البرلمان الإفريقى ومكافحة الإرهاب فى إفريقيا

16/11/2016 - 11:53:24

  الجماعات المتطرفة تهدد استقرار إفريقيا الجماعات المتطرفة تهدد استقرار إفريقيا

بقلم: د. السيد فليفل

كان من بين القضايا التى ناقشها البرلمان الإفريقى فى اجتماعات شرم الشيخ موضوع مكافحة الإرهاب فى إفريقيا ودور البرلمان فيه، وقد جاءت المناقشة فى أعقاب عمل متواصل قام به البرلمان للإعداد لهذه المناقشة، فقد شاركت وفود من البرلمان ورئيسه أيضا فى عد من الاجتماعات فى البرلمانات الإفريقية المختلفة فى ذات الموضوع. كما أن البرلمان عقد ورشة للعمل فى الثانى من أغسطس ٢٠١٦ لبحث هذا الموضوع، وقد جمعت نتائج هذه الفعاليات المختلفة فى تقرير عرض خلال أعمال البرلمان الإفريقى فى شرم الشيخ.


وذلك انطلاقا من المادة ١٧ من القانون التأسيسى والتى تنص على ضمان مشاركة الشعوب الإفريقية فى التنمية والتكامل الاقتصادى فى القارة، وكذلك أن أعضاء البرلمان الإفريقى يمثلون كافة برلمانات الشعوب الإفريقية، وأن البرلمان يقع على عاتقه تعزيز السلم والأمن والاستقرار على أرض القارة، كما نصت أجندة ٢٠٦٣ فى إطارها الاستراتيجى للتحول الاقتصادى والاجتماعى للقارة على ضرورة السعى للوصول إلى قارة خالية من الصراع المسلح والإرهاب والتطرف والتعصب والمساواة بين الجنسين والعنف القائم على نوع الجنس باعتبار ذلك يشكل تهديداً رئيسيا لأمن الإنسان وسلامه ولفرص التنمية فى القرن الحادى والعشرين.


وقد بدأت ورشة العمل فى ميدراند برئاسة روجيه نكودا دانج رئيس البرلمان وحضور أعضاء اللجنة الدائمة للتعاون والعلاقات الدولية وتسوية النزاعات لمناقشة تعزيز قدرة اللجنة فى الإشراف على الجهود التى يبذلها الاتحاد الإفريقى الرامية إلى تعزيز السلام وإنهاء الصراعات المسلحة والإرهاب والتطرف فى القارة.


وقد شكل هؤلاء الأعضاء ستة وعشرين نائباً من عديد من الدول الإفريقية، وقد حاضر فى الندوة ثلاثة خبراء مختصين بموضوع الورشة حيث جرى التشاور حول ماهية الإرهاب وتعريفه، وذلك استنادا إلى اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية ١٩٩٩ التى تعتبر العمل الإرهابى هو: «أى فعل يشكل انتهاكا للقوانين الجنائية للدولة الطرف بما يعد خطرا على الحياة والسلامة البدنية أو حرية أى شخص أو يسبب إصابات خطيرة أو الوفاة لأى شخص أو عدد أو مجموعة من الأشخاص، أو يضر بالممتلكات العامة والخاصة والموارد الطبيعية والتراث البيئى والثقافى بما فى ذلك ممارسة التخويف والترويع والإكراه من قبل أية حكومة أو هيئة أو مؤسسة أو جمهور عام أو جزء منه فى القيام بأى عمل أو التخلى عن المسئولية أو التصرف وفقا لمبادئ معينة يكون من شأنها تحقيق الانتهاك السابق أو تعطيل الخدمات العامة التى تقدم للجمهور أو تشجيع وتحريض وتهديد تنظيم أى عمل يقصد به التخويف أو الترويع أو الإضرار».


وكان تعريف الإرهاب السابق ترجمة لما وقع فى كل من كينيا وتنزانيا من عمليات إرهابية، بيد أنه فى أعقاب تفجيرات ١١ سبتمبر التى طالت برجى الولايات المتحدة صدر قرارا مجلس الأمن ١٣٧٣ فى عام ٢٠٠١ بشأن مواجهة الإرهاب على الصعيد الدولي، وتصادف أن صادقت ثلاثون دولة على اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية الخاصة بالإرهاب وذلك فى عام ٢٠٠٢. حيث جرى اعتماد خطة عمل الاتحاد الإفريقى لمنع ومكافحة الإرهاب وتم إنشاء مركز لبحوث حول الإرهاب، كما صدر فى ٢٠٠٤ وبروتوكول ديربان بإنشاء مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الإفريقى بغرض ضمان تنفيذ اتفاقية ١٩٩٩. وقد أضاف البروتوكول إلى تعريف الإرهاب «الجرائم العابرة للحدود» والمتمثلة فى النقل غير المشروع للأسلحة الصغيرة، والمخدرات، كما ناقشت قمة ٢٠١١ فى مالابو قانونا نموذجيا لمساعدة الدول الإفريقية الأعضاء على إعداد قوانينها الداخلية لمواجهة الإرهاب، وقد شكل ذلك نقلة نوعية بحيث لم تعد مسائل مجابهة الإرهاب سيادية تقررها الدول بمفردها، بل صارت داخلة فى إطار التعاون الدولى لمجابهة الظاهرة.


