «سكايب» لبرنامج «ترينتو راديو شو» عن جون برينان وتاريخه، وبعد هذا التقرير الذى أعده «غوادولو» عضو المخابرات السابق عن صديقه جون برينان خرجت الكثير من الصحف الأمريكية تتحدث عن تفصيلات أخرى عن هذا الرجل وصلته بالإخوان وجماعات التطرف، وكيف أنه كان صاحب الدور الأكبر فى إنشاء «تنظيم القاعدة» ثم بعد ذلك أنشأ حركة داعش الإرهابية، وكان له أكبر الأدوار فى جريمة العصر، وهى «توصيل الإخوان لكرسى الحكم» فى الدول التى قامت فيها ثورات الربيع وفى القلب منها مصر.


أما خطة المخابرات الأمريكية لمساعدة الإسلاميين ـ وتحديدا الإخوان ـ للوصول إلى كرسى الحكم فقد تم إعدادها فى منتصف السبعينيات، وكانت تحت عنوان (Why not) وكان كبير مستشارى الأمن القومى وقتها «بريجنسكي» هو العقل المدبر لها، والمتمم لآلياتها، كانت محاور الخطة الرئيسية تقوم على ضرورة استخدام «البطاقة الإسلامية « لزرع الفتنة فى المنطقة وتقسيمها، وفى سبيل التمهيد لذلك طلب مستشار الأمن القومى رسميا من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ إجراء «دراسة مستفيضة» على الأصولية الإسلامية نظرا لما لها من «أثر سياسى متعاظم» فى أنحاء كثيرة من العالم، ووفقًا لما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» فإن مستشار الأمن القومى كان قبل ذلك قد وجه الأوساط الاستخبارية رسميا لعمل دراسة متعمقة على هذه الظاهرة.


وعندما دخل «جون برينان» إلى المخابرات الأمريكية وهو بعد شاب صغير تلقفه «بريجنسكي» إذ أيقن أن برينان تتوافر فيه الشروط اللازمة للتواصل مع الحركات الأصولية فى منطقتنا، لذلك كانت أولى مهامه هى أن يتولى مكتب المخابرات الأمريكية فى المملكة العربية السعودية، ومنها تسلل إلى قلب الجماعات المتطرفة بادعاء الإسلام، ثم جاء إلى مصر وتواصل مع خيرت الشاطر، وفى أمريكا استطاع التواصل مع محمد مرسى الذى كان يدرس للدكتوراه فى جامعة كاليفورنيا.


استكمل «برينان» الخطة التى وضعها بريجنسكي، ولم يكن من السهل أن يلمح أحد أن خطة (why not) أقيمت على فكرة استقرأها الفيلسوف والمؤرخ الإنجليزى الشهير برتراند راسل المتوفى عام ١٩٧٠، كتب فكرته فى كتابه الشهير «أثر العلوم فى المجتمع» الذى خرج إلى النور عام ١٩٥١، قال برتراند راسل: «يتزايد سكان العالم حاليا بمقدار ٥٨ ألف نسمة فى اليوم الواحد، ولم يكن للحرب - حتى الآن- أثر عظيم على الحد من هذه الزيادة، لقد ثبت أن الحرب مخيبة للآمال فى هذا الخصوص حتى الآن، لذلك يجب أن يبحث أصحاب العقول الراجحة عن وسائل بديلة للحرب بين الدول، حينئذ سيكون من السهل أن يتحول جزء كبير من العالم إلى قطعان من الفلاحين التى خبرها الأجداد فى القرون الوسطى، ويكون من السهل على الدول الصناعية الكبرى أن تقود العالم.» ومن أجل ذلك يجب أن يتحول البشر فى معظم العالم إلى قطيع من الفلاحين الأجراء، أو العبيد، كل عملهم هو إعداد «مائدة الطعام» للسيد الصناعى الكبير.


