خروجا عن مبادئ الإسلام الملك الصالح الذى لفظوه!

16/11/2016 - 11:48:02

بقلم - رجائى عطية

أتت الخلافة هذه المرة إلى “المهتدى” محمد بن الواثق، ساعيةً إليه بلا جهدٍ منه، وبلا مقاومة أو معارضة كالتى أبداها “أحمد بن أبى دؤاد” وغيره على ترشيح “محمد بن عبد الملك الزيات” له ـ لصغر سنه ـ إثر وفاة والده الواثق، وترشيح ومبايعة جعفر “المتوكل” ـ شقيق الواثق ـ بدلًا منه.


وقد عُرف “المهتدى” من بداية ولايته بالملك الصالح، ولكنه أتى فى زمن لا يتسع للصلاح والصالحين. وقد بويع “المهتدى”، وهو أبو اسحق محمد بن الواثق، لليلةٍ بقيت من شهر رجب سنة ٢٥٥ هـ ـ ١٣ يوليو ٨٦٩ م، بعد ليلتين من خلع “المعتز” الذى خلع لثلاث بقين من رجب ٢٥٥ هـ ١١ يوليو ٨٦٩ م.


وكان أول آيات صلاح “محمد بن الواثق” الملقب بالمهتدى، أنه برغم أن “المعتز” كان قد أساء معاملته ونفاه إلى بغداد واعتقله فيها، رفض ما عرضه الموالى والأتراك عليه من قبول الخلافة، وأبى أن يقبلها حتى يرى “المعتز” ويسمع كلامه، وروى المؤرخون أنه حين لقى “المعتز” على ما كان فيه من محنة، وثب إليه وعانقه وجلس معه وسأله عن جلية الأمر، فأجابه “المعتز” وكان قد لاقى ما عرفناه ـ بأنه لا يطيق هذا الأمر ولا يصلح له، إلا أن “محمد بن الواثق” أراد أ يتوسط فى الأمر ويصلح ما بين “المعتز” والأتراك، ولكن “المعتز” أبدى له أنه لا حاجة له فيها ـ أى فى الخلافة، وأنهم لا يرضونه لها.


ولم يقبل “محمد بن الواثق” الخلافة، إلا بعد أن أحلّه “المعتز” من بيعته، وتلا مبايعته تلقيبه بالمهتدى بالله. وقد وصفه المؤرخون بأنه كان من صالحى بنى العباس، يكره الظلم ويحرص على رفعه ويحب إزالته، وأنه بنى خصيصًا قبةً لها أربعة أبواب سمَّاها قبة المظالم، ويجلس فيها للعامة والخاصة للنظر فى المظالم ورفعها، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأنه قد حَرَّم الشراب، ونهى عن القيان، وكان يحرص على حضور صلاة الجمعة فى المسجد الجامع وإمامة المصلين.


إلا أن الزمن لم يكن زمان عدله وورعه وصلاحه وتقواه، فقد تمكن الشر والفساد
من النفوس التى اعتادت على التكسب من الجنوح بكل صوره! وثقلت على هؤلاء أيامه، واستطالوا خلافته، وسئموا أيامه، وما لبثوا أن أعملوا الحيلة للخلاص منه، وقتلوه!


مسلسل الشر!


كان الأتراك منذ قُتِلَ المتوكل، قد استولوا على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة فى يدهم كالأسير، أن شاءوا أبقوه، وإن شاءوا قتلوه.


وما أن قَبل “المهتدى” مبايعته بالخلافة، حتى استدار الأتراك وقتلوا “المعتز” القتلة الوحشية البشعة المنكرة على نحو ما مَرَّ بنا، ولم يكن قتله نهاية للشر، بل كان بداية لمسلسل أغرق فيه هؤلاء العابثون بمصير الدولة والخلفاء.


فقد ظهرت “قبيحة” أم “المعتز” بعد أن كانت قد استخفت بعد موت “المستعين” خوفًا من شر “صالح بن وصيف”، وشرعت فى فضحه والدعاء عليه بعد أن هربت إلى مكة وصارت بمأمن منه وقد اشتد أمره، وكثر بغيه..


