ترامب .. والصراع العربى الصهيونى

16/11/2016 - 12:44:39

  محمد الشافعى محمد الشافعى

بقلم: محمد الشافعى

بعد نجاح دونالد ترامب فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة.. انشغل العالم - وسوف ينشغل لفترة طويلة - فى محاولة الإجابة عن سؤالين .. الأول كيف نجح هذا الرجل الملىء بالعيوب والسيئات .. والآتى من خارج كل الأطر السياسية والرسمية ؟ والثانى ماذا سيفعل فى الملفات الكثيرة المطروحة أمامه وفى التركة الثقيلة التى تركها له الديمقراطيون.. وقد نجح ترامب نتيجة لسببين لا ثالث لهما :


الأول : التصويت العقابى من الأمريكان البيض والذين تكتلوا كما لم يفعلوا من قبل بعد مخاوفهم من الانحياز الواضح لهيلارى كلينتون تجاه الأقليات التى تحمل الجنسية الأمريكية .


الثانى : استطاع (المقاول الشعبوى) دونالد ترامب أن يخاطب الطبقة العاملة.. وهى شريحة عريضة فى المجتمع الأمريكى .. بدأت تعانى وبقسوة من آثار العولمة.. بعد أن نقلت أمريكا مصانعها إلى المكسيك والصين استغلالاً للعمالة الرخيصة .. ولكن ترامب أكد على ضرورة عودة هذه المصانع حتى يعمل الأمريكان؛ وإلا فسوف يجبرها على دفع ضرائب كبيرة لصالح هذه الطبقة العاملة التى أضيرت .. ومن الطبيعى أن تلك الطبقة ذات المزاج الشعبوى.. قد ذهبت بكاملها إلى ترامب عقاباً لأوباما وهيلارى كلينتون. وقد عمل نجاح ترامب من خلال هاتين الآليتين (تكتل البيض - تأييد العمال).. على تعميق الانقسام فى المجتمع الأمريكى .. ذلك الانقسام الذى قد يؤدى إلى تفكك تلك الإمبراطورية العملاقة .. ولن يمنع ذلك إلا تحقيق ترامب لوعده الذى قطعه على نفسه فى (خطاب الفوز) .. بأنه سيكون رئيساً لكل الأمريكيين.


أما عن الملفات الكثيرة المطروحة أمام الرئيس المنتخب فسوف نتوقف فقط أمام ما يهمنا نحن المصريين والعرب وهى عدة ملفات أهمها :


١ - جماعة الإخوان .. يمتلك ترامب موقفا شديد الوضوح والصرامة تجاه هذه الجماعة.. حيث يرى أنها جماعة إرهابية.. وقد أكد وليد فارس مستشار ترامب وهو لبنانى الأصل.. بأن الرئيس المنتخب سوف يوقع على قرار الكونجرس (الذى يتحكم الجمهوريون فى غرفتيه) باعتبار الإخوان جماعة إرهابية.. وهذا الموقف مكسب كبير لمصر.. حيث عملت إدارة أوباما وخاصة هيلارى كلينتون .. على دعم الإخوان .. والدفع بهم إلى سدة الحكم فى عدة دول عربية على رأسها مصر.. وذلك للإسراع فى تنفيذ سيناريو تقسيم الوطن العربى .. وأمام هذا الموقف الأمريكى الجديد لن يجد الإخوان أمامهم إلا بريطانيا وتركيا.. وبريطانيا منذ عقود طويلة مجرد تابع ذليل لأمريكا .. أما تركيا فهى مجرد (خادم وضيع) لحلف الناتو .. كان ينتظر أن يصبح (السيد) من خلال سيناريو الدفع بالإخوان على رءوس الحكومات العربية.. ولكن انهار الوهم الأردوغانى وسيظل مجرد (خادم) لدى الغرب .


٢ - داعش .. تصريحات ترامب حول التنظيم الإرهابى داعش واضحة وحاسمة.. وهى القضاء على هذا التنظيم الإرهابى .. وقد أكد ترامب أنه سيطلب من جنرالاته وضع خطة خلال ثلاثين يوماً للقضاء على داعش .. ذلك التنظيم الذى كان (السيناريو البديل) لتقسيم الوطن العربى من خلال إثارة النعرات العرقية والطائفية.. بعد أن أفشلت مصر سيناريو تمكين الإخوان فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣ .. وإذا ما تحققت وعود ترامب حول داعش فإن ذلك سيعنى عودة الهدوء إلى سوريا والعراق وليبيا .. وفى هذا الإطار جاءت تصريحات ترامب حول سوريا لتؤكد أن المهم هو القضاء على الإرهاب فى هذه الدولة.. وليس بقاء أو رحيل بشار الأسد.. وهى التصريحات التى تتواءم تماماً مع الرؤية المصرية والروسية أيضاً.


