مآسى العلاقات الزوجية مع الاعتماد على النفس

16/11/2016 - 11:44:11

بقلم: د. محمد فتحى

هل هناك علاقة مباشرة للاعتماد على النفس بالمشاكل العويصة التي تعاني منها مؤسسة الزواج المصرية في الوقت الحالي (انظر إلى مدى ما نحسه من رضاء في علاقاتنا الزوجية ونسب الطلاق المعلن وغير المعلن)، وهل للاعتماد على النفس علاقة بالمشاكل العويصة التي تعاني منها مؤسسة العمل المصرية (انظر إلى تدني الإنتاجية وتدهور حالة الاقتصاد عامة ومدى رضا الناس عن عملهم)، وهل للاعتماد على النفس علاقة بالمشاكل العويصة التي تقود إلى تخلفنا في مجال البحث العلمي (احتلال مرتبة متأخرة جدا على المستوى العالمي، لا تليق بشعب تبدأ كل شعوب الدنيا سيرتها العلمية بدراسة حضارته.. حضارة قدماء المصريين). وهل للاعتماد على النفس علاقة... .


هل للوقوف عند الاعتماد على النفس علاقة بكل مشاكلنا الملحة وتدهور أحوالنا عامة؟


لا بأس من أن تكون بداية إجابتنا لعبة وإن كانت ذات دلالة.


خلال دورة تدريبية، حضرها ٥٠ دارسا ينتمون لمؤسسة عصرية، كف المعلم عن سرد محاضرته، وأقدم على تجربة عملية.. طلب توزيع ٥٠ بالونة بلون واحد على المتدربين، وطلب أن ينفخ كل بالونته ويعقد فوهتها، ويكتب اسمه عليها بخط واضح.


تم جمع البالونات ووضعها في غرفة صغيرة.. وطلب المحاضر أن يحاول كل متدرب العثور على البالون الذي يحمل اسمه بسرعة.. مرت دقائق، طويلة الوقع، من الهرج والتدافع لدخول الغرفة والبحث في أرجائها، وصوت المحاضر يلاحق الباحثين ويحفزهم ويذكرهم، بالذات ونحن نعيش عصرا يجري الإنجاز فيه على الطاير: بسرعة. بسرعة. بسرعة، دون نتيجة تذكر.


مرت خمس دقائق دون أن يستطيع متدرب، باستثناء واحد (بواقع ٢٪)، العثور على البالون الذي يحمل اسمه، رغم كل التدافع بالمناكب، الذي تسبب حتى في فرقعة عدد من البالونات و... .


آنئذ أقدم المحاضر على تكرار التجربة، وطلب بهدوء دون تحفيز أو استعجال، أن يأخذ كل متدرب بالونا من الحجرة، أيا كان الاسم الذي يحمله، ثم يعطيه لصاحب الاسم المسجل عليه.. وكانت المفاجأة أن تمت العملية بسرعة وبساطة ويسر شديد، وخلال دقيقة واحدة بات في يد كل متدرب البالون الذي يحمل اسمه!


والتفكير لوهلة يقودنا إلى أنه يمكن أن يكون لهذه اللعبة دلالات متعددة، ولكننا سنقتصر هنا على «الفائدة الواضحة للتعاون والاعتماد المتبادل».


ممارسات سى السيد والست أمينة


إن التصور الذهني للمجتمع يحتفي بالاعتماد على الذات (نموذج العصامي)، وكأنه الهدف المنشود لصفوة الأفراد والحركات الاجتماعية، والحقيقة أن الاعتماد على الذات قيمة كبري، ولكنه ليس نهاية المطاف، بل ويمكن أن يقود إلى إعاقات وتصادم وشحان، وربما مآسٍ في المجتمعات العصرية، التي خاصمت مرحلة وأخلاقيات وممارسات سي السيد والست أمينة (أبطال ثلاثية نجيب محفوظ) في شئونها المختلفة.