ومن بغى “صالح بن وصيف” أنه انقلب على “أحمد بن إسرائيل” الذى كان وزيرًا، وعلى “أبى نوح عيسى بن إبراهيم” ـ الذى كان نصرانيّا وأسلم، فنسب إليهما عظائم الأمور والقصد لذل السلطان والحرص على دوام الفتن، فاستصفى أموالهما، وعذبهما بالضرب والقيد، وتقريب كوانين الفحم فى شدة الحر منهما لتعذيبهما بصهد النار، وأقام “أحمد بن إسرائيل” فى الشمس، وأمر بضربه بالمقارع، وأجرى مثل ذلك على “أبى نوح عيسى بن إبراهيم” ـ واتهمه بأنه على النصرانية، ويستحل التشفى من الإسلام.


وقبل نهاية رمضان ٢٥٥ هـ، نصب لهما “صالح بن وصيف” عذابًا شديدًا وجلد كلًا منهما خمسمائة سوط ضرب تلف، أى ضرب موت حتى كان يتم تبديل الجلادين عليهما، وحُملا على بغلين من بغال السقائين على بطونهما، ورءوسهما منكسة، وما زالوا يطوفون بهما حتى ماتا!


وذكر المؤرخون أن “المهتدى” حين بلغه ذلك، لم يملك إلا أن يقول: “أمَا من عقوبة إلا السوط أو القتل! أمَا يقوم مقام هذا شىء! أمَا يكفى الحبس؟! إنا لله وإنا إليه
راجعون” وظل يرددها مرارًا!


وكانت النكبة التى تحدث بها المؤرخون، أن “المهتدى” قد صار ـ كما صار
الخلفاء من قبله ـ أُلعوبة فى أيدى هؤلاء، ضعيفًا لا يقدر على إنكار ما يفعله “صالح بن وصيف”.


وأمام هذا الانفراط، شغب الجند والعامة ببغداد فى رمضان، وفُتِحَ السجن، ووثب الشاكرية والتائبة والصعاليك بسليمان بن عبد الله طاهر، واستولوا على الأموال من بيت المال، وفى نفس السنة سار “مُفلح” إلى طبرستان حيث حارب “الحسن بن زيد العلوى”، فانهزم الحسن ولحق بالديلم، وأعمل “مُفلح” الحرق فى منازل الحسن، بينما عاد من الرّىّ “موسى بن بُغَا” وهو من رءوس الشر، وأوجس “المهتدى” منه خيفةً، وكانت خيفةً فى محلها، فقد هجم بمن معه على الخليفة وهو فى دار العدل وقبة المظالم، وأقاموه وحملوه إلى دار “ناجود” أو (ياجور) والخليفة يتنادى: يا موسى! اتق الله، ويحك! ـ ما تريد؟! إنك ركبت أمرًا عظيمًا!


ويزعم “موسى بن بُغَا” ـ أنه لا يريد إلا خيرًا، ويطلب من الخليفة أن يقسم لهم أنه لن يمالئ “صالح بن وصيف”، فحلف لهم، فبايعوه وتركوه، ثم جعلوا بعد ذلك يتهمون الخليفة بأنه يدرى مكان اختفائه، وهو يقسم أنه لا يعلم، ويجعل “موسى بن بُغَا” مكافأة عشرة آلاف دينار لمن يجيئه “بصالح بن وصيف”، وزامن هذه الفوضى استيلاء “مساور” الخارجى على الموصل، وخطبته فى الناس بالمسجد الجامع، وخروج الزنج فى فرات البصرة فى شوال ٢٥٥ هـ مع من زعم أنه من ذرية ونسل الحسين بن على، بينما الخليفة “المهتدى” لا يملك حقيقةً من الأمر شيئًا، وصار أُلعوبة فى أيدى هؤلاء الجند المؤتمرين بأمر “موسى بن بُغَا”.