فكرة «ترييف العالم» وجعله سلة غذاء للدول الصناعية الكبرى، هى الفكرة التى استحوذت على عقل المخابرات الأمريكية فى ظل بريجنسكى وتلميذه برينان، والغريب أن «أوباما» كان شريكا لبرينان فى تجربته، فقد ذهب فى ذات الفترة من بداية الثمانيات إلى أفغانستان لدراسة الإسلام، وكان وقتها ملتحقا بجامعة «كولومبيا»، وقام بإعداد درسات وأبحاث عن الجماعات الأصولية فى المنطقة وكيفية استغلالها لتنفيذ خطة «ترييف العالم» وجعله مخزنا للمواد الخام ومخزونا استرتيجيا للمصانع الأمريكية.


ولكن كيف تطورت فكرة برتراند راسل وأصبحت خطة كاملة؟ كان ذلك عام ١٩٧٥ حيث (خرج إلى الوجود «مشروع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية لحقبة الثمانينيات» وهو استقراء خططى للمستقبل جاء فى ثلاثين مجلدا، أما الذين شاركوا فى هذا العمل الضخم فهم أكبر العقول الاستراتيجية فى أمريكا، كان منهم سايروس فانس، وأنطونى سلومون، وهارولد براون، وبريجينيسكي.(


ويتلخص هذا المجلد الضخم فى كلمتين، هما «التفكيك المنضبط» لاقتصاد العالم، فكرة التفكيك هذه تقوم على إشاعة الفوضى الاجتماعية، والحروب الإقليمية بين الجارات، والحروب الأهلية فى الدولة الواحدة، وسيترتب على هذا زيادة نسبة الوفيات فى العالم، فيما يشبه الإبادة، وستكون هذه الإبادة بيد سكان كل منطقة، لا بيد الدول الصناعية الكبرى، ولكى يؤتى المشروع ثماره يجب أن يكون تفكيك دول المنطقة عن طريق إشاعة الفتن الدينية والعرقية والحدودية، فلينقسم الشرق الأوسط إلى «سنة» و«شيعة»، ثم فلينقسم العالم السنى إلى أنصار الدولة الإسلامية وخصومها، ومن الأفضل تضخيم الروح العنصرية بين أبناء الدولة الواحدة، وليكن ما يكون.


ثم ماذا بعد؟ ما الذى سيحدث، وكيف سيستفيد «العالم الصناعى العملاق» من هذا الأمر؟ ستقوم حروب فى المنطقة لا شك. وفقا لنبوءة خطة التفكيك ــ وستشتعل فتن طائفية وعرقية حينما يتم تغذية مدخلاتها، وأكبر تغذية ستكون بتولية الإسلاميين الحكم فى بيئة صالحة للاضطراب والاشتباك العقائدي، ولكن هل ستجنى أمريكا من تلك الحروب أرباحا؟ الربح هو الذى يدير العقلية الأمريكية، هو المسيطر على طريقتها فى الإدارة، سواء كان الحكم عندهم «جمهوريا» أو «ديمقراطيا» فهو هو، أمريكا فى كل الأحوال هى المرابى «شيلوك» بصورته الحديثة المتطورة، هى المرابى الذى يريد اقتطاع أرطال اللحم من جسد العالم، وفى الشرق جسد على أتم الاستعداد لتقطيع لحمه، أذكر الآن وأنا أكتب هذه السطور مقالة كتبها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل عن أمريكا قال فيها ـ وفق ما بقى فى ذاكرتى من أفكار هذا المقال ـ عبارة صارخة موحية، هى «أمريكا ليست دولة بالمفهوم الذى نعرفه للدول والأمم ولكنها شركة استثمارية كبرى، تدير نظامها بعقلية التاجر الرأسمالى الكبير»؛ لذلك فإن خطوات أمريكا فى السياسة لا تبحث إلا عن الربح، ولا تتجنب إلا الخسارة، فكيف ستكسب من سياسة تقسيم الشرق وتقطيع لحمه؟


كانت طريقة الاستفادة واضحة فى المجلدات التى احتوت على نبوءات أمريكا «الدولة الراسبوتينية»؛ إذ ورد فى مجلدات النبوءة «أن النظام الماليوالاقتصادى العالمى يحتاج إلى إصلاح كامل، بما يضمن وقوع قطاعات دواليبه الرئيسة، مثل الطاقة وتخصيص لأموال والطعام، تحت إدارة عالمية واحدة، على أن يتولى الإشراف على تلك الآلية المستحدثة - فريق من المديرين التجاريين المستقدمين من شركات النفط متعددة الجنسيات والبنوك الأنجلو أمريكية، وتهدف إعادة التنظيم على الوجه المذكور إلى القضاء على مفهوم الدولة ـ الوطن ـ وخلق مفهوم آخر يقوم على إشراف عالمى موحد يكون فى يد الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي» الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي! هما فى الحقيقة جهات مخلوقة من رحم أمريكا الشيلوكية.


