محمود عبد العزيز .. الضاحك الباكى

16/11/2016 - 11:33:17

  منة شلبى ومحمود عبدالعزيز علاقة أبوة توطدت بفيلم الساحر منة شلبى ومحمود عبدالعزيز علاقة أبوة توطدت بفيلم الساحر

بقلم - نجوان عبداللطيف

فى دار الأوبرا المصرية فى حفل الرائع على الحجار وصلنى عبر الإنترنت خبر وفاة محمود عبد العزيز.. الفنان.. نعم هو يستحق هذا للقب بامتياز.. ليس كل من يمثل فنانا ولا كل من غنى فنان ولا من لحن ولا من كتب ولا من رسم.. الفنانون قلائل ومن بينهم محمود عبدالعزيز، هو واحد من هؤلاء الذين يؤثرون فى وجداننا، بل يشكلون هذا الوجدان. ليس للمصريين فقط ولكن كل العرب. فى التسعينيات كنت فى زيارة للمملكة المغربية، وحاولت أن أحدد مواعيد للقاء بعض الشخصيات المهمة قال لى صديق مغربى: كل المواعيد ستبدأ بعد الانتهاء من عرض مسلسل رأفت الهجان.. تصورت أنه يبالغ أو أنه يجاملنى كمصرية.


فى موعد عرض المسلسل قررت التسوق فى وسط مدينة الرباط، فوجئت بالشوارع شبه خالية إلى درجة صعوبة إيجاد سيارة تاكسى، وأنا أسأل شابا مغربيا متعجلا عن الطريق لشارع محمد الخامس قال لى بعد أن أدرك من لهجتى أننى مصرية: أجلى مشوارك بعد انتهاء مسلسل الهجان.


صحيح أن المسلسل كان له تأثير كبير فى مصر، لكنى أبدًا لم أتصور ذات التأثير وربما أكثر على الشعوب العربية التى يذاع فيها المسلسل، أذكر سؤال المغربيات عن محمود عبدالعزيز.. كانوا متيمين بأدائه كانوا يتحدثون عنه وكأنه هو البطل الحقيقى رفعت الجمال، قالت لى إحداهن إن مسلسل الهجان غفر لمصر اتفاقية الصلح المنفرد مع إسرائيل! إلى هذا الحد نجح الهجان فى إذابة بعض من الجليد الذى نشأ بين مصر وعالمها العربى بسبب اتفاقية السلام التى وقعها السادات مع العدو الإسرائيلى. وأعاد لجهاز المخابرات وضعه وهيبته لدى الجميع بعد كشف بعض الممارسات غير السليمة من رئيسه السابق صلاح نصر والذى أعفى من منصبه بسببها وحوكم عليها.


مسلسل الهجان كان الضوء الكاشف للدور الوطنى المهم الذى لعبته المخابرات المصرية ضد العدو الإسرائيلى، فى حرب الاستنزاف وحرب١٩٧٣ وخلق وعيا لدى الأجيال الجديدة بقدرات المصريين التى تأثرت بثقافة السلام المزيف لتعرف أن «إسرائيل عدو الأمس واليوم والغد».


رحل رأفت الهجان. والشيخ حسنى فى (الكيت كات) وسمير فى (الشقة من حق الزوجة) ومنصور فى (الساحر) والدكتورعادل فى (العار) والضابط توفيق شركس فى (البرىء). والجاسوس منصور ورجل المخابرات عزالدين فى إعدام ميت. والعديد من الشخصيات فيما يقرب من ٩٠ فيلما. استطاع فى كل عمل أن يقدم لنا شخصية مختلفة، كان أهم ما يميز أداءه مصريته، لا تملك إلا أن تصدق أن سمير الموظف فى الصباح وسائق التاكسى بعد الظهر فى فيلم الشقة من حق الزوجة، هو الذى يرقص على أغنية زحمة يادنيا زحمة، وهو الذى يلقى فى وجه حماته بالغسيل فى مشهد من أحلى مشاهد الكوميديا على الشاشة الفضية، وأن توفيق شركس هو ضابط الشرطة المصرى الذى يعيش تناقضا حادا بين شخصيته الوديعة الرقيقة مع أسرته وشخصيته الأخرى القاسية المستبدة فى المعتقل. ولا هذا الطبيب عادل الذى ترك نفسه لتيار المال الحرام فى العار ولم يجد أمامه إلا السخرية من ضياع كل شيء بالغناء (والملاحة والملاحة وحبيبتى ملو الطراحة)، أما الشيخ حسنى الضرير الذى يقود الموتوسكيل فى مشهد هو من روائع السينما المصرية هو هذا المواطن البسيط الفقير ولكنه أبدا ليس بالشخص العادى، محمود عبدالعزيز قادر على أن ينسيك أنك تشاهد عملا فنيا - مجرد تمثيل- بل يجعلك تنتقل من أمام الشاشة للشارع أو الحارة لتلتقى بمواطن مصرى من دم ولحم، محمود عبدالعزيز هو واحد من هؤلاء الذين كانوا ومازالوا – رغم رحيلهم - قادرين على إدخال البهجة إلى قلوبنا بالفن الجميل، حتى ولو كانوا ينقلون الواقع المر.