وصحيح أن قرار مجلس الأمن السابق الإشارة إليه (١٣٩٣ فى ٢٠٠١) طالب الدول بوضع قانون لمجابهة الإرهاب بحيث تتمكن المحاكم من تقديم الإرهابيين إلى العدالة، لكنه أشار أيضا إلى أن على الدول الأعضاء التوصل إلى استراتيجيات لمكافحة الإرهاب تستند إلى نصوص قانونية وتحترم حقوق الإنسان وتضمن فى نفس الوقت كبح الإرهابيين، وتجرم تمويلهم بأى شكل من أشكال الدعم المالي، أو توفير الملاذ الآمن والقوت والدعم، ناهيك عن التسليح.


وقد اقتضت منظومة الأمم المتحدة تشكيل لجنة لمكافحة الإرهاب حيث نص قرار مجلس الأمن رقم ١٦٢٤ فى عام ٢٠٠٥ بإلزام جميع الدول بإصدار القوانين التى تحظر أعمال التحريض على الإرهاب وتوفير الملاذ الآمن للإرهابيين مع الإشارة إلى أن هنالك حاجة لتغيير العقلية فى إفريقيا، حيث إن عديدا من دولها انشغلت بقضايا الأمن والسيادة الداخلية ولم تتبنَ مبادرات مواجهة الإرهاب على المستوى القارى وعلى المستوى الدولي. وقد وضعت الجمعية العامة فى ٢٠٠٦ استراتيجية دولية لمكافحة الإرهاب تهدف إلى تعزيز الاستجابة الشاملة والمنسقة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، وذلك استنادا إلى أربع ركائز: معالجة الظروف المؤدية إلى انتشار الإرهاب ومنعه؛ وبناء قدرات الدول؛ وضمان احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. وتم تشكيل فريق عمل لمكافحة الإرهاب من ٣٨ دولة إضافة إلى أجهزة الأمم المتحدة وإدارات الأمانة العامة إضافة إلى تشكيل هيكل غير رسمى متعدد الأطراف لدعم تنفيذ استراتيجية مكافحة الإرهاب.


وعلى ذلك فإن الاتحاد الإفريقى عمل على التوافق مع المتطلبات الدولية وبدأ فى مناقشة الأوضاع الإفريقية التى تشكل نوعا من السبب غير المباشر فى انضواء بعض الفئات إلى طوائف الإرهابيين، ومن ذلك ضرورة مواجهة مشكلة الفقر حتى لا تتوفر أرضية خصبة للتطرف، وضرورة سعى الدول إلى حشد الموارد، وتجميعها لتوفير حياة كريمة. كما جرت عمليات تدريب للسلطة التشريعية وللسلطة القضائية وقوات الأمن وسلطات المالية والجمارك والحماية العسكرية ومراقبة الحدود ومتابعة الجرائم العابرة للحدود مثل غسيل الأموال وتهريب السلاح والمخدرات، بل إنها اعتبرت أن الفساد يمكن أن يشكل رافدا إضافيا لدعم الإرهابيين.


وقد تبلورت منظومة الاتحاد الإفريقى فى هذا المجال بحيث ضمت المفوضية العامة ومجلس الأمن والسلم والمجموعات الاقتصادية الإقليمية والدول الأعضاء والبرلمان الإفريقى والمركز الإفريقى لدراسات وبحوث الإرهاب وآلية الاتحاد الإفريقى للتعاون الشرطي.