٣ - دول الخليج .. جاءت تصريحات ترامب طوال حملته الانتخابية شديدة القسوة تجاه دول الخليج.. وخاصة السعودية والكويت.. حيث أكد أن السعودية يجب أن تدفع وبسخاء مقابل حماية أمريكا لها.. كما أكد أن الكويت كان يجب أن تدفع لأمريكا ٥٠٪ من دخلها القومى لمدة خمسين سنة أو للأبد مقابل قيام الأمريكان وحلفاؤهم بإعادة دولة الكويت إلى أهلها بعد احتلال صدام حسين لها. وأمام هذه التصريحات القاسية على أشقائنا فى الخليج إعادة ترتيب أوراقهم .. وخاصة المملكة السعودية.. لأن مصر قد تكون (الجسر الآمن) الذى يربط المملكة بالأمريكان إذا ما أحسنا جميعاً استثمار تلك (الكيميا) التى تحدث ترامب عن أنها قد ربطت بينه وبين الرئيس السيسى .


٤ - الصراع العربى الصهيونى .. منذ إعلان قيام دولة الكيان الصهيونى وحتى الآن .. لم يجرؤ رئيس أمريكى على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.. ولكن ترامب خلال حملته الانتخابية أكد على أنه سوف ينقل السفارة إلى القدس.. وسوف يعترف بالمستوطنات كجزء من حدود ١٩٤٨ .. ورغم هذا صوّت أغلب اليهود الأمريكان لكيلنتون .. وخرجت بعض الأصوات المتخوفة من داخل الكيان الصهيونى خشية أن يفوز ترامب .. وبعد فوزه سارع نتنياهو بالتأكيد على أنه صديق حقيقى للدولة العبرية.. وسارعت وزيرة العدل الصهيونية إبيلت شاكيد بتهنئة ترامب طالبة منه تنفيذ وعده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس .. ودخل وزير التعليم الصهيونى نفالى بينيت على الخط.. وهو زعيم حزب البيت اليهودى المتشدد - قائلا (انسوا موضوع الدولة الفلسطينية) .. وقال مائير ترجمان رئيس اللجنة المحلية للتنظيم والبناء فى بلدية القدس (إن انتصار ترامب يشكل ضوءاً أخضر للمصادقة على استمرار البناء فى القدس.. وسوف أصادق على بناء آلاف الوحدات السكنية فى مستوطنات جنوبى وشرقى القدس) .. وفى مقابل هذا الهجوم الصهيونى الكاسح اكتفت الرئاسة الفسلطينية بدعوة ترامب للعمل على حل الدولتين وأمام هذا (التسخين) الصهيونى المبكر أرسل دونالد ترامب رسالة قصيرة إلى صحيفة (إسرائيل اليوم) المقربة من نتنياهو قال فيها: (أعتقد أن حكومتى يمكن أن تلعب دوراً مهماً فى مساعدة الطرفين على التوصل إلى سلام عادل ودائم) ثم قال (إن السلام يجب أن يتحقق من خلال المفاوضات بين الطرفين نفسيهما وليس أن يفرض من قبل آخرين) .. وهنا (مربط الفرس) لأن هذا هو نفس رؤية نتنياهو الذى رفض المبادرتين العربية والفرنسية ويطالب بالمفاوضات المباشرة.. والتى لن تكون إلا محاولة لفرض الأمر الواقع وضياع الحقوق الفلسطينية إلى الأبد ..


وأمام هذا الوضع والذى يؤكد تبنى ترامب للرؤية الصهيونية فلن يكون أمامنا إلا محاولة تشكيل رأى عربى موحد .. وهو أمر فى وقتنا الراهن يشبه المستحيلات الثلاثة (الغول والعنقاء والخل الوفى) .. فبعض الدول العربية تدعم الإرهاب لتمزيق دول عرية أخرى .. وبعض الدول العربية دخلت فى (بيات شتوى طويل) .. بما يعنى أن الأمر سيقع - كما هو الحال دائما - على كاهل مصر . ولعل تلك الكيميا التى تحدث عنها ترامب والتى تربطه بالرئيس السيسى تنجح فى الوصول بالعرب إلى بر الأمان .. وخروج الدولة الفسلطينية من هذا النفق المظلم .. الذى استطال بأكثر مما يجب .


وعلى أية حال فعلينا أن ننتظر قليلا خاصة أن الرئيس الأمريكى لا يحكم بمفرده .. وإذا كان الكونجرس مع ترامب فإن هناك مؤسسات أخرى قوية مثل البنتاجون والخارجية والمخابرات لم تقل كلمتها بعد .. والأهم هو هل يستطيع ترامب التمرد على العقيدة الأمريكية التى ولدت منذ عام ١٩٨٢ على يد المؤرخ الأمريكى الإنجليزى الأصل برنارد لويس بحتمية تقسيم الوطن العربى .. تلك العقيدة التى تحولت إلى استراتيجية لكل الرؤساء الأمريكيين جمهوريين وديمقراطيين.. فهل يستطيع ترامب كسر هذا الطوق ؟


علينا ألا ننتظر وأن نعمل بجد حتى لا يتحول هذا السيناريو البغيض إلى حقيقة .