قتل صالح بن وصيف


ظل الأتراك وموسى بن بُغَا على ظنهم أن “المهتدى” يعلم مكان “صالح بن وصيف”، ولا يدلهم عليه، فاتفقوا على خلعه، فنصحهم “بايكباك” أو “بابكتال” على اختلاف فى نطق الاسم ببعض الروايات، نصحهم بألاَّ يفعلوا، فقد سبق أن قتلوا ابن المتوكل، وكان حسن الوجه سخى الكف فاضل النفس، ويريدون قتل “المهتدى” من غير ذنب، وهو صوام قوّام، ولا يشرب النبيذ، وأنهم لو فعلوا ذلك سوف يلحق بخراسان ويشيع ذلك هناك.


وبعد خطوب طويلة، أفاض فيها المؤرخون مع اختلاف فى التفاصيل، نجح أصحاب
“موسى بن بُغَا” فى قتل “صالح بن وصيف” لثمان بقين من صفر سنة ٢٥٦ هـ، وفى كيفية قتله أورد ابن جرير الطبرى، أنهم بعد أن عثروا عليه مصادفة، حمل على برذون والعامة تعدو خلفه وخمسة من الخاصة يمنعون منه، حتى انتهوا به إلى دار “موسى بن بُغَا”، فأتاه بايكباك ومُفلح وياجور وساكتين وغيرهم من القواد، ثم أخرجوه من الباب الذى يلى قِبْلة المسجد الجامع، ليذهبوا به إلى الجوسق (دار بنيت للخلفاء فى وسطها بركة من رصاص)، وهو على بغل بإكاف (البرذعة أو السرج)، فلمَّا صاروا به إلى حد المنارة ضربـه رجل من أصحاب “مُفلح” ضربةً من ورائه على عاتقه كادت تشطره، ثم احتزوا رأسه، وتركوا جيفته هناك، وأخذوا الرأس إلى “المهتدى” وهو لا يزال يقطر دمًا، فلم يزد على أن قال لهم: واروه، وأخذ فى تسبيحه.


ولكنهم خرجوا بالرأس لسبع بقين من صفر، وطيف به، ونودى عليه: هذا جزاء من قتل مولاه، ونصب بباب العامة ثم نُحّى، وأعيد ذلك بعد ثلاثة أيام، وأخرج رأس “بُغَا الصغير” يوم الاثنين فى وقت صلب رأس صالح، ودفع برأس “بُغَا” إلى أهله ليدفنوه.


القتل المحتوم، للملك الصالح!


ذكر الرواة أن “المهتدى” أراد أن يتحايل على موقفه الصعب، حين حاصره “موسى بن بُغَا” وأجناده، ليكون أُلعوبة يصيِّرونها كيف شاءوا، بينما لا يوجد تحت يده جيش يحميه، ولا قوة يُعتد بها.


وفى رواية بعض الرواة، قيل إنه لجأ إلى الحيلة والدهاء لتفتيت ما يتحصن به
“موسى بن بُغَا”، فحاول أن يستميل إليه “بايكباك” أحد قواد الجيش، فطلب إليه ـ أن صدقت الرواية ولم تكن تبريرًا للانقضاض عليه وقتله ـ طلب إليه أن يتخلص من “موسى بن بُغَا” على وعد أن يتأمَّر على الجيش من بعده، ويقال فى هذه الرواية أن “بايكباك” إمَّا لم يثق فى الخليفة ووعده، وإمَّا أنه استضعفه وفضل أن يميل إلى المعسكر الأقوى، فعرض الكتاب الذى يُقال إنه قد جاءه من الخليفة، على “موسى بن بُغَا” مظهرًا إخلاصه له، واستعداده أن ينضمَّا معًا ضد الخليفة، واتفقا أن يتظاهر “بايكباك” للمهتدى بالإخلاص له، على أن يدبرا قتله!


وأبشع من قَتْل “المهتدى” الكيفية الشنيعة التى قتلوه بها، وقد وصف المؤرخون هذا المشهد المأساوى، وبرغم الاختلاف فى بعض التفاصيل، فإن المشهد بكل عناصره بالغ القسوة والعنف والوحشية والضراوة.


