«ترامب» على المحك..؟

16/11/2016 - 12:43:04

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم: سناء السعيد

سيظل تاريخ التاسع من نوفمبر ٢٠١٦ وهو اليوم الذى أعلن فيه فوز “دونالد ترامب» فى انتخابات الرئاسة الأمريكية يوما صادما بالنسبة للبعض وشكل عنصر المفاجأة بالنسبة للكثيرين ممن راهنوا على فوز «هيلارى كلينتون»، فجاءت النتيجة خلافا لكل التوقعات، فاز ترامب وأصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة رغم الحملة الإعلامية غير المسبوقة لتجميل صورة هيلارى وتشويه صورته، فأظهرته غريب الأطوار يمثل خطرا على الأمة وعلى بقاء الدولة وعلى تركيبة المجتمع التى تضم أقليات ومهاجرين، وكأنى بالإعلام الأمريكى قد حاول بشتى الوسائل تدمير شخصه محذرا من أنه فيما إذا أصبح رئيسا سيقضى على أمريكا من خلال قضائه على مؤسساتها


وهناك من اختزل عهده المقبل بكلمات أربع هى: (الكراهية، العنصرية، الإسلاموفوبيا، الهوموفوبيا أى إرهاب المثليين)، إلا أن ترامب وقف هادئا مسالما فى خطاب النصر داعيا إلى الوحدة الداخلية والانفتاح الخارجى على كل دولة تجد نفسها ضمن خانة المصالح المشتركة مع أمريكا، وهى صورة مخالفة كلية للصورة التى عكسها أثناء الحملة الانتخابية والتى كانت تنضح بعنصرية الخطاب وعدم الاتزان والفوضى إلى حد التهريج.


تراوحت ردود الفعل بين الآمال والمخاوف بشأن تبعات انتخابه، ولكن نسبة التصويت له أثبتت عن جدارة تمتعه بشعبية جارفة. وفى العشرين من يناير القادم أى بعد شهرين من الآن سيكون ترامب محط أنظار الكثيرين لمعرفة حدود قدرته فى الاحتفاظ بوعوده بعدم الانكفاء فى التورط الأمريكى فى حرب إسقاط النظام فى سوريا، وهى الحرب التى خاضتها إدارة أوباما عبر تجنيد الإرهاب والتنسيق مع دول فى المنطقة تكفلت بدعم داعش والنصرة، الترقب هنا يتصل بقدرة ترامب على إقامة توازن بين ما قاله وبين ما ستطلبه المؤسسة الأمريكية التقليدية التى تقع تحت تأثير شبكات مصالح كبرى، وتمسك بمفاصل حاسمة فى آلية الدولة من البنتاجون إلى أجهزة الأمن والدبلوماسية. ويظل ترامب بعيدا عن أن يكون صاحب أيديولوجية فكرية ولكنه رجل أعمال كبير، كما أن فكره اقتصادى. وقد يكون الاقتصاد المنهار منذ أزمة الائتمان العقارى فى عهد أوباما هو القاعدة التى سيعتمد عليها لبناء سياسات التعاطى الدولى فى عهده.


أسئلة كثيرة تثار حول السياسات الخارجية لدونالد ترامب وكيفية تعاطيه مع الملفات الداخلية لاسيما الاقتصادية منها، وتتصدر روسيا معالم التغيير الذى سيطرأ على ملف العلاقات الخارجية إذ ستشهد العلاقة معها مرحلة جديدة من التقارب، وكانت روسيا قد أبدت ترحيبا بانتخابه على خلفية موقفه المعتدل من أزمات الربيع العربى وإعلانه تأييد الحرب على الإرهاب لا سيما تنظيم داعش قياسا لمواقف هيلارى كلينتون التى شاركت فى صنع الإرهاب، كما أن ترامب يدرك ثقل روسيا التى تقف اليوم بشجاعة على أبواب أوربا وفى قلب معادلات الشرق الأوسط لتتعاطى بندية مع أمريكا، هذا فضلا عن أن ترامب يحترم رؤيتها لكونها أمينة على الاتفاقات وتجيد لعبة التوازنات بالإضافة إلى موقفها الحازم تجاه موضوع مكافحة الإرهاب. وبالتالى سيكون هناك اتفاق روسى أمريكى لحل الأزمة ومواجهة الأخطار الخارجية خاصة خطر تنظيم داعش فى سوريا والعراق وليبيا.


ملف آخر تسلط الأضواء عليه ألا وهو ملف إيران النووى بعد أن لوح ترامب بإمكان نقض الاتفاق الذى أبرم فى العام الماضى بين طهران ومجموعة ٥ + ١ الدولية، بيد أن ترامب لا يستطيع إلغاءه، حيث إن الاتفاق ليس ثنائيا بين إيران وأمريكا وإنما اتفاق تم بمعية دول أخرى. ولهذا ورغم ما قالته الخارجية الأمريكية فى العاشر من نوفمبر الجارى من أنه ليس هناك ما يمنع أمريكا من الانسحاب من الاتفاق المذكور إذا ما أراد ترامب الرئيس المقبل ذلك. إلا أنه يظل من الصعب إلغاء الاتفاق الذى تمت المصادقة عليه بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن، ومن ثم من غير الممكن لحكومة واحدة أن تغيره أو تعمل على إلغائه.


وتأتى سوريا فى صدارة المشهد وهى التى تتطلع إلى أن تصبح أمريكا فى عهد دونالد ترامب عضوا فاعلا فى الحرب على الإرهاب لا سيما وقد أبدى ترامب الرغبة بتسليم ملف سوريا للرئيس بوتين والتعاون مع الرئيس بشار، وهو ما يشكل ملمح طمأنة لسوريا للخروج من دائرة حصار المؤامرة التى سلطها الغرب عليها، وعليه وفيما إذا تبنى ترامب سياسة منسجمة مع تطلعات دول المنطقة، فعنئذ ستكون هذه الدول منفتحة على أى تعاون مع الولايات المتحدة شريطة احترامها لسيادتها ومراعاة مصالح شعوبها وعدم التدخل فى شئونها الداخلية.


وبالنسبة لمصر فإن الكثيرين يعولون على ترامب فى إصلاح الخلل الذى ألحقه أوباما بالعلاقات معها عندما احتضن الإخوان وتطلع لهم كبديل حاكم. أما ترامب فصنفهم كجماعة إرهابية، ومن هنا وجد التقارب بين مصر ورئيس أمريكا القادم حول مكافحة الإرهاب. ويقال إن ترامب يزمع بعد توليه مهامه فى البيت الأبيض السعى لتمرير مشروع قانون بهذا الاعتبار حيث يرى أن الإخوان من أخطر الجماعات التى تغذى الفكر المتطرف.


ويبقى القول إن دول المنطقة تتطلع اليوم إلى أن يكون هناك تعزيز للتعاون المشترك مع الولايات المتحدة فى سبيل إحقاق السلام فى الشرق الأوسط ومواجهة الإرهاب ووضع حد للحروب والعنف عبر الطرق السلمية، ولهذا تنعقد الآمال على أن يتبع ترامب نهجا جديدا فى تعامله مع دول المنطقة يخالف النهج الذى اتبعته إدارة أوباما، وهو النهج الذى تبنى سياسة فوقية استعلائية مرتبطة بفرض شروط إذعان والتدخل عنوة فى الشئون الداخلية لدول المنطقة، الأمر الذى لم يجلب إلا الكوارث والصراعات......