بيد أن تجارب السنوات الـ١٥ الماضية أكدت أن الدول الإفريقية لا تتعامل مع قضية الإرهاب كأولوية متقدمة، بل إن بعض الدول لم تصدق على الصكوك الخاصة بمقاومة الإرهاب، ولم تعدل قوانينها لتتواءم مع القوانين القارية والدولية، بل لم تأخذ مبادرات لكبح جماح الإرهاب على مستوى فعال. وقد كان من المسائل التى اهتم الاجتماع ببحثها مسائل القرصنة البحرية أيا كان شكلها، سواء ما اختص منها بأعمال العنف أو الاحتجاز غير المشروع أو أعمال النهب التى ترتكب لأغراض خاصة من قبل طاقم سفينة أو طائرة أو من قبل من يستولى على أى منهما أو من يستخدم سفينة أو طائرة فى تسهيل مثل هذه الأنشطة الإجرامية فى أعالى البحار أو فى نقل السلع والبضائع الأشخاص بشكل غير مشروع.


وقد انتشرت عمليات القرصنة البحرية فى عدة مناطق من إفريقيا لاسيما فى خليج غينيا وخليج عدن وفى غرب إفريقيا، بل إن بعضها امتدت نشاطاته إلى آسيا والأمريكتين. والحقيقة أن المناطق الأكثر تضررا فى إفريقيا هى نيجيريا وخليج غينيا، فقد شهدت نيجيريا وحدها ١٤ هجوما فى الربع الأول من العام ٢٠١٦. ويرجع السبب فى ذلك إلى أن إفريقيا لا تولى اهتماما كافيا ببحارها وبالبحار الدولية، الأمر الذى جعل الهجرة غير الشرعية مصدرا جديدا من مصادر التربح، والإضرار بالسكان البسطاء، كما يشكل نقص الرقابة نقطة جاذبة للأنشطة الإجرامية العابرة للحدود. ولعل عدم اهتمام إفريقيا بالبحار ناتج عن ضعف المؤسسات القادرة على التعامل مع القرصنة البحرية. بينما أنه فى بلد مثل الصومال فإن القرصنة ترجع إلى عدم وجود حكومة فاعلة بسبب الانقسام السياسى فى البلاد. وقد وصلت أمور القرصنة البحرية إلى حد أن صارت من المشروعات التجارية المربحة، حيث تستأجر بعض الجهات الاقتصادية الكبيرة القراصنة وتدفع لهم مقابل تنفيذ ما يريدون. وقد قيل إن بعض المدفوعات فى المرة الواحدة قد تصل إلى أكثر من ٣٠٠ مليون دولار. وثبت بالفعل أن لدى القراصنة أنظمة دقيقة للتخطيط والهجوم على السفن الكبيرة، واستخدام أسلحة متعددة وسفن كبيرة، وأنظمة ترجمة فورية للتفاعل مع طاقم أية سفينة مهما كانت جنسيتها.


وفيما يخص موقف البرلمانيين الأفارقة فقد حاول البروفيسور جوزيف فنسنت إنتودا إيبود مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجامعة ياوندى ٢ لفت انتباه البرلمان الإفريقى إلى ضرورة تحركه لمجابهة القرصنة البحرية وإنهاء حالة الترهل الناتجة عن اعتبار البرلمانات أن هذه الظاهرة ليست كبيرة ولا ملحة. الأمر الذى أدى إلى التراخى فى التوقيع على اتفاقات مكافحة الإرهاب الدولية والقارية. ومن ثم فإنه على البرلمان الإفريقى وأعضائه من كافة الدول الدعوة إلى المصادقة على كافة قوانين مكافحة الإرهاب، وحفز الحكومات على مراقبة المنظمات الإرهابية، كما طالب بأن يشكل البرلمان لجنة فنية للتعامل بشكل منهجى مع قضايا الإرهاب معتبرا أن ضعف ميزانية البرلمان تحول دون القيام بكل ذلك.


وقد دارت مناقشات حول ضرورة قيام مركز الأمن والسلم الإفريقى بإجراء تقييم لأداء الدول الأعضاء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب. وأن على الدول أن تتعاون فيما بينها لهذا الغرض، كما أن عليها أن تتبنى استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب.


وقد وجه عدد من النواب اللوم على قبول الاتحاد الإفريقى ترك حلف الناتو ينفرد بالوضع فى ليبيا، ويعمل على إسقاط نظامها الوطنى الأمر الذى اعتبروه ممارسة دولية للإرهاب على دولة ذات سيادة، مما يقتضى من إفريقيا عدم الاعتماد على القوى الغربية فى تمويل استراتيجياتها فى مكافحة الإرهاب. كذلك أشار البعض إلى أن التركيز على مجابهة الإرهاب داخل الدولة وحدها دون التعاون مع دول الجوار أو داخل دول الاتحاد الإفريقى دون النظر إلى الأقاليم الجغرافية المجاورة يؤدى إلى قفز الإرهابيين إلى داخل القارة الإفريقية، وهو ما حدث مع تنظيم داعش والنصرة بوصولهما فى العراق وسوريا واللذين باتا يتجمعان على الأرض الليبية ويحصلان لداعش على تأييد من بوكو حرام فى نيجيريا ومن شباب الصومال المجاهد فى الصومال.