كان البغاة المتآمرون على قتله، يخافون ثورة العامة على قتله، لما عرف عنه من صلاح وتقوى واستقامة وعدل، فاحتالوا فى إرسال شكايات يزعمون فيها أنهم يبذلون دماءهم دونه، ولكنهم يشكون من سوء حالهم وانقطاع أرزاقهم، واستئثار القواد بالإقطاعات، وما صار لكبرائهم من الزيادات والرسوم والأرزاق، والكثير من أموال الخراج. ولم تكن الشكوى فى الحقيقة إلا ذريعة لبدء الانقلاب على الخليفة، لذلك لم يُجْد معهم الاستجابة كتابةً ـ وبخط وتوقيع المهتدى ـ إلى طلباتهم الخمسة، وأزمعوا قتل الخليفة طبقًا للاتفاق الذى تم بين “بايكباك” و”موسى بن بُغَا”، وافتعلوا قتالًا مع الخليفة، قتل فيه من أصحاب “المهتدى” خلق كثير، وهرب الباقون، فسار إلى دار “أحمد بن جميل” صاحب الشرطة فدخلوا عليه وأخرجوه، وساروا به إلى الجوسق على بغل، حيث حبس بإحدى الدور، وقيل له فى رواية المسعودى فى مروج الذهب ـ: أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟! فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول r وأهل بيته وخلفائه الراشدين. فقيل له: أن الرسول r كان مع قوم زهدوا فى الدنيا ورغبوا فى الآخرة، كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم، وأنت إنما رجالك بين تركى وخزرى وفرغانى ومغربى وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من هذه الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟


ثم أن هؤلاء البغاة هجموا عليه بالخناجر، وكان أول من جرحه ابن عم “لبايكباك”، جرحه بخنجر فى أوداجه (جمع ودج وهو عرق العنق الذى يقطعه الذابح فلا تبقى
معه حياة)، وانكب الضارب عليه فالتقم الجرح والدم يفور منه، وأقبل يمص الدم حتى
روى منه!


وقد حاول المسعودى أن يخفف وطأة صراحة الألفاظ التى وردت فى وصف المرحلة الأخيرة للإجهاز على الخليفة، فقد جاء فى وصف السيوطى بسنده فى تاريخ الخلفاء، أنهم أمسكوا بالمهتدى وعصروا “خصيتيه” حتى مات، وأورد ابن الأثير أنهم داسوا “خصيتيه” وصفقوه فمات، وبمثل ذلك قال النويرى فى نهاية الأرب وذكر ابن كثير أنهم أهانوه وبصقوا فى وجهه وصفعوه مرارًا قبل أن يقتلوه، وسلموه لرجل جعل يجأ خصيتيه ويطأهما حتى مات ليلة الرابع عشر من رجب ٢٥٦ هـ، فلم تكمل ولايته سنة، وأراد المسعودى تخفيف اللفظ فقال إنهم “عصروا مذاكيره حتى مات”، وأراد الدكتور حسن إبراهيم حسن أن يخفف الصورة فتحاشى التفصيل، واكتفى بالقول بأنهم عذبوه حتى مات!


ولا يمكن لعاقل، ولا لمن قرأ سطرًا فى الإسلام، أن يفسر أو يعلل بأى تفسير أو تعليل كيف جرى هذا الإهدار للدماء، وكيف استخف هؤلاء بالأرواح، وأمعنوا فى أبشع صور العنف والقسوة والوحشية، وهم يحسبون أنفسهم على الإسلام، دين الرحمة والسماحة والمحبة؟!


خلافة المعتمد وقسيمه فيها!!


ولىَّ الخلافة بعد “المهتدى” وبغير عهد سابق، “المعتمد” على الله: أبو العباس: أحمد بن المتوكل بن المعتصم، وكانت أمه أم ولد كوفية اسمها “فتيان”. بويع ١٥ رجب ٢٥٦ هـ / ١٩ يونيو ٨٧٠م، وسنه يوم بويع أربعة وعشرون عامًا، وامتدت خلافته ثلاثة وعشرين عامًا، إلى أن توفى لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢٧٩ هـ / ١٥ أكتوبر ٨٩٢ م، وكان آنذاك محبوسًا بالجوسق (دار بنيت للخلفاء فى وسطها بركة من الرصاص)، فأخرجه الأتراك وولوه الخلافة.