«ولكى يتحقق مفهوم الإشراف العالمى يجب أولاً تقسيم العالم إلى مناطق أو تكتلات منفصلة ذات عملات إقليمية، ويتولى صندوق النقد الدولى مهام الإدارة الاقتصادية لهذه المناطق، ويجب عليه أن يفرض شروطه، ولكى يستطيع فعل ذلك ينبغى أن يدخل عالم الشرق الأوسط فى أزمات اقتصادية طاحنة تستنفد موارده وثرواته، حينئذ تكون لصندوق النقد الدولى سيطرة شبه مطلقة على تدفق العملة الأمريكية والأوروبية، ولن يتم ذلك إلا إذا تم تقسيم دول الشرق إلى مناطق صغيرة متحاربة.»


استطردت النبوءة الراسبوتينية فى شرح النتائج، فقالت (سينشغل العالم الشرق أوسطى بنفسه، وسيندمج فى صراعاته، ولن يلتفت لتطوير نفسه وتحديث معارفه، وسيعود حتما للوراء عشرات السنين، وبذلك سيظل فى حاجة شديدة إلى دعم أمريكا له عن طريق مؤسساتها، وسيظل تابعا ذليلا لا يستطيع أن يبرم أمرا إلا من خلالنا، وسنضع الرؤساء ونستقدم الحكام كما نشاء، وسيجبرهم صندوق النقد الدولى على اتباع السياسات الاقتصادية التى نريدها، وتتوقع دراسات البنك الدولى ووثائق صندوق النقد الدولى الرسمية أن الأثر المترتب على هذا البرنامج سيتمثل فى انخفاض حاد ومفاجئ فى أعداد السكان بدول العالم الثالث، وفى هذا الإطار، يتوقع «التقرير العالمي» الصادر برعاية وزارة الخارجية الأمريكية - بل ويقر أن هذه السياسة حين يتم تنفيذها على مستوى العالم ستؤدى إلى انخفاض بنحو ٣ مليارات نسمة من تعداد السكان العالمى بحلول عام ٢٠٠٠).


ولك بعد ذلك أن تقرأ ما حدث فى المنطقة كلها منذ ست سنوات، وما حدث فى مصر فى تلك الفترة، ولك أن تشاهد بكل وضوح الصورة المخفية التى أخفوها عن الجميع، ولكن بعض ملامحها ظهرت فى زيارات جون ماكين ووليم بيرنز وهيلارى كلينتون، وكارتر لمقر جماعة الإخوان بعد ثورة يناير، ولك أن تقرأ موقف الولايات المتحدة الأمريكية من ثورة يونيه التى أطاحت بالإخوان، وستعلم يقينا وقتئذ أن جون برينان رئيس المخابرات الأمريكية الحالى هو رجل أوباما الذى استعان به لكى يساعد الإخوان ويمد يد العون إليهم، وهو صاحب فكرة تحويل شمال سيناء إلى وكر لجيش الإرهابيين، وهو الذى قام بمدهم بالأسلحة التى يستطيعون من خلالها مقاومة جيوش، وهو المخطط للأحداث التى حدثت فى سوريا وليبيا والعراق واليمن، وكان يخطط ولا يزال لأمور أكثر خطورة فى مصر ولكن الشعب المصرى كان له رأى آخر، فعلى عتباته تحطمت الخطة المخابراتية الأمريكية كما تحطمت أمم غازية من قبل، وترتب على ذلك أن تحطمت هيلارى كلينتون وأوباما وحزبهم الديمقراطي، وصدق شاعر النيل حافظ إبراهيم حينما قال: ما رمانى رامٍ وراح سليما .. من قديم عناية الله جندى .