كلنا يبدأ حياته رضيعا يعتمد اعتمادا كليا على من حوله في كل شيء: غذاؤه ورفاؤه وبقاؤه وأمنه و... . وحتى لا تتعرض حياته للخطر، ويموت في نهاية المطاف.


وتدريجيا وعلى مر الأيام والشهور والسنين نصبح أكثر اعتمادا على الذات، من الناحية البدنية والعقلية والعاطفية والوجدانية والمادية، إلى أن نتمكن من العناية بأنفسنا، ونتلقي توجيهات حياتنا من داخلنا في نهاية المطاف.


والكثير من احتفاء المجتمع بالاعتماد على الذات هو رد فعل للتخلص من الحالة الطفيلية للاعتماد على الآخرين، ولأن الاعتماد على النفس نقلة كبرى، وقيمة اجتماعية متقدمة هائلة، مقارنة بالاعتماد على الآخرين.


لكن هل الاعتماد على الذات نهاية المطاف؟


لقد ظلت كثير من النظرات الاجتماعية تعامل الاعتماد على النفس على أنه بيت القصيد في التحول إلى إنسان ناضج (ومؤسسة اجتماعية ناضجة و...)، وتروج لذلك بكل السبل، بل إن واحدة من أرقى وأشهر النظرات العلمية لاحتياجات الإنسان (أبرهام ماسلو) نصبت «تحقيق الذات» كهدف أسمى، ووضعته على قمة هرم هذه الاحتياجات، فوق الاحتياجات الفسيولوجية (الغذاء والتنفس والجنس و...)، واحتياجات الشعور بالأمان، والإحساس بالحب، واعتراف الآخرين وتقديرهم.


تشابك وتعقد العلاقات


لكن طبيعة العصر، مع تشابك وتعقد العلاقات من جانب، وشيوع التخصص والتفرد الشخصي من جانب آخر، جعل الاعتماد على النفس مجرد مرحلة في الطريق إلى الإنسان الناضج، القادر على التعاون مع الآخرين، وتبادل الاعتماد مع غيره، حتى لكي يحقق ذاته.. فأدوار الاعتماد المتبادل بين الناس باتت حجر الزاوية في العمل الناجح والزواج الناجح، بل واللعب الناجح و...، وهذا يخلق مشكلة ويضع الإنسان المعاصر الذي يتوقف عند الاعتماد على نفسه- وربما تباهى بذلك- في مآزق قاتلة، ناهيك عن محصلته الاجتماعية المتردية (شيء شبيه بما رأينا في اللعبة حوالي ٢٪).


ولك أن تتخيل لاعبا في ملعب كرة القدم الحديثة توجهه الذهني هو تسجيل هدف بالاعتماد على قدراته وحده، وكيف أن الأقرب إلى الاحتمال هو تعثره وفقدانه الكرة، أو اضطراره للابتعاد عن المرمى، مع تكالب المدافعين واحدا وراء الآخر عليه.. ولاعب آخر توجهه الذهني هو التعاون مع أفراد الفريق الآخرين، كل بقدراته الخاصة لتسجيل الهدف.. لاعب لماح يرى الملعب جيدا ويرى المرمى جيدا، يستلم الكرة، فيمررها لزميل لماح آخر أخذ وضعا مميزا في حلق المرمي، ليمررها هذا والمدافعون يتقاطرون عليه، للماح ثالث آتٍ من الخلف، وقبل أن يلتفت إليه أحد يكون قد سددها بمهارة- على الطاير- لتسكن المرمى، حتى قبل أن يتمكن الحارس من الالتفات والتحرك إليها! لقد أجاد اللاعبون الثلاثة- مع غيرهم ممن ساهم في التحضير- مهارات التعاون والاعتماد المتبادل، إلى جوار المهارات الشخصية، فسجلوا الهدف ببراعة ويسر.


والأمر لا يقتصر على اللعب وكرة القدم بالطبع، ولك أن تتصور رجلا وامرأة متزوجين لا يجيدان مهارات اللعب معا داخل وخارج البيت، وربما لم يتعلما هذه المهارات أصلا! يصر كل منهما على تكريس ممارساته الشخصية الفريدة من نوعها، التي يعتقد كل بصحتها ورقيها، دون التفات إلى غيرها... .