ويبدو أنه أحد الخلفاء القلائل الذين نجو من القتل، وإنْ قيل إنه مات مسمومًا، فهى رواية غير مؤكدة ويعوزها الدليل، والأرجح أنه بقى فى الخلافة حتى توفى، بيد أن خلافته كانت من نوع خاص، فقد قاسمه فيها أخوه “الموفق” أبو أحمد: طلحة بن المتوكل بن المعتصم، مقاسمةً حقيقية لا مجازية، وهذه المقاسمة إحدى عجائب الخلافة فى الدولة العباسية فى عصرها الثانى، فقد شرط الأتراك أن يتولى أمر الجيش أحد إخوة أمير المؤمنين تحاشيًا إلا يرأسهم واحدٌ منهم على ما كان بينهم من خلافات ومنافسات، فولى “المعتمد” أخاه أبا أحمد: طلحة بن المتوكل ـ أمر الجيش، فضلًا عن ولاية الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم أضاف إليه نيابة بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز وفارس.


وفى ربيع الأول سنة ٢٥٨ هـ / ٨٧٢ م ـ عقد له “المعتمد” على ديار مضر وقنسرين والعواصم، فصار السلطان الحقيقى لأبى أحمد طلحة، الذى لقب “بالموفق” ـ لا للخليفة، فلم يعد للمعتمد سوى اللقب والخطبة والسكة، بينما كان “الموفق” هو الذى يهيمن على الدولة، وعلى الأتراك وقوادهم، ويولى الوزراء.


وقد وصف ابن طباطبا صاحب “الفخرى” فى الآداب السلطانية والدول الإسلامية ـ وصف هذه الخلافة العجيبة بأن المعتمد “وكان مستضعفًا، وكان أخوه الموفق طلحة هو الغالب على أموره، وكانت دولة المعتمد دولة عجيبة الوضع. كان هو وأخوه الموفق طلحة كالشريكين فى الخلافة، للمعتمد الخطبة والسكة والتسمِّى بإمرة المؤمنين، ولأخيه طلحة الأمر والنهى وقيادة العساكر ومحاربة الأعداء ومرابطة الثغور وترتيب الوزراء والأمراء، وكان المعتمد مشغولًا عن ذلك بلذاته”.


ووصف السيوطى هذه الحال التى تفاقمت فى فترة تمكن فيها الموفق من حبس أخيه المعتمد ـ وصفها فى “تاريخ الخلفاء”، بأن المعتمد هو أول خليفة قُهر وحُجر عليه ووُكِّل به!


ولاية عهد ولدت ميتةً!


وكان من آثار ضعف المعتمد، أن ولاية العهد التى عقدها لابنه جعفر “المفوض”، يليه طلحة “الموفق”، وهو أمرٌ لم يَرُقْ قط “الموفق” طلحة صاحب الأمر والنهى فى الدولة ـ قد ولدت ميتة، وسنرى أن الخلافة آلت بعد “المعتمد” إلى أحمد بن “الموفق” طلحة حيث كان “الموفق” قد توفى فى صفر سنة ٢٧٨ هـ قبل وفاة أخيه “المعتمد”.


أحداث جسام!


وفى خلافة المعتمد المشتركة مع الموفق، جرت أحداث هامة كان لها أثر كبير فى تاريخ الدولة العباسية، أهمها ثورة الزنج، ووفاة الإمام الحادى عشر ثم اختفاء الإمام الثانى عشر عند طائفة الإمامية الإثنى عشرية، وتأسيس طائفة الإسماعيلية التى تنتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وظهور القرامطة بمذهبهم الشاذ فى الكوفة، وظهور المهدى عبيْد الله بن عبيد جد بنى عبيد خلفاء المصريين والروافض فى اليمن، وأخطرها إرهاصات قيام الدول الصفارية.