وقد أوصت اللجنة بعدد من التوصيات جرى اعتمادها فى الجلسة العامة فى اجتماعات شرم الشيخ وذلك على النحو التالي:


ينبغى على أعضاء البرلمان الإفريقى إشراك حكوماتهم وضمان جديتها فى التصديق على البروتوكول المنقح للبرلمان الإفريقى الذى يسعى لإعطاء صلاحيات تشريعية للهيئة البرلمانية الإفريقية.


إنشاء مستودع يتم فيه إيداع كافة الصكوك الدولية والقارية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وضمان متابعة التصديق والتنفيذ من قبل الدول الأعضاء.


إجراء تقييم دورى لنتائج محاربة الإرهاب على مستوى الاتحاد الإفريقى وتقديم التوصيات اللازمة فى هذا الشأن.


ينبغى على البرلمان الإفريقى التفاوض حول إقامة شراكة استراتيجية مع الهيئات البرلمانية القارية المماثلة بهدف البحث عن التمويل لمراقبة تدابير الضغط والمكافحة.


ينبغى على البرلمان الإفريقى عند إجازته لموازنة الاتحاد الإفريقى التأكد من أن الأجهزة ومراكز البحوث المعنية بمكافحة الإرهاب قد تم تمويلها بصورة كافية.


ينبغى على البرلمانيين الأفارقة متابعة التصديق على الصكوك الدولية والقارية فى مجال مكافحة الإرهاب وضمان إدماجها فى القوانين الوطنية.


تستمر اللجنة فى إشراك الشركاء الرئيسيين والأكاديميين بشأن قضية الإرهاب بهدف تحديد المجالات التى يمكنهم من خلالها اقتراح قوانين نموذجية لمكافحة الإرهاب فى القارة.


يجب أن يضطلع البرلمانيون بدور قيادى فى تمرير الصكوك الدولية والقارية إلى دوائرهم الانتخابية، كما يمكن للبرلمانيين أن يحدثوا تغييرات فى المناهج الدراسية لنظم التعليم.


أظهرت الأبحاث أن الإرهاب والقرصنة البحرية فى معظم الحالات تشعلها مشاعر التمييز اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ودينياً، وعليه ينبغى أن يتأكد البرلمانيون من تعزيز الهياكل الحكومية المحلية فى بلدانهم من أجل توفير خدمات فعالة للمجتمعات.


ولاشك أن المصريين حكومة وشعبا يجب أن يتوقفوا طويلا أمام خطابات السيد روجيه نكوددو رئيس البرلمان الإفريقى والذى اعتبر أن مصر وجيشها فى الطليعة تقود معركة شرسة نيابة عن العالم ضد الإرهاب وإنها واجهته وحدها وحاصرته فى ركن بعيد الحدود الشرقية، ثم إنها هزمته والعالم يتفرج عليها ولا يشاركها فى معركتها مما يعد تجسيدا للإرادة الوطنية فى قهر الإرهاب تحتاج الدول الإفريقية إلى أن تتعلم منه الدرس، بل إنه اعتبر أن مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى تؤدى رسالة بليغة وشديدة العمق فى مجابهة الإرهاب عسكريا وفكريا وبفضل الأزهر الشريف.


ولاشك أن هذه الكلمات تؤكد أن مصر يجب أن تضع مخططا لإدارتها المواجهة مع الإرهاب على المستويين العربى والإفريقى وأن الظروف قابلة لقيادتها لهذا الدور بفعل إمكانياتها العسكرية والأمنية والتدريبية وبحكم الكفاءة التى يتسم بها جهازها للمخابرات العامة وما يملكه من رصيد ضخم للمعلومات والتى تابعت وتتابع الإرهابيين، فضلا عن الرصيد المعنوى للمواجهة الفكرية التى يقودها الأزهر الشريف. فهل تلتقط الحكومة المصرية الخيط وتؤدى لأمتها وقارتها ودينها الإسلامى رسالة جديدة تتسق مع مصر الأمن والسلام ونبذ العنف والإرهاب على مدار التاريخ وتسجل لنفسها أنها فى عصر الهيمنة والعولمة تملك القوة الفصل فى الدفاع عن العقائد والأديان وتفسح لنفسها مكانا بين الصانعين الكبار للقرار الدولي؟