فهم الاحتياجات العميقة للآخر


والمشكلة أن التعاون والاعتماد المتبادل ليس مجرد مفهوم يتحقق بمجرد أن يذكره المدرب للاعبين، والمدرب واللاعبون المقصودون هنا ليسوا فقط فريق كرة القدم، بل فريق الأسرة وفريق البحث العلمي وفريق العمل وفريق... . إنه مفهوم يحتاج إلى توجه ذهني واضح، وحساسية ولماحية إلى جوار الفهم والجهد.. إلى تصور ذهني ناضج لدى الفرد، وفهم لأبعاد الموقف والشريك ربما احتاج إلى الدرس، وإلى مهارات ربما تطلبت كدا وعرقا كثيرا في تعلمها والتدرب على ممارستها و... .


فالشريك في الزواج مثلا مطالب حتى قبل فهم احتياجاته الخاصة، بفهم احتياجات شريكه ومشاكله وآماله وأوضاعه و...، وهذا ليس تفضلا، بل ضرورة، لأن جوهر المسألة علاقة بين اثنين، هدفها رفاههما، الذي يستحيل لأحد- إلا لو كان مريضا- دون أن يكونا فيه معا. ومهما كان حجم الجهد والكد الذي سيبذله المرء في الدرس وتعلم مهارات التعاون والاعتماد المتبادل، فهو هيِّن قياسا بالنجاح والسعادة والإشباع الذي سيجنيه من علاقة سوية فاهمة صادقة، لا يغلب عليها التصنع والتزييف، أو وصول العلاقة إلى حائط مسدود يؤدي إلى انهيار الشراكة والأسرة عمليا، سواء انتهى الأمر بالطلاق، أو منعته اعتبارات أخرى مثل أزمة المساكن أو أن يربوا العيال أو... .


عمر العسل بدلا من شهر العسل


وينبغي التأكيد هنا على أن الفهم المطلوب ليس أي فهم بل الفهم المعتمد على التعاطف مع الشريك واستبطان عوالمه وتقمص حالته حتى يمكن فهمه، فهما عميقا، على مستوى العقل والمشاعر في إطار مرجعياته هو.. فأنت تنفذ خلاله وترى العالم بالطريقة التي يراه بها، وتفهم تصوره الذهني وتفهم شعوره، وليس تصوراتك الشخصية أنت عن مشاكله وشعوره وفهمه للعالم و... .


وفهم الآخر بلمس الاحتياجات العميقة لديه مهم ومؤثر للغاية، لأنه يمنحك معرفة حقيقية دقيقة تنطلق للعمل من خلالها، فبدلا من إسقاط سيرتك الذاتية وفرض الأفكار والمشاعر والدوافع والتأثيرات و... التي تتصورها أنت على الآخر، تتعامل مع الواقع الذي يدور في عقل ونفس الشريك، مع عوالمه ومشاكله وأحلامه...، إذ تركز على تلقي تواصل عميق من أعمق أعماق وجدانه.


ونؤكد أن التعاطف الاستبطاني التقمصي لا يأخذ، رغم الجهد السابق، ما يأخذه سوء الفهم، من وقت وجهد، أو العيش مع المشاكل النائمة غير المعلنة، التي لم تحل قط، ولا تلبث أن تظهر على السطح وتسمم الحياة بين وقت وآخر.