الدولة الصفارية


تخرج دراسة الدولة الصفارية عن مهام هذه السطور، ولا نعرض لها إلا باعتبارها أحد أهم الأحداث التى طرأت على الدولة العباسية فى تلك الحقبة، وتصاعدت إرهاصاتها فى خلافة “المعتمد” وأخيه “الموفق”.


وقد بدأ ظهور الصفاريين، على يد “يعقوب بن الليث الصفار” ـ الذى ظهر على مسرح الأحداث سنة ٢٣٧ هـ فى خلافة “المتوكل”، وظل يوسع من رقعة نفوذه، حتى سار إلى فارس فى سنة ٢٥٧ هـ / ٨٧٠ ـ ٨٧١ م، فأرسل إليه الخليفة “المعتمد” ينكر عليه ذلك، وكتب إليه “الموفق” (قسيم الخلافة) بولاية بلخ وطخارستان والسند، وبرغم إظهاره قبول ذلك، إلا أنه طفق يتوسع حتى استطاع فى النهاية أن يسقط دولة “الطاهريين” التى كانت قد ضعفت بخراسان، وأن يقيم الدولة الصفارية رغم أنف الدولة العباسية التى تنتسب إليها، وظلت قائمة على تفصيل لا يتسع له المقام هنا من سنة ٢٥٤ هـ / ٨٦٧ م حتى سنة ٢٩٠ هـ / ٩٠٣ م.


ابن طولون والدولة الطولونية


كانت بداية ظهور أحمد بن طولون على مسرح الأحداث، سابقة على خلافة “المعتمد”، فقد ذهب إلى مصر سنة ٨٦٨ م نيابة عن “بايكباك” الذى عينه الخليفة “المعتز” واليًا على مصر، وقد أقره “بايكباك” سنة ٨٦٩ م نائبًا عنه فى مصر، واستطاع بحيلة وذكاء أن يصعد، واستغل فى صعوده اعتماد “الموفق” عليه فى محاربة الزنج رغم ما كان بينهما من خلاف، بيد أن “الموفق” لم يحسن التعامل معه، وأخفق فى محاولته صرفه عن مصر وتقليدها “أماجور” (أو ماجور) والى الشام، كما أخفق فى كيده لعزله عن مصر، فعمد إلى عزله عن الثغور الشامية، بيد أن الخليفة “المعتمد” ما لبث أن أمر بردها إليه حين اضطربت أحوالها، وسرعان ما سار ابن طولون نحو بلاد الشام، فدانت له أمهات مدنها، ودعى له على منابرها سنة ٢٦٤، ٢٦٥ هـ.


وتخرج عن أغراض هذه السطور ـ دراسة الدولة الطولونية التى نجح أحمد بن طولون فى إقامتها فى داخل الدولة العباسية ـ منذ سنة ٢٥٤ هـ / ٨٦٨ م حتى سنة ٢٩٣ هـ /٩٠٥م، ولكن يلاحظ أنها ابتليت ـ بحكم التوريث ـ بذات ما ابتليت به الدولة العباسية الأم من بلاء إراقة الدماء فى الصراع على السلطة بين الخلفاء والمتطلعين للخلافة!


من ذلك ما ذكره المؤرخون من أن العباس أكبر أبناء أحمد بن طولون، عصى أباه سنة ٢٦٥ هـ / ٨٧٨ م، حين استخلفه أبوه على مصر عندما توجه إلى الشام، فزين له البعض أخذ الأموال والانشراح إلى برقة، ففعل. فلما بلغ الخبر أحمد بن طولون، كَرَّ عائدًا إلى مصر، وأرسل فى البداية ملاطفًا ابنه ليرجع فلم يرجع، بل وأخذته العزة بالإثم أو الخوف من الحساب، فأمعن فى عصيانه، وادعى لإبراهيم بن الأغلب أن أباه ابن طولون قد قلده أمر أفريقيا وأعمالها، حتى إذا ما فتح له الأهالى حصن “لَبْدة” عاملهم أسوأ معاملة، ونهبهم، ودخل فى قتال معهم ومع جيش عامل طرابلس الذى كلفه إبراهيم الأغلب بقتاله، وانضم إليهم زعيم الإباضبة فى نحو اثنى عشر ألفًا، وانتهى هذا العصيان الضرير بخروج ابن طولون لقتال ابنه العباس، وقبل بل أرسل جيشًا لقتاله، فانهزم ووقع فى الأسر، حيث قدم له أبوه باقى الأسرى من أصحابه، وأمره أن يقطع أيدى أعيانهم وأرجلهم، ففعل.