كثير من هؤلاء لم يأخذوا حقهم ومنهم محمود عبدالعزيز، رغم النجومية وحب الناس ولكنه أبدا لم يعامل بما يستحق من الدولة، بعض المقربين منه قالوا إنه مر باكتئاب بسبب ضعف الأعمال التى تعرض عليه، وقضى بالفعل أوقاتًا طويلة بلا عمل، لأنه لا يحب أن يقدم الغث، ولأنه محب لجمهوره وفنه إلى درجة التفانى. كم كان هذا مؤلمًا للعظيم محمود عبدالعزيز كان يحلم بالكثير الذى يستطيع أن يقدمه ولكنه عاجز عن تحقيقه كان الضاحك الباكى.


تقاطعت أفكارى عن محمود عبدالعزيز مع صوت القدير على الحجار وهو يصدح بكلمات العظيم عبدالرحمن الأبنودى


كل الجروح ليها دوى
ياطير.. يا حايم.. ف الهوى
اطوى الجناح على الجراح
واضحـك..
ويلا.. نطير سوى
أنا مش هبيع الصدق ب الأكاذيب
ولا قولش للحمل الوديع.. يا ديب
ولا قولش للديب.. يا أعز حبيب
والصدق مهما.. عزّ
ف.. الأزمه.. مش.. ههتز
ساعات يكون
كــــــــــتّم الأنين
أصــــــــــــد ق
الصدق هو عنوان أى فنان على الحجار والأبنودى ومحمود عبدالعزيز. كان حزينًا رغم قدرته اللا محدودة على إضفاء البهجة على الآخرين، يصعب عليه كثيرًا أن يقبل عملا لا يرضيه بالكامل، وهو الذى لم يتردد لحظة عن قبول العمل مع مخرجين لازالوا فى بداياتهم لقناعته بموهبتهم وبالعمل المقدمين عليه، كما قبل بحدس الفنان أن تكون أمامه بطلات شابات لم تخطُ بعد خطواتها الأولى فى عالم الفن، فكانت منة شلبى فى الساحر ووفاء صادق فى القبطان، وغيرهن كثيرات.


ربما لم يشعر محمود عبدالعزيز بتقدير الآخرين له بما يستحق ولكنه كان متعففًا عن الطلب أو الشكوى كان (كتم الأنين أصدق)، مع أنه بالفعل واحد من الكبار تحقق ذلك بعد وفاته، جهاز المخابرات العامة المصرية ينعيه فى صحيفة الأهرام، فى سابقة لم تحدث من قبل وذلك لدوره الوطنى، كما تصدر خبر وفاته نشرات أخبار الفضائيات العربية والصحف، وفى صحيفتين من أشهر الصحف الفرنسية احتل خبر رحيله مساحة ليست بالصغيرة.. (صحيفة ليموند) قالت إنه صاحب الوجه الضاحك المتميز بخفة الدم والبساطة فى التعبير، وأشارت إلى فيلمه العظيم الكيت كات.


أما صحيفة ليبرالسيون وصفته بأيقونة السينما المصرية، وأشارت إلى فيلميه الكيت كات للمخرج داود عبدالسيد والساحر للمخرج الراحل رضوان الكاشف باعتبارهما من أهم الأفلام فى تاريخ السينما المصرية.


كثيرون من الكبار يعيشون بيننا لا نعطيهم ما يستحقون مع أنهم قدموا الكثير دون أن ينتظروا المقابل. تداخلت أفكارى بين محمود عبدالعزيز وبين صوت الحجار، والحجار واحد أيضًا من الكبار موهبة وقدرة واحترامًا للفن واجتهادًا فى اختيار الكلمة واللحن يحمل هموم الوطن فى قلبه، من يعطيه حقه هو وآخرين من الفنانين والمبدعين والعلماء هم ملح هذه الأرض.. هم الذين جعلوها حلوة الحلوات. يغنى الحجار:


اللى بنى بنى مصر كان فى الأصل حلوانى


وعشان كده مصر يا ولاد مصر ياولاد حلوة الحلوات
بحلم يا صاحبى وأنا وأنا لسه بأحبى
بدنيا تانية ومصر جنة يا صاحبى


وآجى أحقق الحلم
ألقى الموج عالى عالى عالى عالى طاح بى


ونعود سوا نطوى الأنين بالحنين
ونعود سوا نطوى الأنين بالحنين


وعشان كده مصر يا ولاد حلوة الحلوات.