ولن أسأل كم منا يولي اهتماما بفهم الشريك على النحو السابق، بعيدا عن تصوراته الشخصية


حتى يدرك ويفهم كيف يحس ويفكر و...، ليتمكن أن يقيم علاقة ناجحة مشبعة معه؟ وما هي درجة اهتمامنا وصبرنا وكدنا في فعل ذلك، مقارنة باهتمامنا بفستان الفرح وحفل الزواج وربما شهر العسل (ولا أقول كيف يغيظ هذه ويفرس ذاك؟)، بينما الأصل أن يتركز التفكير في سبل أن تكون حياة المرء بطولها مع من يختار عسلا (توفيق وسعادة وإشباع وتألق إنساني) في كل شئونها، حتى لو كان الشهر الأول الباذخ غير ممكن.. فالكثيرات يقمن اليوم أفراحا لإتمام الطلاق من نفس الأشخاص الذين أقمن أفراحا باذخة للارتباط بهم!؟


وقس على كلامنا عن الشريك في العلاقة الزوجية توجهاتنا بالنسبة لعوالم الشريك النوعية المتباينة سواء في العمل والبحث العلمي واللعب و... . لأن تصورات التعاون والاعتماد المتبادل، تعني القدرة على بناء علاقات مع الآخرين تتسم بالقوة والمبادرة والثراء والاستمرارية والإشباع، ولأن التعاون والاعتماد المتبادل يقود إلى إقامة ارتباطات قوية وعميقة وغنية وذات مغزى، ويفتح عوالم لا نهائية من فرص الترقي الإنساني والسعادة والإشباع. وحين نعجز عنه، يكون مصدرا لشعورنا بأعظم الآلام وأكبر الإحباطات وأعتى العقبات التي تعترض طريق السعادة والنجاح، كما يحدث في فشل الزواج، أو عدم التوافق مع فريق العمل أو اللعب أو الأسرة... .


تبقى إشارات أولها إلى أن «نموذج العصامي» الذي تحتفي به المجتمعات يجري ابتساره فيه كواحد اعتمد على نفسه، بينما لو دققنا الأمر لوجدنا قدرة فذة على إقامة علاقات مع الآخرين، وعلى التعاون والاعتماد المتبادل بينه وبينهم.


والإشارة الثانية إلى أن اللاعب الماهر ذا التوجه الذهني للتسجيل بالاعتماد على قدراته سينال التصفيق مرة حين يسجل هدفا، بينما سينال اللعنات آلاف المرات وهو يتهم بالأنانية مع إهداره لفرص ممكنة لتسجيل فريقه، وأن الفريق الذي يلعب أفراده كل لنفسه يمكن أن يفوز في مباراة، بينما سيخسر كل مبارياته المهمة، مهما كانت مهارات أفراده. بينما فريق التوجه الذهني للعب الجماعي سيحقق دوما نتائج تتناسب مع مهارات أفراده، وربما تفوقها. وأن نفس الفريق يمكن أن تنقلب نتائجه رأسا على عقب إن استطاع مديره الفني تغيير توجهه من اللعب الفردي، إلى اللعب الجماعي... .


والإشارة الثالثة أننا في اللعبة التي افتتحنا بها هذه العجالة قلنا عن قصد إن البالونات وضعت في حجرة صغيرة، قاصدين تصوير نفسية الزحام وقلة الفرص، التي تجعلنا نتخيل أن أي خير يصل لشريك هو خصم مما يمكن أن يصلنا من خير، بمعنى أن ما تحصل عليه أنت أفقده أنا. والناس مع عقلية الزحام هذه يجدون صعوبة شديدة في الاقتسام، ويجدون صعوبة في أن يكونوا سعداء حقا بنجاحات الآخرين. وهذه سيكولوجية مغلوطة، وليس عليك إلا أن تتصور ذلك بين زوجين في أسرة، لترى أنه تصور مرضي في الأساس.


أما الإشارة الأخيرة الواجبة فهي أن اعتماد الإنسان على نفسه قيمة اجتماعية متقدمة هائلة، مقارنة بالاعتماد على الآخرين، وهذا أمر هام وضروري ابتداء، لكن المشكلة هي في الوقوف عند الاعتماد على النفس بعيدا عن مهارات التعاون والاعتماد المتبادل مع شركاء الحياة في مختلف المجالات، في حياة بات التشابك والتنوع سمتها، وهذا بالذات أحد الأسباب الأساسية لكل أمراضنا ومشاكلنا الملحة، بل وتدهور أحوالنا عامة؟