هنالك كشف ابن طولون خسّة ابنه لأصحابه، وطفق يوبخه ويذمه على قيامه بقطع أيدى أصحابه وأرجلهم، بينما كان الأجدى به ـ بدلًا من هذا ـ أن يلقى بنفسه بين يدى أبيه ويطلب الصفح! فقد كان هذا أصلح وأوجب فى معاملة من فارقوا أوطانهم من أجل إعلاء محله، ثم إنه أمر به فضرب مائة مقرعة، وهو لا يستطيع أن يخفى ألمه بحكم عاطفة الأبوة تجاه ابنه الذى عصاه وتمرد عليه! ولكنه غالب عواطفه وحبسه حتى مات!!


وفى سنة ٢٧٠ هـ / ٨٨٤ م، تولى “خمارويه” الحكم فى مصر بعد وفاة أبيه أحمد بن طولون وتسمى “بأبى الجيش”، فقلب ظهر المجن للخليفة العباسى، واستطاع أن ينتصر فى سوريا سنة ٨٨٥ م على جيوش “الموفق” طلحة والخليفة “المعتمد” العباسى، ولم تستقر له الأحوال إلا بوفاة “المعتمد” ومبايعة “المعتضد” الذى اعترف بخمارويه بعد وقعة الطواحين واليًا على مصر ليمده بالأموال، بيد أنه ـ فيما يبدو ـ كان له غرض آخر، فقد تزوج المعتضد سنة ٢٧٩ بابنته قطر الندى (أسماء بنت خمارويه) التى طارت بجمالها وبحسنها الأمثال، وحيكت من حولها القصص والأشعار والأغانى، وأقيم للعروسين عرس خيالى وأُنفقت أموال طائلة من دم الأمة لسفر العروس فى زفة العرس من مصر إلى بغداد!!!


ومن أعجب العجائب، أن “المعتضد” هذا الخليفة المتنعم الذى بنى بأجمل الجميلات، وأنفق فى زواجها الأموال الطائلة، كان شحيحًا بخيلًا ضنينًا، وكان إلى هذا التنعم قليل الرحمة، سفاكًا للدماء، وجرت بذلك روايات المؤرخين، نجتزئ منها ما أورده المسعودى فى مروج الذهب من أن “المعتضد” كان “سفاكًا للدماء، شديد الرغبة فى أن يمثل بمن يقتله، وكان إذا غضب على القائد النبيل، والذى يختصه من غلمانه، أمر أن تحفر له حفيرة بحضرته، ثم يدلى على رأسه فيها، ويطرح التراب عليه، ونصفه الأسفل ظاهر على التراب، ويداس على التراب، فلا يزال كذلك حتى تخرج روحه!”.


“وذكر من عذابه أنه كان يأخذ الرجل فيكتف ويقيد، فيؤخذ القطن فيحشى فى أذنيه وخيشومه وفمه، وتوضع المنافخ فى دبره حتى ينتفخ ويعظم جسمه، ثم يُسد الدبر بشىء من القطن، ثم يفصد، وقد صار كالجمل العظيم، من العرقين اللذين فوق الحاجبين، حتى تخرج روحه، وربما كان الرجل يقام فى أعلى القصر مجردًا موثقًا يُرمى بالنشاب (النبال) حتى يموت”!


وأورد المسعودى أنه اتخذ المطامير (أماكن تحت الأرض يطمر فيها الفول والقمح ونحوهما)، وجعل فيها صنوف العذاب وجعل عليها المتولى لعذاب الناس، ولم يكن له رغبة إلا فى النساء والبناء، فقد أنفق على قصره المعروف بالثريا أربعمائة ألف دينار، وكان طول القصر ثلاثة فراسخ!!!


وكان هذا هو حال الخلافة والخلفاء!!!